السلطة وبعث البعث !
كتب محمد السيد محسن
…….
راكب الموجة ليس كصاحبها ، لا يشبهه احياناً ، ولا يستفيد منه احياناً أخرى ، لكن راكب الموجة ينجو بركوبه فيما يغرق صاحبها بالدماء.
هذا باختصار ما جرى للمتظاهرين الشبان الذين لم يتعلموا خطاب البعث ، ولم يتعرفوا على الرفاق الحزبيين ، ولم يحضروا اجتماعات حزبية ، ولم يستمعوا لخطابات صدام حسين ، ترعرعوا في كنف الأخوة “المجاهدين” ، شاهدوهم وهم يجلسون مع الامريكان ، وكانوا عوناً لهم في كثير من الأوقات لتسهيل مهمتهم في احتلال العراق .
شاهدوهم على الفضائيات العراقية المستحدثة والفضائيات العربية والأجنبية اول أيام الاحتلال ، وهم يتحدثون عن عراق جديد ، ومستقبل زاهر للعراق وللعراقيين.
شباب عراقي خذلته الطبقة السياسية وتحسس كل منهم إصبعه البنفسجي فأحس بالخديعة طيلة 15 عاماً ، تذكروا ان كبارهم تحركوا في مظاهرات صيف كل عام ، ولم ينجحوا في تغيير سلوك السلطة وثنيها عن التفكير بان المسؤولية خدمة وليست مغنماً ، قرروا ان يتظاهروا بشكل جديد ، بعيداً عن رموز العملية السياسية العرجاء التي لم تنجز الدولة بعد ، وطالبوا بالتغيير ، فحاصرتهم تهمة الانتماء لحزب البعث المحظور بأمر “المجاهدين” الذين استلموا السلطة من المحتل الأمريكي ، ولانهم متهمون بعلاقتهم بحزب البعث ، فقد تعرضوا الى القتل والتنكيل ، في مشاهد لا تختلف كثيراً عن ما سمعوه من اخوتهم وآبائهم عما جرى في انتفاضة آذار عام 1991 حينما فتكت بهم السلطة السابقة.
لقد احس كل منهم بانه وقع ضحية حزب البعث الذي تأسس في مقهى ، وحزب الدعوة الذي تأسس في حسينية، وما بين المقهى والحسينية لم يحصلوا على ابسط شروط المواطنة.
لقد أيقنوا بما صار واضحاً بأن السلطة سواء كانت بقيادة حزب البعث “المحظور” او بقيادة حزب الدعوة وكل ما فرخ من أحزاب اسلاموية ، هي سلطة لا تستطيع ان تعيش الا بوحل أزمات مفتعلة او غير مفتعلة.
لقد أيقنوا ان السلطة الحالية هي نتاج السلطة السابقة وان الخرقة التي وضعتها السلطة السابقة في افواه اخوتهم وآبائهم ، والتي رماها الامريكان في الأزبال ، هي نفس الخرقة التي يضعها رجالات الطبقة السياسية الحالية في آذانهم .
لقد أيقنوا ان الذين تظاهروا عام ١٩٩١ هم الان مجاهدين ويستلمون ثلاث رواتب في الشهر الواحد لهم ولزوجاتهم ولابنائهم ، فيما هم جواسيس ومندسّين ، وربما عليهم ان ينتظروا عشرات السنين كي ينصفهم احد ما ويعطيهم ثلاث رواتب في الشهر الواحد.
هؤلاء الذين رفضوهم ونكلوا بهم اليوم، هم أنفسهم كانوا يقفون مع الذين تظاهروا عام ١٩٩١.
لقد أيقنوا ان السلطة في بلادهم لا تستطيع ان تمضي قدما في المشهد السياسي دون وجود عدو ، وليس أسهل من البعث عدواً ، يسوغ للسلطة الحالية ان تنفخ بالبعث الحياة كي تعيده لمشهد ينتج لها البقاءعلى قيد الوجود.
تخيلوا معي ان الطبقة السياسية الحالية دون أعداء ، وأنها يجب ان تنهض بالبناء ، وأنها يجب ان تنظم الأمور كما هو المنطق في بناء البلدان عبر خطط تنمية مستدامة، كيف سيكون موقف أحزاب لم تستطع ان تنتج رجلاً بنّاءاً لحد الان؟
انهم يعيشون على اعدائهم ، ويتمددون على الأزمات لانهم ليسوا قادرين على البناء ، ولا يستطيعون ان يتنازلوا عن المغانم التي استحصلوا عليها طيلة فترة تواجدهم على سدّة القرار.
انه سلوك السلطة غير الشرعية وان أنتجتها صناديق الاقتراع و التي تبحث عن اتهامات لمعارضيها قبل ان تبحث عن حلول لمطالبهم.
ومع كل ما سال من دم ، وما نشر من لقطات مؤلمة ومخزية بحق السلطة ، الا ان انتفاضة تشرين التي كان شباب العراق ابطالها وضحاياها ، اثبتت ان الذين يحكمون العراق باتوا في حرج كبير لان سلطة الشعب هي التي تحدد مسار المرحلة دائماً وان الجماهير تصبر ، لكنها لا تستسلم.
alsaidmohsin@gmail.com
2019-10-15