العراق: نعم لقد تجاوزوا الحد!
اسيا العتروس.
نعم لقد تجاوزوا الحد.. والأمر لا يتعلق بنكبة العراق وحده بعد فاجعة مستشفى ابن الخطيب ولكن بكل النكبات المتواترة من العالم العربي الموبوء ذلك الرجل المريض الذي استعصت في علاجه كل الوصفات حتى بات عبئا على العالم..
نعم لقد تجاوزوا الحد وما حدث أول أمس في مستشفى ابن الخطيب حيث احترق عشرات المرضى بسبب الإهمال ليس سوى نقطة من بحر الإهمال الحاصل في المجتمعات العربية الغارقة في نفاياتها وأوساخها وتردي ذوقها وانسياقها نحو التفاهة وترذيل العقل والفكر وكل ما يمكن أن يغير واقعها إلى الأفضل.. محرقة مستشفى ابن الخطيب أو مأساة ابن الخطيب التي صدمت العراقيين قد تجاوزت في حدودها وانعكاساتها النفسية والإنسانية والأخلاقية والسياسية أيضا حدود العراق إلى مختلف المجتمعات العربية التي تدفع بشكل أو بآخر ثمن الجوائح السياسية المتعددة التي ألمت بها والتي تفاقمت بفعل جائحة كورونا التي استنزفت الجميع بسبب الرشوة والفساد وانعدام الضمير المهني وغياب الوطنية.. وما حدث في العراق أول أمس ليس سوى بقية من سيناريو مستمر لتدمير ما بقي من هذا البلد وإنهاكه كما أنهك بقية المجتمعات والدول العربية المنكوبة بسبب استشراء عقلية الفساد السياسي والمالي واللامبالاة وغياب ثقافة المحاسبة والمساءلة الذي تفاقم بوجود نخب سياسية هاوية اعتقدت عمقت أزمة الثقة داخل المجتمعات.. لا خلاف أن السلطات العراقية ستفتح تحقيقا في محرقة مستشفى ابن الخطيب والأكيد أنها ستطوى كما تطوي كل التحقيقات في مختلف التجاوزات والجرائم في عالمنا العربي فنحن لا نحتمل معاقبة الجاني ولا نقبل بمحاسبة المذنب ولا نقدر على فتح الملفات السرية وكشف الحقائق والقوانين إنما جعلت لتفرض على المنسيين والمستضعفين..
نعم لقد تجاوزا الحد، ولعل المثير وربما من المتناقضات الحاصلة أن يحمل مستشفى العراق اسم ابن الخطيب الذي لقب بذي الوزارتين وذي العمرين وذي الميتتين، وقد كان علامة أندلسيا وشاعرا وكاتبا وفقيها وطبيبا وفيلسوفا وسياسيا في جامعة القرويين.. وكانت نهايته مأساوية وهو ما جعله يلقب بذي الميتتين ويبدو انه سيضيف لهما ميتة ثالثة… فقد قتل في سجنه بعد ان وجهت له اتحامات بالاحاد والزندقة واحرقت كتبه في ساحة غرناطة، وقتل في سجنه بالمغرب وأخرجت جثته بعد دفنها وطرحت فوق القبر وأضرمت حولها النار فأحترق شعر الرأس، وأسودت البشرة ثم أعيدت الجثة إلى القبر..
نعم لقد تجاوز الحد، وها أن ابن الخطيب يموت مرة أخرى بعد قرون على وفاته ويموت المرضى في مستشفى يحمل اسمه حرقا بسبب الفساد والإهمال..
لقد أعادت مشاهد مستشفى ابن الخطيب إلى الذاكرة ما حدث ويحدث في لبنان من جمود وانهيار وإفلاس مالي واقتصادي وسياسي ومن تعثر لمفاوضان تشكيل الحكومة واستمرار معارك السياسيين وهيمنة عقلية الطائفية التي أنست الجميع حرائق لبنان وانفجارات ميناء بيروت وأعادت معها مشاهد القهر الحاصل في سوريا وما يحدث من حصاد يومي لموت الأطفال المشردين جوعا وبردا في المخيمات وأعادت أيضا ما يحدث في الجوار الليبي من دمار وخراب بأيدي الإخوة الأعداء وما حدث ويحدث في السودان بعد تقسيمه إلى سودانين وما يحدث في اليمن الذي يحترق كل ساعة في حرب لم يخترها ولم يستشر أهله بشأنها..
محرقة ابن الخطيب ليست سوى المحرقة الجماعية للمجتمعات العربية التي انهكتها الحروب والصراعات وعقلية الغنيمة.. نعم لقد تجاوزا الحد، وطبعا نحن في تونس لسنا بمنأى من كل ذلك وإذا كان التاريخ والجغرافيا جنب تونس جائحة الأقليات والطوائف فإنها قد ابتليت بما هو أبشع وأفظع من كل ذلك وهان أن تونس تعيش بدورها أزمة سياسية غير مسبوقة بين نخب سياسية بغيضة تتجاهل معاناة الشعب مع الغلاء والوباء وكل الأزمات العالقة ولكنها استطاعت بقدرة قادر أن تحول مؤسسات الدولة إلى منابر وحلبات صراع وحروب صلاحيات مفتوحة عل كل السيناريوهات…
لقد وجب الاعتراف أن العنوان “لقد تجاوزوا الحد”، مقتبس عن تقرير غير مسبوق لمنظمة هيومن رايس ووتش عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في حق الفلسطينيين من جرائم حرب و عنصرية والتي تجاوزت كل الخطوط الحمراء ولم يعد بالإمكان تجاهلها والقفز عليها وما يحدث في فلسطين يبقى أيضا جزءا لا يتجزأ من المشهد المأساوي الحاصل… والأكيد أن التقرير لن يكون له معنى أو هدف بدون إجراءات عملية تدين الاحتلال وتحمله مسؤولية التجاوزات المقترفة في حق الفلسطينيين منذ عقود..
2021-04-29