علي رهيف الربيعي البيعة في الخلافة الإسلامية موضوع البيعة كان مسألة صورية تماما ، ولا ينبغي أن نقول إنه أقرب إلى ” عقد الوكالة مثله مثل سائر العقود ، يقوم على إيجاب من الأصيل وقبول من ” الوكيل ” (1) . وكذلك ينعزل الوكيل بعزل موكله . كما تنتهي وكالته بموته ، وكذلك ليس له أن يقيم غيره مقامه إلا برضا الأمة وموافقتها .. ” (2) فهذا حديث عن ” المثال ” ، أما الواقع فهو أمر مختلف تماما ! وقد رأينا من قبل ” كيف كان السيف أصدق أنباء من الكتب ” ، وسوف نرى أيضا كيف كانت البيعة صورية ، بل قدتكون البيعة لطفل صغير على نحو ما حدث عندما عهد هارون الرشيد بولاية العهد من بعده لابنه الأمين سنة ١٧٥ هج ، وكان الابن في الخامسة من عمره ! (3) وسوف نكتفي عند الأمويين بهذا المثل الصارخ على شكلية البيعة وعدم قيمتها من عهد سليمان بن عبد الملك الذي ” كان من خيار ملوك بني أمية على ما يروي السيوطي (4) . فهذا الملك ” الخير ” يجبر الناس على أن يبايعوا على مظروف مختوم ، فلما حضرته الوفاة : ” دعا بقرطاس ، فكتب فيه العهد ودفعه إلى أحد رجاله . وقال : اخرج إلى الناس فيبايعوا على ما فيه مختوما . فخرج فقال إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب ، فقالوا : من فيه ؟ ! قال : هو مختوم لا تخبرون بمن فيه حتى يموت ! قالوا : لا نبايع ، فرجع إليه فأخبره ، فقال انطلق إلى صاحب الشرطة والحرس ، فاجمع الناس وأمرهم بالبيعة ، فمن أبى أضرب عنقه ، فبايعوا ” !! ((5) . أرأيت إلى أي حد تبلغ الاستهانة بالمواطنين والاستخفاف بعقول الرعايا ؟ ، أيمكن أن يقال بعد ذلك إنه كانت هناك ” بيعة ” أو ” موافقة ” أو ” رضا ” أو ما شئت من مصطلحات القبول بين الناس والحاكم ؟ . علينا هنا أن نحذر الخلط بين الحكم على الخليفة بأنه ” مستبد ” من الناحية السياسية أو من حيث علاقته بشعبه ، وبين أعمال أخرى جيدة قد تنسب إليه ، فقد كان عبد الملك بن مروان الخليفة القوي الذي أسس الدولة الأموية ، وجعلها مستقرة . فهو أول من كسا الكعبة بالديباج وأول من ضرب الدنانير للناس عام ٧٥ هج ، وأول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية ، وأول من رفع يديه على المنبر ، وأول من كتب في صدر الطوامير (*) ( قل هو الله أحد ) .. إلخ ، لكنه أيضا أول من غدر في الإسلام ، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء ، (**) وأول من نهى عن الأمر بالمعروف . إلخ وهكذا ، فيما يقول السيوطي ” تمت له عشرة أوئل ، منها خمسة مذمومة (6) . ونحن نتحدث عن الجانب المذموم ، وهو أنه كان ” طاغية ” من الناحية السياسية . المراجع : (1) د . محمد يوسف موسى ” نظام الحكم في الإسلام ” ص ١١٨ . (2) المرجع نفسه . (3) د . أحمد مختار العبادي ” في التاريخ العباسي والفاطمي ” ص ٨٧ ، دار النهضة العربية بيروت (4) تاريخ الخلفاء ص ٢٢٥ . (5) المرجع نفسه ٢٢٦-٢٢٧ . (*) الطوامير : جمع طامور أي الصحيفة . (**) لاحظ أن شخصية فرعون المقدسة كانت تحرم على الناس الحديث معه مباشرة ! كما سبق أن ذكرنا منذ قليل . (6) تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢١٨ 2019/07/28