يمة أني راضية عليك .. لكن بعد فوات الاوان!
زمزم العمران
قال تعالى في كتابه الكريم : {وَالشَّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}
في شهر رمضان المبارك،تكون موائد الإفطار عامرة بالطعام ، لكن بعض البيوت لايكون ينقصها الطعام ، بل ينقصها انسان واحد ،انسان كانت الأم تنتظر صوته ،خطواته ، ابتسامته ، ومكانه المعتاد في سفرة الافطار .
في أحد أيام رمضان عام 2006 ، دخل رامي إلى بيت والدته ،وكانت غاضبة منه لأنه عاد متأخراً في الليلة السابقة ،حاول أن يرضيها بطريقته البسيطة أقترب منها وقال : (يمة اضحكي ) ، لكن الام وقد غلبها العتاب ،إجابته ان يتركها وشأنها ،حاول مرة ثانية أن يسترضيها اكثر ،فقال لها أنه لم يفطر معهم ذلك اليوم ،فقالت له من شدة غضبها :(تاكل السم الهاري) ،فضحك وقال كلمته التي بقيت عالقة في ذاكرة الأم إلى الأبد 🙁 حتى السم طيب من ايدچ يمة ) ،ثم خرج وهو يظن أن المساء سيأتي وان الغضب سينتهي وأنه سيعود إلى أمه كما يعود كل يوم ،وأن تلك الكلمات مجرد عتاب عابر بين ام وابنها ،لكنه لم يكن يعلم أن ذلك الخروج سيكون اخر خروج له من البيت .
حل المساء وبدأت الام تعد سفرة الافطار ، طبخت له الطعام الذي يحبه لأنها كانت تعرف أن الافطار لاتكتمل فرحته الا بوجوده قالت لأبنتها: (أتصلي على اخوج خلي يجي بسرعة مابقى شي ع الأذان ) ،اتصلت به لكن الهاتف كان خارج نطاق الخدمة، بدأ القلق يتسلل إلى قلب الام ،قالت في نفسها ربما هو في الطريق ،ربما سيطرق الباب بعد قليل ويقول : (يمة وين الأكل) ،لكن الباب بقي صامتاً ،وجاء الاذان واجتمعت العائلة حول السفرة بينما بقي مكان “رامي “فارغاً كانت الأم تنظر إلى مكانه الفارغ أكثر مماتنظر إلى الطعام ،وفجأة ظهر الخبر العاجل على التلفاز “انفجار مفخخة في أحد أحياء بغداد ” ،في تلك اللحظة لم تكن الام بحاجة إلى من يخبرها ،أحياناً يكون لقلب الام حدس لايحتاج إلى دليل ،وبعد وقت قصير جاء الخبر الذي حول رمضان من شهر للصيام إلى شهر محفور في الذاكرة بالدموع :رامي استشهد، رفضت الام التصديق وقالت : (لا يچذبون هسة يجي ،يدخل من الباب ويبوس ايدي ويطلب رضاي ) ،وكأنها كانت تحاول أن تفاوض القدر .
أتصلت بزوجها وقالت له أن رامي سيأتي ،وان الطعام الذي يحبه ينتظره ، وأنها لن تفطر حتى يعود ، لكن صوت الأب كان مكسوراً بالبكاء : (رامي استشهد ) ، انهارت الكلمات من فمها ..لا مستحيل وبلمح البصر مرّ شريط تفاصيل اليوم بذاكرتها ،تذكرت غضبها ،تذكرت وجهه ،تذكرت ضحكته ، تذكرت عندما قال لها : (حتى السم طيب من ايدچ يمة) ، وصلت الأم إلى المستشفى وهي تركض لاتعرف كيف وصلت وكيف قطعت الطريق ،دخلت الى الطوارئ تبحث عن ابنها بين الوجوه ،حتى رأته كان مُغطى بغطاء أبيض رفعت عنه الغطاء ،فرأت ابنها مضرجاً بدمائه ،وهنا لم تعد الام تعرف كيف تتعامل مع الموت ولا تستوعب أن ابنها الذي خرج قبل ساعات من أمامها لن يعود ،احتضنته وكأنها تستطيع أن تعيد له الحياة بحضنها وقالت : ( حبيبي أكعد شوف الأكلة الي تحبها ،جبتها وياي حتى تفطر ) ،ثم راحت ترجوه : (يمة بعدك صايم .. اكعد حبيبي ،اذا تحبني صدك اكعد خل نفطر سوية ، اني جوعانة ليش تعوفني هيج ) ، ثم قالت بيأس الجملة التي تختصر مأساة أم كاملة : (يمة .. يعني بعد ماتسامحني ) ، كم من ام قالت هذه الجملة في العراق ؟ وكم من ام نامت بعد فراق ولدها وهي تعيد في رأسها آخر كلمة قالتها له ؟ وكم من ام تمنت لو أن آخر لحظة جمعتهما كانت حضناً بدل العتاب ، وقبلةً بدل الغضب، (والله يحفظك ) بدل (روح من گدامي ) ؟نحن لا نعلم أبدا اي كلمة ستكون الأخيرة ،نقول :(بعدين نتصالح ) ، أو (باچر نحچي ) أو (هو أبني وين راح يروح يعني ؟ ) ، لكن الحياة لاتمنحنا دائما فرصة (باچر ) ،قد يغادر شخص تحبه من امامك وتكون آخر كلمة بينكما عادية جداً،ثم تكتشف أن تلك الكلمة كانت اخر ما سمعهُ منك .
لهذا لاتؤجلوا الاعتذار ،لاتبخلوا على امهاتكم بكلمة طيبة ،لاتجعلوا الغضب اطول من الحب ، فالإنسان لايعرف متى يتحول الباب الذي خرج منه حبيبهُ إلى باب ينتظر عودته بلا جدوى ، وفي العراق هناك أمهات كثيرات لم يكن ينقصهن شيء في بيوتهن سوى صوت ابنائهن ،امهات مازلن يحتفظن بملابسهم ،بصورهم،بأشيائهم الصغيرة ، وربما بطبق اعتدن أن يضعنه لهم على السفرة ،امهات لايزالن رغم مرور السنوات،ينظرن إلى الباب لحظة سماع طرق يشبه طرق ابنائهن ،ولعل اقسى مافي الفقد أن القلب لايتعلم الغياب بسهولة ،رحم الله رامي ورحم كل من رحل وترك وراءه أماً مكسورة القلب .
لم يكن ذنبك انك غضبتِ ، كنتِ أماً وكان غضبك عابراً، لكن الموت كان اسرع من الصلح ، فأغفري لنفسك ،وأبكيه كما تشائين ، لكن تذكري أن ابنك لم يحمل معه غضبك ، بل حمل معه حبك الذي كان أكبر من كل عتاب ، وفي كل رمضان حين تجتمع العائلات حول موائد الإفطار،ستبقى هناك موائد تتصفح الأوجه التي طالما شاركتهم هذه الجلسات بحلوها ومرها سيضل هناك كراسي فارغة ، وقلوب تنتظر من لن يعود ، رحم الله أبناء العراق الذين غادروا موائد اهلهم ولم يعودوا ، ورحم الله كل ام مازالت ترفع يديها إلى السماء وتقول : (يمة .. الله يرضى عليك دنيا وآخرة ) فبعض الدعوات لاتنتهي بموت أصحابها ،بل تبقى معلقة في السماء تحملها دموع الأمهات إلى رحمة الله .
2026-08-22