زيلينسكي يشكو تخلّ أمريكي…
والاقتصاد يقرّب ترامب من موسكو
تصاعدت التوترات بين كييف وواشنطن مع تحذير زيلينسكي من انحياز ترامب لروسيا، وسط أنباء عن اختراقات اقتصادية بين موسكو وواشنطن قد تمهّد لقمة أمريكية روسية صينية لإنهاء الصراع الأوكراني
سعيد محمد*
أعرب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن مخاوفه من أن الولايات المتحدة قد تتخلى عن أوكرانيا وتقف إلى جانب روسيا، بعد سلسلة من التصريحات والخطوات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك ما وصفه بتقييد الوصول إلى خدمة الإنترنت الفضائي العسكرية الأمريكية التي يعتمد عليها الجيش الأوكراني بشكل جذري.
وبدا زيلينسكي متشائماً في مقابلة تلفزيونية قائلاً: “إذا وقفت الولايات المتحدة رسميا إلى جانب روسيا، فلن ننتصر ولن نتمكن من الصمود”، وحذّر: “إذا دعمت الولايات المتحدة بوتين سيكون هذا أمر لا يصدق. إنها كارثة. إنها خطأ تاريخي فادح ومأساة كبيرة، ولهذا نأمل أن يكون الرئيس، وفريقه، إلى جانبنا، أو على الأقل في المنتصف”. معرباً عن أمله في “أن يغير (الرئيس ترامب) من قراراته.”
وتوجت تصريحات الرئيس الاوكراني مرحلة غير مسبوقة من تصاعد التوترات بين كييف وواشنطن بعدما أعلن ترامب عن صفقة لشراء الديزل والنفط من روسيا في محاولة لخفض أسعار المحروقات قبل الانتخابات النصفية الأمريكية. وطالب ترامب أوكرانيا بوقف هجماتها على مصافي النفط الروسية، وهو ما فعلته على مضض لبضعة أيام قبل أن ترسل أول من أمس الأحد حوالي 1000 مسيرة استهدفت مدينة سان بطرسبرغ الروسيّة وأشعلت النيران في منشآت نفطية مركزية في مينائها. وقالت السلطات المحليّة أن شخصاً قتل، وأصيب تسعة آخرون، كما تضررت محطات كهرباء ومنشآت لوجستية، وأغلقت المطارات في المدينة كما في العاصمة موسكو لعدة ساعات.
وبدا الهجوم وكأنه رسالة بأن أوكرانيا ستواصل حملتها ضد مصافي النفط الروسية، التي أوقفتها لوقت قصير بعد إعلان ترامب المفاجئ عن اتفاق بين البلدين على “وقف إطلاق نار في مجال الطاقة”.
وقال الرئيس الأوكراني إن وقف إطلاق النار فشل في إيقاف الضربات الروسية، حيث تم تسجيل أكثر من 76 هجوم على منشآت الطاقة والنفط والغاز في البلاد خلال الأسبوع الماضي ما أدى إلى انقطاعات كبيرة في التيار الكهربائي.
وكان الرئيس الأمريكي قد استخدم صلاحياته الدستورية (الجمعة) لتأجيل سريان عقوبات أمريكية جديدة صادق عليها الكونغرس تستهدف خنق الصناعة النفطية في روسيا.
وندد زيلينسكي بهذه الخطوة باعتبارها تفيد روسيا المعتدية في الحرب، واشتكى مما وصفه ب “عملية مخططة” للحد من سرعة استخدام القوات الأوكرانية لخدمة الإنترنت الفضائي، ستارشيلد – النسخة العسكرية من ستارلينك -، التي توفرها وزارة الدفاع الأمريكية عبر شركة سبيس إكس المملوكة لإيلون ماسك. وتوظف كييف الخدمة الأمريكية المتطورة لإدارة المسيرات في العمليات العسكرية الهجومية والدفاعية.
ونفى ترامب ووزير خارجيته مارك روبيو تغيير التعليمات بخصوص توفير ستارشيلد، لكن الجيش الأوكراني أكد من الأربعاء الماضي تعطل العمليات في الجبهة وتعريض قدرات الدفاع الجوي للبلاد للخطر. وقد استمر اضطراب الخدمة حتى مساء السبت، وفقاً لمسؤولين وقادة أوكرانيين، فيما أكد دبلوماسي أوكراني رفيع في سفارة بلده لدى واشنطن أنّه “لا يمكن تأكيد استعادة كامل قدرات ستارشيلد”.
وكان ملفتاً الإبلاغ عن نشوب حرائق متعمدة في محطات ستارلينك الأرضية في كل من بولندا وبلغاريا أُتهمت أجهزة الاستخبارات الروسية بتنفيذها. ولم يعرف فيما إذا كانت تلك المحطات جزء من البنية التحتية التي يستفيد منها الجيش الأوكراني.
ويتلقى الجيش الأوكراني معلومات استخباراتية متنوعة عن ميدان القتال من عدة دول شريكة غربية، لكن رصد إطلاق الصواريخ الباليستية الروسية وتتبع مساراتها يتم توفيره حصرياً من قبل الجيش الأمريكي.
ولاحقاً (الأحد) قالت مصادر أوكرانية أن الولايات المتحدة لم تزودها بإشعارات إنذار مبكر بخصوص هجمات متعددة متعددة الاتجاهات على العاصمة كييف شنتها القوات الروسية باستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيرات.
ونبه خبراء عسكريون أوكرانيّون من أنه في الوقت الذي تفرض تقييدات على استعمال ستارشيلد فإن روسيا طورت نظاماً مماثلاً سيدخل الخدمة العام المقبل ويمنح الجيش الروسي ميزة استراتيجية لإدارة عملياته الدفاعية والهجومية.
ولجئت القوات الروسيّة التي بدأت عمليتها العسكرية في فبراير 2022 دون توفرها على منظومة دعم لعمليات الجيش عبر الأقمار الاصطناعية إلى استعمال أجهزة ستارلينك المهربة أو تلك التي استولت عليها، لكن شركة سبيس إكس نجحت لاحقاً بحجب الخدمة عن تلك المعدات. وبعد ذلك الوقت بدأت موسكو بالاستثمار بشكل أكبر في كوكبة أقمار اتصالات صغيرة في مدار أرضي منخفض لدعم نظام “راسفيت” الذي حال إطلاقه وفق المخطط فسيمنح الجيش الروسي سيطرة إلكترونية تامة على الضربات بعيدة المدى فوق الأراضي الأوكرانية.
ويعقد التراشق اللفظي المتبادل بين الرئيسين زيلينسكي وترامب جهود الأخير للتوسط في إنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس.
ويدافع الرئيس الأمريكي عن إجراءاته لتخفيف الضغط على روسيا بالإشارة إلى تعاون موسكو في توريد الديزل للأسواق العالمية التي تعاني شحاً بسبب استمرار تأثّر الملاحة في مضيق هرمز، بينما وصف الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية بأنها تضر بالمزارعين والشركات الأمريكية.
وكتب ترامب في صفحته على منصة تروث سوشال: “زيلينسكي لا يهتم، وبصراحة، مع كل الأموال التي تمنحها له أوروبا، والتي أعطاها له جو بايدن الفاسد في الماضي، لا يريد إنهاء هذه الحرب، وربما لن يفعل ذلك أبداً.”
وأضاف أنه شخصياً يسعى للتفاوض على اتفاق تسوية للحرب ولا يريد “فعل أي شيء سيدفع، بحماقة، إلى إبعاد روسيا عن طاولة المفاوضات”، مشيراً إلى أن “هنالك تقدم كبير يحدث، وهذا يشمل مفاوضات الرهائن الحالية!”. ولم يشر ترامب إلى هوية أولئك الرهائن، لكن الأمريكي الوحيد الذي تعلم وزارة الخارجية أنه محتجز في روسيا هو ستيفن هوبارد، الذي اعتقلته القوات الروسية من داخل أوكرانيا بتهمة كونه مرتزقاً وذلك بعد أشهر قليلة من إطلاق العملية العسكرية الروسية هناك.
وسبق أن قال ترامب علناً أن أوكرانيا بحاجة إلى رئيس جديد رغم أن الولايات المتحدة لا تزال تقدّم الدعم الاستخباراتي للمجهود الحربي الأوكراني واستمرت في بيع الأسلحة إلى كييف عبر الأوروبيين الذين يدفعون ثمن شحنات السلاح المتدفقة.
لكن فريق مفاوضي ترامب الذي يدير الحوار مع روسيا – بقيادة ستيف ويتكوف، مبعوثه الخاص، وجاريد كوشنر، صهره، الذي يحمل صفة غير رسمية كمفاوض شخصي للرئيس – يحاول كسر الجمود من بوابة الاقتصاد، وقد رتب صفقة الديزل ويحاول الآن ترتيب شراء لوك أويل، إحدى أكبر شركات الطاقة في روسيا، كإجراء لبناء الثقة.
وكان ممثل الرئيس بوتين لشؤون الاقتصاد، كيريل ديمتريف قد أعلن في مؤتمر للطاقة في موسكو (الجمعة): “أعتقد أننا سنعلن عن بعض المبادرات المهمة مع الأمريكيين في المستقبل القريب.” معبراً عن ارتياحه بالقول: “وأخيراً، لقد انكسر الجليد”. وأشار إلى أن البلدين يناقشان مروحة واسعة من المشاريع، بما في ذلك مراكز بيانات تعمل على الطاقة النووية الروسية في القطب الشمالي.
ونقلت وول ستريت جورنال الأمريكية عن ضابط مخابرات روسي زعمه أن الرئيس الروسي اقترح خلال التفاوض على صفقة الديزل الأخيرة عقد قمة الشهر المقبل مع ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ للتفاهم على صيغة لإنهاء الحرب الأوكرانية.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
2026-10-21