الدولة العميقة، الركن الرابع: مراكز الفكر وصنّاع الوهم!
زينب مهدي*
تبدأ الحكاية داخل مبنى زجاجي شاهق في واشنطن.يكتب الخبراء الدراسات بتمويل من “شركة سـ ـلاح” أو “دولة حليفة” ثم تستضيفهم القنوات الإعلامية الكبرى لتوجيه الرأي العام و تأطير عقول الخواص.
بعدها يُسلم البحث مباشرة إلى الكونغرس و البنـ ـتاغون، والذين غالباً ما ينسخون توصيات البحث حرفياً ويحولونها إلى “مشاريع قوانين” أو “حزم دعم عسـ ـكري بمليارات الدولارات” لصالح شركات السـ ـلاح و الدول المستفيدة ذاتها التي مولت المركز البحثي في البداية. إنها شبكة مصالح دائرية مغلقة، حيث الوجوه ذاتها، والسياسات ذاتها، والانتخابات مجرد ديكور خارجي.
هناك أكثر من 1,800 مركز بحثي في أمريكا، أبرزهم في السياسة الخارجية هو”معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”.
تأسس المعهد بمبادرة سرية من القيادة العليا للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسر.ائيلية (AIPAC)، لتسويق الرؤية الأمنية الإسر.ائيلية وصياغتها كأنها “مصالح قومية أمريكية”.
بعد تضرر البنية العسـ ـكرية لمحور المقـ ـاومة في غـ ـزة ولبنان وسوريا، لاحظ العقل الاستخـ ـباراتي في واشنطن وتل أبـ ـيب أن المقـ ـاومة العراقية ما زالت تمتلك مرونة مذهلة. فنشر المعهد بحثاً بعنوان: “النفط العراقي وشبكة التهـ ـديد الإيرانية”. الذي زعم بين سطوره أن فصـ ـائل الحـ ـشد الشـ ـعبي ومحور المقـ ـاومة تستخدم شبكات النفط لتمويل عملياتها العسـ ـكرية. لينتهي هذا البحث بقانون يتضمن تفكيك الحـ ـشد الشـ ـعبي و تجفيف منابعه المالية.
بالمقابل انقسم المشهد في العراق إلى معسكرين: فئة ترى أن مصلحة العراق تتطلب “الاستسلام الواقعي” للشروط الأمريكية لتجنب الإفلاس المالي.
و فئة ترفض هذه الإملاءات وتخوض معـ ـركة بقاء شرسة عبر آليات موازية:
عسـ ـكرياً: تعزيز الردع وصون المكتسبات الميدانية، تأكيداً على عدم خضوعها للعقـ ـوبات.
اقتصادياً: التحول نحو العملات البديلة (مثل اليوان الصيني واليورو) في التعاملات التجارية الخارجية للالتفاف على هيـ ـمنة الدولار الأمريكي.
سياسياً: رفض القوانين التي تحاول المساس ببنية الحـ ـشد الشـ ـعبي داخل البرلمان.
عاشت مراكز الفكر الأمريكية لسنوات تحت غطاء “النزاهة الأكاديمية”، حتى جاءت تسـ ـريبات كبرى كشفت عن تمويلات هائلة من دول الخليج و تركيا و دول اجنبية اخرى وأثبتت أنها مجرد أبواق مأجورة بالوكالة:
في عام ٢٠١٧ تم اختر.اق البريد الإلكتروني الخاص بسفير الإمارات في واشنطن، “يوسف العتيبة”.
كشفت الرسائل المسـ ـربة عن ضخ أموال إماراتية هائلة بانتظام في حسابات مراكز الفكر البارزة. و تدخل السفير الإماراتي بتعديل و إملاء أوراق بحثية يكتبها خبراء أمريكيون لتشـ ـويه دول أخرى، وتوجيه الخارجية الأمريكية لفرض عقـ ـوبات عليها. منها محاولة تصنيف قطر و تركيا كدول راعية للإر.هاب،
و صياغة تقارير دورية تروج لضرورة إلغاء الاتفاق النو.وي مع ايران وفرض العقـ ـوبات القصوى، وإدراج فصـ ـائل المقـ ـاومة على قوائم الإر.هاب.
لم تقف الدوحة وأنقرة مكتوفتي الأيدي؛ بل شنتا هجـ ـوماً بحثياً مضاداً بمليارات الدولارات عبر معهد بروكينغز ومعهد ستيمسون.
هذا مجرد نموذج، ولعل في طياته ما يفتح ذهن القارئ على الباقي.
أما الآن تركز المشاريع البحثية الجارية في مراكز الفكر على هندسة المنطقة وفق ثلاثة محاور مستقبلية:
١- تفتيت البنية السيادية للحكومات المركزية في دول مثل سوريا والعراق واليمن ثم تأسيس “إدارات حكم محلية” (الأقاليم) تديرها شركات أمـ ـنية دولية خاصة لحماية منشآت النفط والممرات المائية.
٢- دمج منظومات الرادار والدفاع الجوي الصـ ـاروخي بين إسر.ائيل ودول الخليج في منظومة رقمية مشتركة عبر الذكاء الاصطناعي.
٣- العزل الرقمي الشامل و قطع الكابلات البحرية والاتصالات الدولية، والتحكم المطلق بشبكة الإنترنت، وفرض حظـ ـر برمجيات الذكاء الاصطناعي لمنع الكيانات المتمـ ـردة من تصنيع الأسـ ـلحة أو إدارة شبكاتها المالية محلياً.
هؤلاء هم صنّاع الوهم ومهندسو العقول الذين يصوغون قرارات الرؤساء ويقودون قناعات الشعوب، لتبقى الحقيقة محاصرةً في إطار يخدم النفوذ الأمريكي، ويحمي استثمارات شركات السـ ـلاح و الدول الممولة
2026-10-21