راوندا : نموذج افريقي للتأمل!
وليد عبد الحي
تواجه ادبيات العلوم السياسية في نظرتها المقارنة تعقيدات كبيرة في تناول ظاهرة التطور العام في الدول النامية، ويدور السؤال المركزي في هذه القضية حول الاشكالية التالية: من أين نبدأ ؟ وهناك قواعد مركزية يدور حولها النقاش وهي: الاصلاح السياسي والاصلاح الاقتصادي ، وتتمثل المشكلة في المقارنة بين الدول التي حاولت البدء بالاصلاح السياسي اولا ،والدول التي بدأت بالاصلاح الاقتصادي اولا ثم الدول التي حاولت السير بالاصلاحين معا. وتبين ان النماذج الثلاثة عرفت تجارب ناجحة وأخرى فاشلة، لكن دور القيادة في النجاح والفشل شكل العامل الجامع لكل هذه النماذج، لكن السمة الغالبة –عموما- تشير الى ان الاصلاح الاقتصادي يسبق الاصلاح السياسي ، والنجاح في التحولات الاقتصادية يجعل البيئة اقرب لقبول التحولات السياسية والاجتماعية لاحقا، لقد شرعت القيادة الصينية بعد ماوتسي تونغ في الاصلاح الاقتصادي بتحولات عميقة تظهر في ان 60% من اجمالي الناتج المحلي الصيني هي حصة القطاع الخاص ،ويساهم في 70% من الابتكار والقدرات التقنية ، و 80% من فرص العمل الجديدة في المناطق الحضرية و 90% من اجمالي فرص العمل الجديدة، ولكن التمعن في جوهر هذا التحول يشير ضمنيا الى تحول سياسي عميق اصاب “جوهر الآيديولوجية الاشتراكية الحاكمة ” وهو تحول سياسي تم قبوله بفعل غواية النجاح الاقتصادي.
اتوقف عند نموذج دولة افريقية صغيرة هي “راوندا”(مساحتها حوالي 26 الف كم2 وعدد سكانها حوالي 14 مليون نسمة) ،وقد شكلت هذه الدولة نموذجا للابادة الجماعية عام 1994 في الصراع بين مكونات المجتمع (الهوتو 85% من السكان والتوتسي 14% من السكان )، ليصل عدد القتلى اكثر من ثلاثة ارباع المليون خلال فترة اقل من اربعة شهور، وهو ما انتهى الى تشكيل محكمة جنائية دولية من مجلس الامن الدولي للنظر في الجريمة.
وبدأ التحول في رواندا من خلال التصور الذي وضعته “الجبهة الوطنية الراوندية” برئاسة بول كاغامي منذ عام 2000، واعتمدت القيادة الجديدة على مجموعة مرتكزات اقتصادية واجتماعية تم تغليبها على المرتكزات السياسية، وتمثلت التحولات في:
1- التحول من اقتصاد زراعي يعتمد على انتاج القهوة والشاي وبعض المعادن الى نموذج يستند على التحول التدريجي الى اقتصاد قائم على التكنولوجيا والأعمال “وكان مركز كيغالي رائدا في هذا المجال”.
2- ضرب الفساد بقوة ودون مراعاة لاية اعتبارات غير قانونية، وتم اعتماد قانون “صفر تسامح”.(Zero tolerance policy) ، وتم تنفيذه بدقة بغض النظر عن من هو الفاسد..
3- وضع خطط تنموية طويلة المدى( بدأت بخطة 2020 ثم الآن خطة 2050)
4- وضع لجان تم اختيارها بنزاهة لمراقبة انجاز كل مؤسسة وتقديم تقرير شفاف عن مدى الانجاز كل عام، ومقارنة ما وضعه مسؤول الهيئة لكل عام بما انجزه ،ومحاسبته على النتائج.
5- تحسين بيئة الاستثمار الخارجي
6- التشديد على تقليص دور القوى الخارجية في تكييف المعطيات الاقتصادية المحلية لغير صالح المجتمع المحلي.
7- فتح المجال بشكل واسع للمواطنين لعرض انتقاداتهم والشكاوي على وسائل التواصل الاجتماعي دون اية قيود.
8- اجبار كل مسؤول على ملء استمارة يضع فيها ما يتعهد بانجازه خلال كل عام، ثم نشر الاستمارة ، ثم محاسبته على مدى ما التزم به في نهاية العام، ونشر نتائج عمله للجمهور .
كانت النتائج هي :
أ- تحقيق معدل نمو اقتصادي للسنوات 2010 -2025 بحوالي 8%، مما يجعلها ضمن اعلى عشر دول في العالم في معدل النمو، وفي بعض السنوات بلغ النمو 17.9% ( مثل عام 2021.)
ب- احتلت راوندا المرتبة 38 عالميا في ” مستوى بيئة جذب الاستثمار الاجنبي.
ت- تراجع معدلات البطالة بشكل خطي سنويا ، وبلغ معدل التراجع خلال العشرة اعوام الماضية 7%.
ث- ارتفع معدل دخل الفرد بين 2010 و 2025 بنسبة 110%
ج- ارتفع اجمالي الناتج المحلي من 2.96 مليار دولار عام 1995(اول عام بعد الابادة) الى 14.10 مليار عام 2023.
ح- انخفض معدل الفقر من 64% الى 27.4%.
خ- احتلت راوندا المرتبة الاولى في القارة الافريقية(54 دولة) في مكافحة الفساد ، وتحتل المرتبة 41 عالميا
د- انخفاض معدل التضخم من 28.1% عام 1998 الى 2.3% عام 2024.
ذ- تخفيض نسبة الانفاق الدفاعي من 5.5% من اجمالي الناتج المحلي(1995) الى 1.25% حاليا.
اما في المجال الاجتماعي ،فقد تركزت الانجازات في الآتي:
1- رفع نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي من 72% الى 97%.
2- تقارب نسبة الذكور والاناث في التعليم الاساسي( 50.8% للاناث و 49.2% للذكور).
3- ارتفاع معدل العمر من 48 الى 70 عاما
4- انخفاض وفيات الرضع والامهات عند الولادة من 107 الى 32(للرضع) ومن 1071 حالة للامهات عند الولادة (لكل 100 الف) الى 99 حالة.
5- تخصيص 30% من المناصب القيادية للنساء ، ويصل معدل النساء في البرلمان الراوندي الى 63.8% من المقاعد و 53% من الوزراء.
الرؤية العامة:
تحسن الاستقرار السياسي في رواندا منذ عام 2000 الى الآن بشكل مضطرد، وتراجع عدم الاستقرار من 2.2 بالسالب عام 1998 الى 0.04 بالسالب عام 2025، وهو تحول جذري وعميق ، وساهم في ذلك الانجازات الاقتصادية والاجتماعية، لكن التصنيف الديمقراطي للدولة ما زال يضعها ضمن الدول السلطوية(على غرار الصين)،فهي تحتل المرتبة 114 عالميا في الديمقراطية (بمعدل 3.34)نقطة، ويكاد ان يكون هذا المعدل ثابت تقريبا منذ عشرين سنة ، لكن معدل الاستقرار الذي يتحسن باضطراد يشير الى تهيئة المجتمع لاحقا للتحول الديمقراطي من خلال مخرجات الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي والذي من المفترض ان يتحول الى اصلاح سياسي لاحقا…لكن ذلك مرهون بنضج القوى السياسية واستثمارها للانجازات على غرار التجربة الصينية.
تُرى هل الجسد العربي قابل للاستفادة …ربما شريطة صلاح الرأس ، وبعدها يلتحم الرأس والجسد في حركة متناغمة
2026-06-05