إستراتيجية آل سعود في توظيف الدين الإسلامي لإدارة الصراع السعودي – اليمني..!!
غيث العبيدي*
▪️ المقدمة:
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك البنية الخطابية للدين السياسي في إدارة الصراع (السعودي-اليمني) عبر تحليل آليات تحويل المرجعية الدينية في الرياض من منظومة قيمية وأخلاقية إلى أداة تعبوية ووظيفية في إطار مفهوم القوة الناعمة الذكية. وأنطلاقاً من فرضية مركزية تقوم على أن النظام السعودي أعاد إنتاج الدين كرأس مال رمزي لتبرير التدخل العسكري في اليمن وضمان أستمرارية المصالح الضيقة لآل سعود في خاصرة السعودية الجنوبية.
▪️السياق العام وفرضية البحث:
تتمحور هذه الدراسة حول آليات التحول في الخطاب السعودي للحرب على اليمن، وكيف أنتقلت من كونها تدخلاً عسكرياً سافراً في دولة جوار مستقلة، إلى واجباً دينياً مقدساً؟
وما هي الأدوات الرمزية والفقهية التي وظفها آل سعود لتحقيق هذا التحول؟
وتفترض أن النظام السعودي يعاني من فجوة شرعية تاريخية، تجعله في حاجة دائمة لإنتاج عدو عقدي خارجي، لتبرير مغامراته العسكرية، وأن اليمن، بوصفه العمق الإستراتيجي والتاريخي للمملكة، كان الضحية المثالية لهذه الإستراتيجية.
▪️تسليح الدين الأسلامي في السعودية.
أستخدم نظام آل سعود السلطوي الرموز الدينية في صراعهم مع اليمن، لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
1️⃣. نزع الشرعية عن خصومهم.
2️⃣. إضفاء القداسة على قرارات السلطة.
3️⃣. تعبئة الجماهير في الداخل السعودي وبناء الشرعية.
▪️ مستويات الأنتقال من الشرعية السياسية إلى الشرعية الدينية .
قامت الإستراتيجية السعودية على ثلاثة مستويات شرعية:
أ. الشرعنة الفقيه السياسية، حيث تم تقديم الهارب عبدربه منصور هادي كولي أمر شرعي واجب الطاعة وفق فقه الخروج على الحاكم، رغم إنتهاء ولايته وعدم وجود بيعة شعبية له، وتم تجاهل الأصول الفقهية اليمنية الأصيلة.
ب. نزع الشرعية المذهبية عن الخصم، تم إعادة تعريف حركة أنصار الله كجماعة رافضية أثنا عشرية، ومجوسية وفارسية، وهو توصيف عقدي يخرج الصراع من كونه سياسياً يمنياً داخلياً، إلى صراعاً سنياً-شيعياً وجودياً.
ج. تدويل الفتوى حيث استنفرت هيئة كبار العلماء في السعودية، ورابطة العالم الإسلامي، لإصدار فتاوى جماعية بوجوب دعم عاصفة الحزم، وتم توظيف خطب الحرمين الشريفين كمنابر حرب، مما حول المؤسسة الدينية إلى ملحق بوزارة الدفاع.
▪️ آليات الردع المعنوي – حالة المطارات.
تعد هذه الآلية هي الأكثر ابتكاراً في الإستراتيجية الدعائية السعودية.
وتقوم على ما يسمى بـ تحويل الأهداف العسكرية إلى رموز دينية.
فعندما يرد اليمن على قصف مطار صنعاء الدولي المغلق منذ عام 2016، بقصف مطارات عسكرية أو مدنية تستخدمها قوات التحالف كقواعد إنطلاق مثل، مطار أبها، وجازان والطائف، والملك عبدالعزيز في مدينة جدة يتم فوراً تفعيل خطاب ديني طارئ يقوم على:
مغالطة القرب الجغرافي عن مكة، ويتم أستغلال هذا القرب لتحويل أي أستهداف عسكري مشروع للمطارات إلى أستهداف لقدسية مكة المكرمة وقبلة المسلمين، ومطار جدة يوصف إعلامياً بأنه “مطار الحجاج” وبوابة الحرمين، في حين أن وظيفته العسكرية هي قاعدة جوية متقدمة.
وأيضاً مغالطة التاريخ المقدس، ويتم الترويج لفكرة أن قصف مطار جدة هو قصف لـ “المطار الذي هاجر منه رسول الله إلى يثرب، وهو ربط تاريخي غير دقيق علمياً لكنه فعال عاطفياً، بهدف أستدعاء الغضب الديني للجماهير العربية.
الوظيفة الإستراتيجية لهذا التوظيف هي تحييد حق الرد اليمني عبر تجريمه دينياً، وتحويل المعتدي (التحالف الذي يقصف الشعب اليمني) إلى ضحية الدفاع عن المقدسات.
▪️الأهداف الاستراتيجية الكامنة لآل سعود:
إن التوظيف الديني يخدم عدة أهداف إستراتيجية لآل سعود وليس للسعودية كدولة:
أولاً: الهدف الأمني لأسرة آل سعود، ومنع قيام نظام وطني مستقل في اليمن يهدد نموذج الحكم الوراثي ويشجع المعارضة في عسير ونجران وجيزان.
ثانياً: الهدف الاقتصادي للسيطرة على باب المندب والمهرة وحضرموت، ومنع اليمن من إستغلال ثرواته النفطية والغازية بشكل مستقل.
ثالثاً: الهدف الإقليمي لقطع الطريق على أي نفوذ إيراني محتمل، حتى لو كان على حساب تدمير اليمن بالكامل، وفق مبدأ الأرض المحروقة أفضل من الأرض الموالية للخصم.
رابعاً: الهدف الداخلي لإعادة إنتاج شرعية آل سعود كحماة للحرمين في مواجهة الخطر الخارجي، بعد تراجع الخطاب الديني الداخلي بسبب سياسات والحرية والأنفتاح.
▪️الخاتمة والأستنتاج:
وفي المحصلة النهائية، أن توظيف الدين الإسلامي في الحرب على اليمن لم يكن حالة عرضية أو ردود أفعال فقهية لمشايخ الدين في السعودية، بل كان إستراتيجية ممنهجة ومخططة لها مركزياً من قبل دوائر صنع القرار في الرياض. وقد أعتمدت على تحويل المقدس الديني من قيمة جامعة للمسلمين إلى أداة تعبئة لحرب أسرة آل سعود السلطوية.
وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فشلها على المدى المتوسط، حيث لم تستطع إخفاء الطبيعة السياسية للحرب، وساهمت في تآكل مصداقية المؤسسة الدينية الرسمية السعودية لدى الرأي العام العربي والإسلامي، الذي بات يميز بين قدسية مكة والمدينة كمدينتين مقدستين لكل المسلمين، وبين أستخدامهما كدرع سياسي لحماية عرش آل سعود في حربهم العبثية ضد الشعب اليمني.
وبكيف الله
ـ كاتب عراقي مستقل.
2026-10-21