استهداف الارض والانسان في القدس
في ذكرى حرب حزيران العدوانية
الباحث محمد محفوظ جابر
يصادف يوم الخامس من حزيران ذكرى مرور 59 عاما على احتلال شرقي القدس عام 1967، الجزء الثاني من مدينة القدس العربية ، حيث كان قد تم احتلال الجزء الاول غربي القدس في عام 1948، وقد استهدفت سلطات الاحتلال الارض والانسان في المناطق المحتلة وضمنها القدس عاصمة فلسطين العربية.
اولاً الارض:
وقامت هذه السلطات باستخدام الأساليب المختلفة لتهويد أراضي شرقي القدس بعد الاعلان عن ضمها في 28/6/1967، وقامت بإلحاقها إدارياً لسيادتها، رغم ان تطبيق القانون الإسرائيلي على القدس وسكانها مخالف للقانون الدولي الذي لا يعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس بشطريها الشرقي والغربي.
ومن هذه الأساليب للاستيلاء على أراضي القدس:
1_ توسيع رقعة الأراضي التابعة لبلدية القدس من خلال إلحاق أراضي من الضفة الغربية لها، فبعد أن كانت أراضي بلدية القدس 6.5 كم² عام 1967 + 38 كم² منطقة 1948، أصبحت 124 كم² تضم حوالي 23 قرية ومدينة.
وهناك مشروع القدس الكبرى الذي يصل حدود رام الله شمالاً وحدود الخليل جنوباً وأبواب أريحا شرقاً، لتصل المساحة 446 كم². (446279) دونماً حيث يضم 9 مدن من الضفة وستون قرية عربية.
2_ مصادرة الأراضي: وقد تم مصادرة 22380 دونماً من الأراضي العربية لبناء المستوطنات الصهيونية عليها، وبعد اتفاق أوسلو، تمت مصادرة 1430 دونماً أيضاً.
3_ اعتبار نصف مساحة أراضي القدس تقريباً منطقة خضـراء، أي ساحات عامة ومتنزهات لا يحق للعرب البناء عليها، وهي في الحقيقة مقدمة للاستيلاء عليها لتوسيع المستوطنات، فمثلاً، تم مصادرة 500 دونم من أراضي قرية شعفاط التابعة للقدس عام 1967، وأقيم عليها مستوطنة رامات أشكول عام 1973، وهذا أيضاً ما حدث في أراضي جبل أبو غنيم وغيرها.
4_ تزييف الوثائق كوسيلة للإدعاء بملكية الأراضي، وفرض السيطرة عليها بواسطة المحاكم الصهيونية.
5_ الاستيلاء على الأراضي بحجة أمنية، وأنها ضرورية لأمن الدولة الصهيونية.
6_ الاستيلاء على الأراضي لصالح شق الطرق بين المستوطنات، فالطريق رقم 45 مثلاً إحتاج شقه إلى 1070 دونماً من أراضي قرى القدس العيسوية والطور والعيزرية وأبو ديس والسواحرة الغربية.
7_ سـن قوانين وتشريعات تبيح لهم الاستيلاء على الأراضـي، وقـد كان لقانون ” حارس أملاك الغائبين ” دور كبير في مصادرة أملاك العرب الذين يعيشون خارج القدس.
وتمت مصادقة حكومة الاحتلال في ايار الماضي2026 على إقامة مجمع أمني ومتحف لجيش الاحتلال على مساحة 36 دونمًا من أنقاض مقر “أونروا” المستولى عليه في الشيخ جراح. وضمن المساعي الإسرائيلية لتغيير هوية محيط المسجد الأقصى وتفريغه من سكانه لتوسيع “الحي اليهودي”، تم مؤخرا تفعيل مخطط لمصادرة نحو 20 عقارًا تاريخيًا وأوقافا إسلامية في حي باب السلسلة بالبلدة القديمة، لفتح طريق “آمن”، يوصلهم إلى حائط البراق (المبكى)، مما يؤدي إلى تهجير سكان هذه العقارات.
مشروع “إي 1”: قررت السلطات الإسرائيلية استئناف الدفع بالمخطط الاستيطاني في منطقة E1 الواقعة شرقي القدس، والذي من شأنه فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، بعد تجميد دام سنوات. وتتضمن الخطط في منطقة E1 إقامة 3412 وحدة استيطانية جديدة. وكانت هذه المشاريع قد طُرحت على مدار السنوات الماضية، منذ عهد حكومة رابين، فقد جُمّدت منذ عام 2005 لدواعٍ سياسية بسبب ضغوط دولية.
ثانياً الانسان:
إن التاريخ لم يسجل وجود أي شعب آخر قبل وجود الكنعانيين العرب على أرض فلسطين، وأرض القدس جزء منها. وقد بقي العرب هم الأغلبية على مر التاريخ، رغم تعرض القدس للاحتلال 20 مرة، فإن الشعب العربي بقي صامداً فوق أرضـه.
بلغ عدد المستوطنين في شرقي القدس 180 ألف مستوطن من الصفر، وهو في ازدياد ويؤكد على أهداف الكيان الصهيوني بتخفيض نسبة السكان العرب الحالية من 34% إلى 12% وذلك باتباع الوسائل التالية:
– هدم المنازل وتشريد سكانها وعدم إعطاء رخص للبناء:
تشير تقديرات مراكز الأبحاث الفلسطينية والأممية إلى أن السلطات الإسرائيلية دمرت أكثر من 25 ألف مبنى ومنشأة فلسطينية في القدس ومحيطها بحجة “البناء دون ترخيص” منذ عام 1967. وشملت هذه العمليات هدم أكثر من 700 مبنى فور احتلال المدينة عام 1967، في البلدة القديمة لإنشاء ما يُسمى بـ “الحي اليهودي”.
ووفق بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة “أوتشا” على موقعه الإلكتروني، فإن سلطات الاحتلال هدمت 547 منشأة فلسطينية بمدينة القدس منذ بدء الحرب العدوانية على غزة، وحتى الأول من فبراير/شباط 2026، منها 536 منشأة هدمت بذريعة البناء دون ترخيص، وأسفرت عمليات الهدم إجمالا عن تهجير 1426 فلسطينيا وتضرر نحو 133 ألفا آخرين.
– سحب الهويات:
أبرز الأسباب التي استخدمتها سلطات الاحتلال لسحب هويات المقدسيين:
1- إلغاء حق الإقامة للأشخاص الذين يقطنون في ضواحي القدس الواقعة خارج حدود البلدية، وفي المحافظات المجاورة، وكذلك الذين يقيمون خارج فلسطين.
2- سحب هوية المقدسي إذا نقل مركز حياته إلى خارج الحدود البلدية للمدينة، بما يشمل الضفة والقطاع لمدة سبع سنوات على الأقل.
3- سحب هوية المقدسي اذا حصل على جنسية دولة أخرى.
4- سحب هوية المقدسي إذا حصل على الإقامة الدائمة في تلك الدولة.
5- سحب هوية المقدسي لأسباب أمنية.
وحسب “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني” في كتاب القدس السنوي 2025، تشير إلى مصادرة 14,809 بطاقة في الفترة ما بين 1967- 2024، جزء من هذا الرقم يمثل هويات أرباب الأسر، وهذا يعني سحب هوية الأفراد المسجلين ضمن هوية رب الأسرة بشكل تلقائي.
-الاعتقال:
تعاملت سلطات الاحتلال مع الأسرى المقدسيين معاملة السجناء الإسرائيليين الجنائيين، باعتبارهم يحملون هوية إقامة دائمة “زرقاء”، ويخضعون لقوانينها الداخلية، فاعتبرت سجنهم والأحكام الصادرة بحقهم شأناً داخليّاً، وفي نفس الوقت حرمتهم من الامتيازات التي يحصل عليها السجناء الإسرائيليون، فعاملتهم معاملة الأسرى الفلسطينيين في السجون، ضمن الظروف الاعتقالية والحياتية اللاانسانية.
وقد قامت سلطات الاحتلال بعمليات ابعاد شخصيات وطنية وسياسية خلال الفترة مابين 1967-1992 بلغت حوالي 100 مبعد، عاد بعضهم.
وتقول جمعية حقوق المواطن في “إسرائيل” إن الاحتلال أبعد 120 ألف مقدسي عن مراكز حياتهم بإقامة الجدار الذي عزل أحياء فلسطينية بكاملها عن القدس، وحرمهم من الإقامة في القدس. وحسب تقرير صدر عن “مركز معلومات وادي حلوة”، رصد المركز 400 قرار إبعاد خلال عام 2024، من بين القرارات: 38 قرار إبعاد عن مدينة القدس، 197 قرار إبعاد عن الأقصى، 87 عن البلدة القديمة، 10 منع دخول الضفة الغربية.
الأوضاع الاقتصادية والضرائب
يعتمد العرب في شرقي القدس على السياحة كمصدر دخل اساسي، سواء اصحاب الفنادق او المحلات التجارية وحتى الحرف اليدوية، وجميعها تشهد ركوداً وتراجعاً في حجم المبيعات، حيث يعتمدون على الزوار والسيّاح، وهي في حالة غير مستقرة.
علما بان سلطات الاحتلال تؤثر على وفود السياح، حيث ترتب عملية استخدام الفنادق الصهيونية، مما أدى إلى ضرب قطاع الفنادق العربية، والمحلات السياحية حيث يتم الشراء من محلات المستوطنين.
وكذلك تؤثر الضرائب على الجميع منهم لدرجة الوصول الى مرحلة التعجيز في دفع الضرائب وحجز المحلات ومصادرة محتوياتها، وقد اصبحت الضرائب أداة ضغط اقتصادية وسياسية تسعى سلطات الاحتلال من خلالها لدفع المقدسيين إلى الهجرة من المدينة المحتلة، لحسم الديموغرافيا في القدس لصالح المستوطنين الذين اصبحوا يشكلون 61% من عدد السكان، وفقا لبيانات جهاز الإحصاء المركزي الإسرائيلي.
وتفرض سلطات الاحتلال مجموعة من الضرائب المرتفعة بينما لا تقدم خدمات مقابلها للسكان العرب ومنها: ضريبة “الأرنونا ” (المسقّفات) وضريبة الدخل، ضريبة القيمة المضافة: نسبتها 18% .
ويبقى السؤال الأهم ما العمل ؟ لمواجهة هذا الواقع المزري الذي يعيشه اهل القدس وهل يمكن استرجاع شعار ” تحرير الأرض والإنسان” والعمل به.
4/6/2026