ما يجري في العراق ليس بالأمر الغريب او غير المتوقع، وانما الغريب فيه هو لماذا تاخر الانفجار كل هذا التأخير. ان كل ما جرى في العراق، منذ 2003 وحتى هذا اليوم، كان لابد وان يقود الى ثورة شعبية عارمة، و لا ادري ماذا كان ينتظر العراقيون بعد ان اُحُتُلٓٓ بلدهم وسرقت ثرواته على مراى ومسمع منهم، و قُتِلٓ ابنائهم واخوانهم وآبائهم واحبائهم على اسس طائفية، وهجروا على نفس الأسس. وحرموا من الخدمات والماء الصالح للشرب، و موخرا من اي نوع من انواع المياه حتى وان كانت عكرة، ومن الكهرباء والخدمات الطبية اللائقة، وابتُلوا بتوزيع مواد غدائية فاسدة و أدوية منتهية الصلاحية، وعانوا، ولا يزالون، من ميلشيات طائفية ودموية و منفلتة دمرت مدنهم و خطفت وغيبت وقتلت ابنائهم، ولا زال قسم منها يمارس أساليب الابتزاز والخطف والقتل لحد هذه اللحظة. والاخطر من ذلك نسبة البطالة العالية والضائقة المادية التي تعاني منها شرائح واسعة في المجتمع. وهذا لعمري غيض من فيض. أليست كل واحدة من هذه الاسباب، التي ذكرت والتي لم تذكر، كافية لدفع العراقيين للثورة؟ وهل يوجد بعد كل هذه الكوارث من يلوم العراقيين على الانتفاض على هذا الواقع الماساوي؟ ثم أليست هذه الكوارث كافية لتجعل كل مراقب ان يتعجب على صمت العراقيين كل هذه المدة؟
من ناحية اخرى فان تمادي الاحزاب الحاكمة وتجاوزاتها وفسادها وإصرارها على تدوير نفس الوجوه الفاسدة والكالحة، سواء في البرلمان او الحكومة، مٓثّٓلٓ ولا يزال، استفزازا لمشاعر العراقيين جميعا. ولم تُعِر الاحزاب الحاكمة ابة أهمية للتظاهرات او للاحتجاجات السابقة، ولم يتعظوا من مصير الحكومات المثيلة في دول العالم المختلفة، ولم يفسروا استهجان الناس لهم وعزوف 80% من الناخبين عن الذهاب للانتخابات التفسير الصحيح، ولا استهجان كل الشرائح للطريقة التي اُديرٓت بها العملية الانتخابية الاخيرة، ولا الحجم الهائل والمفضوح من التزوير الذي شابها، خاصة بعد ان تم إقتِطاع حوالي ثلثمائة مليون دولار من ميزانيتهم، التي تعاني اصلا من عجز كبير، لشراء اجهزة (الكترونية؟) لتمنع التزوير؟؟، واذا بها تظهر بان اغلبها لا يعمل، و الذي عمل بُرمِجٓ بطريقة لكي يُظهِر نتائج مزورة. ولم يتم احالة اي من اعضاء المفوضية العليا المستقلة [كذا] للانتخابات الى المحاكم، او اي نوع من انواع المُسآلة. في حين ان الكتل التي أظهرت هذه النتائج المثيرة للجدل، انها (فائزة)، اهتمت فقط بكيفية تشكيل التحالفات للوصول الى تشكيل حكومة فاسدة اخرى.
لا اعتقد ان احدا يختلف مع الرأي الذي يقول ان إصلاح العملية السياسية الفاشلة بل والمدمرة و الممزقة للعراق وشعبه، من قبل الاحزاب الحاكمة، هو اضغاث احلام. وكذلك الذي يعتقد ان اي من الوجوه التي فازت بالانتخابات، والتي يمكن ان تشكل الوزارة القادمة، يمكن ان تشن حملة على الفساد، لسبب بسيط هو انها هي بالاساس مليئة بالفاسدين اولا، ولان الفساد في العراق، بالاضافة الى تجذره وانتشاره بصورة رهيبة، فانه اصبح ايضا محميا بمليشيات مستعدة لقتل وتصفية كل من يحاول ان يتصدى له،
ان الهبة او الثورة الشعبية التي تشهدها محافظات العراق الجنوبية بقدر ما هي مفرحة و تدعو الى التفاؤل، الا انها لابد وان تثير القلق. كونها مفرحة فهذا لانها جاءت ردا مناسبا على الفساد الذي فاق كل الحدود اولا، وثانيا، وهو الأهم، انها قامت وانتشرت في المحافظات الجنوبية، والتي كثيرا ما تبجحت الحكومات والأحزاب الطائفية بانها تمثلها، وان ابناءها هم حاضنتها، وان منها يأتي الدعم الكبير لكل سياساتها.
و مقلقة لسببين، الاول ان بعض ما يترشح عنها يُظهِر بانه صراع بين الكتل والمليشيات المختلفة، ويُشٓم منه رائحة تدخل خارجي. وثانيا وهو الأهم، ان الجزء الصادق والحقيقي فيها، وهو ليس بالصغير او القليل، يبدو وكأنه تائه وبدون قيادة منظمة تحركه، مما يجعلها لقمة سائغة للمندسين و للمليشيات التي ستبدا بالانقضاض عليها. ان الحاجة الوطنية تقول، لكي تنجح هذه الانتفاضة فان على القائمين عليها ان:
اولا: يجب ان لا تكون مطالبها ( الانتفاضة) وأهدافها انية ومرحلية وشخصية ومادية، او حتى تهم شريحة معينة من المجتمع. بل يجب ان تكون جوهرية، فبدلا من المطالبة بتعيينات او تحسين شبكة الكهرباء مثلا، فأن على القائمين عليها ان يرفعوا شعارا واحدا موحدا وهو محاربة الفساد وإحالة الفاسدين الكبار للمحاكم والتحفظ على ممتلكاتهم، التي باسمهم او اسماء عوائلهم، واموالهم المهربة كخطوة أولى لاستردادها. وان لا يهدأ المنتفضين حتى يشاهدوا، كبداية، بعض رؤوس الفساد خلف القضبان و تم اعادة ما سرقوه الى خزينة الدولة. ان اكثر ما يثير اشمئزاز وحنق العراقيين هو ان يشاهدوا كل يوم رؤوس الفساد وهي تتحدث عن النزاهة والعفة وضرورة محاربة الفساد. و ليس اسهل على الفاسدين من ان ينثروا جزءا من الأموال التي نهبوها، اما لافشال الانتفاضة وتصفيتها، او الادعاء بإصلاحات كاذبة لإسكات المتظاهرين لكي يبقوا هم، الفاسدون، في مناصبهم، ويعاودوا فسادهم فيما بعد وبعد ان تهدأ الأمور.
ثانيا: ان يحافظوا على سلمية تظاهراتهم، وان لا يلجأ المتظاهرين الى تخريب الممتلكات العامة لانها ملكهم ولخدمتهم وان يصونوها، فهذه الممتلكات ليست هي عدوهم وانما من يديرونها من الفاسدين، هم فقط اعدائهم.
ثالثا: ان لا يلجأ الثائرين الى التصادم مع القوات الأمنية وقوات الجيش، لان الغالبية العظمى من منتسبي هذه المؤسسات العسكرية يعانون نفس معاناة بقية أبناء الشعب، وان يعملوا على كسبهم، وسيجدون ان من يطلق النار عليهم ويقتلهم او يجرحهم او يروعهم هم أفراد المليشيات التابعة للأحزاب والشخصيات المشتركة في العملية السياسية، هذه المليشيات التي لن تتورع عن مهاجمة حتى منتسبي القوات المسلحة، او حرق العراق باكمله اذا ما وجدت ان ذلك في مصلحتها ويبقي على نفوذها. (بالمناسبة فان أصابع الاتهام في اخر حوادث اطلاق النار في البصرة تتجه لبعض هذه المليشيات). كما ان على القوات الأمنية والجيش ان تحمي المتظاهرين السلميين وان تدعم مطالبهم، بل و تتبناها و تدافع عنها لانها تمثلهم كعراقيين متضررين ايضا.
وأخيرا وليس آخرا ان يطالبوا الحكومة بإعلان نتائج التحقيقات في التزوير الذي شاب الانتخابات الاخيرة، و التي يجمع الكل على انها كانت مزورة، وبأسرع وقت.
واذا ما نجحت هذه التظاهرات في التقيد بهذا المسار عندها فقط يحق للجميع ان يفرحوا و يتفائلوا بها. و سيتولد بالتأكيد لدى العراقيين الشعور بان الثورة الشعبية تسير في الطريق الصحيح.
سياسي واكاديمي عراقي
2018-07-16