الجمهورية ضرورة لإنقاذ الأردن، حتى لا ندفع الثمن مرتين !
جمال الطاهات
التعليقات النقدية لبيان الجمهورية، بعضها يصدر عن اعتبارات مقدرة، وتشترك بنقطتين مركزيتين. الأولى الخوف على الوطن أرضاً وشعباً، والتأكيد على أن بقاء الدولة ضرورة. والنقطة الثانية عدم الثقة بقدرة الشعب الأردني على الحفاظ على دولته ببناء نظام بديل بعد سقوط المستبد الفاسد وعائلته. وبعض الآراء تصدر عن رفض الاعتراف بأن الشعب الأردني حقيقة سياسية مستقلة، وتسعى لزعزعة ثقته بنفسه. ويمارسون دور مختطفي الرهائن، بتخويف الشعب من أن رفض الاستبداد والفساد والعمالة سيؤدي إلى سقوط الدولة.
والمبادرون معنيون بالفئة الأولى التي لها رأي حر، ومخاوف مشروعة من المستقبل، حيث يلف المنطقة سحابة عميقة من عدم اليقين، يزيد عتمتها الصلف الصهيوني الذي يريد استغلال ضعفنا الناتج عن ميراث عقود الاستبداد والفساد، لتحقيق المزيد من المكاسب. ولتبديد الغموض، سيتم التوقف عند بعض النقاط المفصلية لتوضيحها، وأهمها:
الجمهورية وسيلة لحماية الدولة، بضمان استقلالها عن النظام
خيار الجمهورية ضرورة ملحة للحفاظ على الدولة بعد الانهيار القريب والحتمي للنظام الحالي، بسبب الاستبداد والفساد وتبديد الموارد والفشل المتراكم في كافة القطاعات. فبعد نهب صناديق تقاعد النقابات، ونهب صندوق الضمان الاجتماعي، وتداعي الاقتصاد والخدمات العامة، ومع عجز الدولة عن تقديم ضمانات بعدم تكرار ما يحصل لغزة في عمان وإربد والسلط، فإن انهيار النظام مسألة وقت، ومن الضروري أن يكون لدى الشعب الأردني تصورات عملية مؤسسية واضحة، لإدامة الدولة كوسيلة للحفاظ على الشعب والأرض.
فكما كان مؤتمر امكيس استجابة لانهيار الدولة في دمشق، بعد معركة ميسلون، فإن مبادرة الجمهورية استباقية لمنع انهيار الدولة عند سقوط النظام، وتأكيداً على أن الدولة موجودة بغض النظر عن النظام. هدف هذه المبادرة الحفاظ على الدولة، بالمهام التي تصورها أجدادنا عند إنشائها، تنظيم قوى الشعب للتصدي للمشروع الصهيوني، وفي ذات الوقت، تمكين شعبنا عبر مؤسسات الدولة من متابعة مسيرة التقدم والبناء. مبادرة الجمهورية ضرورية من أجل حماية الدولة وضمان استمرارها، وتكريس استقلالها عن النظام، حتى لا تسقط الدولة وتتحلل عند سقوط النظام.
وحسب قانون التفكيك والتركيب، فإن الذي يفكك الدولة الآن هو المستبد الفاسد وعائلته، ومبادرة الجمهورية للحفاظ على الدولة ومنعها من التفكك. نهج الاستبداد والفساد يتكفل بتفكيك النظام وتقريب نهايته. فهذه العائلة لم تستطع أن تديم حكمها في كل الأقطار العربية المحيطة، وهروبهم من الأردن مسألة وقت ليس إلا. فإما أن يكون الشعب جاهز للحفاظ على دولته أو أن يسقط في الفراغ والفوضى ويتحول الأردن أرضاً وشعباً لغنيمة للمشروع الصهيوني. مبادرة الجمهورية تقدم حلاً ممكناً لما يجب أن تصيح عليه الأمور بعد السقوط الحتمي للمستبد الفاسد وعائلته. والمهم حماية الشعب الأردني من دفع ثمن سقوطهم، كما دفع ثمن وجودهم في الحكم.
الجمهورية ضرورة لتعزيز ثقة الشعب الأردني بنفسه، وأنه حقيقة سياسية مستقلة عن النظام
الشعب الأردني هو من أنشأ الدولة، وهو القادر على تجديدها وتطويرها، ولا يحتاج وصاية من أحد. والجمهورية تمثل مخرجاً للشعب الأردني حتى يسترد ثقته بنفسه، وأنه حقيقة سياسية حاسمة في الإقليم. وهذه الثقة وهذا الوعي بالذات ضرورة للحفاظ على الأردن كوطن، ولتعزيز قدرة الشعب على مواجهة المخاطر الناتجة عن صعود المشروع الصهيوني. وعنوان ذلك هو أن يكون الشعب الأردني واثق من نفسه من أنه هو سيد دولته. فالدولة هي منتج الشعب، وليست منتج للحاكم. فالدولة بتعبير شاعري هي ظل الشعب على أرضه، ورافعة إرادته الحرة.
أحد المعلقين، الذين لا أشكك بحبه للأردن وحرصه عليه، ينكر وجود الشعب الأردني كحقيقة سياسية. ويقول إن الدولة الأردنية أنشأها عبد الله الأول. ويتجاهل حقيقة أن مؤتمر امكيس انعقد وأصدر قراراته قبل وصول عبد الله الأول الذي لجأ للأردن بعد فراره بملامس النوم في معركة “تْرَبَه”. وأن الأردنيين هم من أواه وحماه، وعينوه أميراً ليكون في خدمتهم وليس للتآمر عليهم كما فعل هو وورثته.
فالأردنيون بمبادرتهم لإنشاء الدولة هم من حمى الأردن من المشروع الصهيوني. وحلموا بالدولة لتكون رافعة تعبوية من أجل حماية الأرض والإنسان، ومن أجل التنمية والتقدم. والأردنيون بمبادرتهم التحول إلى الجمهورية هو تكريس لهم باعتبارهم “السيد” لوطنهم، وأنهم أصحاب الدولة، وتعزيز لثقتهم بأنفسهم كشعب حر أبي عصي على التطويع والتركيع. ففي مواجهة المخاطر، وهوامش عدم اليقين الواسعة التي تلف حركة القوى في الإقليم، فإن الضمانة الوحيدة للحفاظ على الأردن هي تعزيز ثقة الشعب بنفسه. فكل الأصوات التي تشكك بقدرات الشعب الأردني، وتردد ما يخلخل ثقته بنفسه، مجرد صدى، واع أم غير واع، للخطاب الصهيوني وعملائه في رغدان.
ضرورة النقد
النقد ضرورة لتطوير مبادرة الجمهورية وانضاجها، ولكن الرجاء الاتفاق على حقيقة تاريخية. (امكيس) هو الاسم الحقيقي للبلدة التي احتضنت المؤتمر التأسيسي للدولة الأردنية 2-5 أيلول 1920، وهو مشتق من كونها كانت محطة (للمكوس) في التجارة بين حوران والشام وفلسطين. واللعب باسمها شبيهة بما يقوم به الصهاينة من تغيير الأسماء في فلسطين لطمس تاريخ الشعب الفلسطيني بتشويه شواهد هذا التاريخ.
التوقيت
تساءل بعض المعلقين عن التوقيت، والجواب هو: إن المؤشرات الراهنة كلها تؤكد قرب انهيار نظام المستبد الفاسد وعائلته. ويجب أن يستعد الأردنيون للمرحلة القادمة. إن الفشل الاقتصادي المتراكم، وفشل الإدارات المزمن، والاستبداد والفساد، وتدمير البنية المدنية للدولة (نقابة المعلمين والمركز الوطني لحقوق الإنسان مجرد نماذج للتذكير)، ترك الأردنيين بلا دولة تخدم مصالحهم، وتعبر عن وجدانهم ويحمون أنفسهم عبر مؤسساتها من مخاطر التوسع الصهيوني. إذ يتزامن تفكيك المستبد الفاسد وعائلته للدولة مع انكشاف خيانتهم وعمالتهم، حيث يمنعون مؤسسات الدولة من اتخاذ أي خطوة للتصدي للعدوانية الصهيونية، ويبطشون بمن يطالب بالإصلاح أو بالتصدي للمشروع الصهيوني. فالتوقيت متصل بقرب سقوط نظام المستبد الفاسد وعائلته، وضرورة الاستعداد للمرحلة القادمة، بتأكيد استقلال الدولة عن النظام، كمقدمة لاستعادتها. فالحاكم وظيفة لإدامة الدولة وهو ليس الدولة. وهذا ما تؤكده مبادرة الجمهورية
2025-09-12
