الجزائر إلي أين؟
علجية عيش
انطلاقا من هذا العنوان الذي وضعه محمد بوضياف في كتابه où va l’Algérie؟ حان الوقت لمراجعة الأحداث التي عاشتها الجزائر بدءًا من ظهور التعددية السياسية، و اعتماد أحزاب من طرف الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، و إعطائها الضوء الأخضر لممارسة حقها السياسي ، ففي بداية التسعينيات ، كان الشعب الجزائري قد التف حول التيار الإسلامي و صوّت لصالحه، و قد حصد هذا التيار ( الفيس) أغلبية الأصوات في الانتخابات التشريعية، و لكن وقع الانقلاب على الشرعية، و حدث ما حدث، سُدّت كل الأبواب و النوافذ ، أصبح الكل مُهَدَّدٌ حتى بالنسبة للذين لا علاقة لهم بالسياسة من المواطنين العاديين الأبرياء، لأن النظام ظل حاملا عصاه، و البعض من أبناء الجزائر تعبوا من تلقيهم ( الفلقة) و كأنهم في الكتاتيب يحفظن القرآن بالقوة ، كانت الساحة مُلَغَّمَة و الجَوُّ مُكَهْرَبٌ و الفضاء كان مغيما، و كان من الضروري البحث عن حلٍّ يضمن الاستمرارية بعيدا عن الفوضى.
بعد حظر الفيس و منعه من ممارسة حقه السياسي و الزج بقادته السجن، أصبح البحث عن السلام مطلبا ضروريا ، بل – حتمية ـ ، ارتأت أحزاب و شخصيات مُسَالِمَة عقد الصلح بين النظام و الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس ) ، فكان لقاء “سانت إيجيديو”، شارك فيه ( زعماء سياسيي و رؤساء احزاب سياسية بما فيهم الأفلان بحضور امينه العام عبد الحميد مهري رحمه الله، و الأفافاس بحضور زعيمه حسين آية أحمد رحمه الله و حركة النهضة بقيادة عبد الله جاب الله و زعيمة حزب العمال و رئيس الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان علي عبد النور رحمه الله، ) يعني قوّة سياسية لها وزن ثقيل في الساحة الجزائرية، لكن أعداء السلم و السلام منعوا من أن يكون صلحٌ و توافقٌ بين “الإخوة الأعداء “
ظل الوضع على حاله ، وبقي الصراع قائما ، و فشلت كل المساعي في قلب صفحة و بدء صفحة جديدة ، بالنسبة لحزب جبهة التحرير الوطني ، كان القرار الالتفات إلى حزب جبهة التحرير الوطني لإبقائها في الواجهة من باب أنه “الأفلان” حزبٌ ثوريٌّ و ذلك من أجل الحفاظ على ماضي الجبهة المشرّف حتى لا يتحقق حلم خصومها و أعدائها بتحويلها إلى المتحف، الجدير بالذكر أن بعض من عناصر الفيس انظموا إلى حزب الثورة (الأفلان) بحكم أن زعيمه الدكتور عباسي مدني كان محسوبا على حزب جبهة التحرير الوطني بحكم أنه مجاهد قبل أن يؤسس حزبه ( الفيس) و بعض عناصره اليوم هو نواب في البرلمان بعد التحاقهم بالأفلان.
دافعنا عن جبهة التحرير التاريخية بقوة، لكونها جبهة الثُّوَّار و الشُّهداء و جبهة عبد الحميد مهري ، لا عن جبهة اليوم ( جبهة التبزنيس ) جبهة تمارس لغة الخشب و الديماغوجية ، و تتشاجر بالأيدي أمام كاميرات وسائل الإعلام ، و جاءت نهاية التسعينيات ( 1999) كانت الجزائر تبحث عن رجل إجماع يَخْرُجُ من رحم الثورة و يُخْرِجُ الجزائر من أزمتها و من عنق الزجاجة -كما يقال-، فجأة ظهر المجاهد عبد العزيز بوتفليقة ( رحمه الله) صوّت عليه الشعب الجزائري و بالأغلبية عليه ، لأنه لم يكن هناك بديلٌ، و من كان له صفات الكاريزما عزف أن السياسة و منهم اليمين زروال أطال الله عمره و بالرغم من ذلك ، كان من الضروري المطالبة بالتغيير ، و هو مطلب عالمي، دعت إليه كل الشعوب بما فيها الشعوب المتقدمة، وكان الهدف من التغيير إعطاء لبلادنا نفَسًا جديدا و نغديها بأكسجين جديد ، لنجعلها في مستوى المرحل الانتقالية.
جاءت سنة 2004 و كانت سنة التغيير، حين قدّم حزب جبهة التحرير الوطني مرشحه الأمين العام للحزب و هو علي بن فليس ( ابن شهيد و قاضي سابق) للترشح للانتخابات الرئاسيات ، منافسا في ذلك بوتفليقة ، دعمناه طبعا بحكم أنه ينتمي للأسرة الثورية و إطار دولة تفخر به الجزائر ، و وقفنا في وجه “التقويميين” الذين أرادوا عهدة ثانية لبوتفليقة ، نعم كان اختيارنا علي بن فليس في إطار التشبيب ليس إلا، و لما انسحب علي بن فليس من الأفلان و أسّس حزبه (طلائع الجزائريين) ، لم نلتحق به لأنه لم يعد يمثلنا ، مع احترامنا له كابن الأسرة الثورية ، بقينا في الجبهة، ما يمكن قوله أن مشروع التغيير أجْهِضَ، حتى لما جاء الحراك الشعبي 2019، لم نر التغيير الذي حلمنا به، التغيير الذي يحقق المواطنة الحقيقية للمواطن، و يحترم الحريات الفردية ، و حرية التعبير و الرأي ، ليعيش الجميع على مبدأ التسامح و التآخي و وضع يد في يد لبناء جزائر تسع كل الجزائريين، في إطار اخوي ، أي سن قانون العفو و تفعيل المصالحة الوطنية التي استفتى عليها الشعب ، لكن و للأسف لم يتحقق هذا الحلم.
ظل الوضع على حاله، ظل قادة الفيس في السجون، أين هو بن فليس اليوم بعد إعلان انعزاله عن السياسة و اين هم قادة الثورة الذين مازالوا على قيد الحياة و منهم اليامين زروال و أخرون؟ فوجودهم ضروري خاصة في هذه المرحلة بالذات، ليكونوا رجال إجماع ، يجمعون و لا يفرقون ، لتحقيق مشروع لم الشمل الجزائري؟، إن الجزائر بمساحتها الشاسعة تسعنا جميعا و تسع شعوبا أخرى و لم تكن يوما فقيرة، و كيف تكون فقيرة و هي تنام على المحروقات ( البتروووووووووووووول)، ناهيك عن الثروات الباطنية الأخر، و بالتالي لن تكون بحاجة إلى الاستيراد لضمان أمنها الغذائي، أعطني مصنعا في الجزائر باستثناء مصنع الحجار، في عاصمة الشرق و في أقدم حي شعبي ( باردو) يوجد مصنع لصناعة الجبن ، لكنه مغرق منذ السبعينيات إلى يومنا هذا، حتى مصنع “كومامو” لإنتاج الأدوات المنزلية و المدرسية (طاولات و كراسي) و اشياء أخرى المتواجد بعاصمة الشرق ايضا ، مغلق منذ نهاية السبعينيات ، و تم فتحه في السنوات الأخيرة فقط بعد أن تم تحويله لجهات أمنية لاستغلاله.
لو كانت العدالة الاجتماعية مطبقة و مفعلة، و لو لم يكن النهب للمال العام و التلاعب بالصفقات العمومية، لما وصل حال البلاد إلى هذه الحال ( شباب عاطل عن العمل، و نساء مشردات ، ارتفاع نسبة الجريمة و نسبة الطلاق و ..و… و أمور أخرى (حدث و لا حرج) كل هذه المظاهر التي تعيشها بلادنا دليل على وجود خلل، و هذا كله، لأنه لا توجد استراتيجية مدروسة بشكل عقلاني و بعيد المدى، و لأن الإسلام غير مطبق ، موجود على الورق فقط ( في الدستور) بأن الإسلام دين الدولة ، خاصة في المجال الاقتصادي، و ها هو ديننا في خطر، لأن أعداء الإسلام يتربصون به في كل مكان و ليس في الجزائر وحدها و ما يحدث في غزة يشهد على بعدنا عن الإسلام و فقداننا القيم الإسلامية.
2025-09-12
