الارتجال الطموح.. مآلات الأوراق السعودية في مواجهة إيران محمود عبد الحكيم
في سعيها للاستجابة لهاجس تزايد القوة الإيرانية، اتجهت المملكة السعودية في الآونة الأخيرة إلى تفعيل أقصى قدر ممكن من أوراقها في الصراع الإقليمي؛ لكن التحركات السعودية افتقدت لسياق واحد منتظم تصُبّ فيه مجتمعة، وهذا لا ينفي خطورتها في منطقة مشتعلة وذات واقع سياسي بالغ التعقيد، ولعل ذلك تحديدًا ما يمثّل رصيدًا جاهزًا لدى سياسة المملكة التي اتجهت، حين سقط مشروعها السياسي في سوريا والعراق واليمن إلى الحلقة الأضعف والأخطر وهي لبنان، دون اكتراث بما قد ينتج عن إزاحة حكومة الحريري، بعد أشهر من التحريض السعودي المباشر لطائفة من اللبنانيين على الأخرى، وبعد فترة من الاستقرار السياسي والأمني في الداخل اللبناني، المعروف تقليديًّا بهشاشته وافتقاره للاستقرار.
على جانب آخر من ذات السياق، طبّق الجانب المصري ما يشبه “النأي بالنفس” عن التحركات السعودية، التي ألمح الرئيس المصري إلى حقيقتها البديهية أي كونها تقوّض استقرار المنطقة في فترة عصيبة بالفعل وتتطلب التهدئة لا التصعيد، واكتفت مصر بالانضمام إلى دعوة وزراء خارجية الجامعة العربية لاجتماع طارئ حول “كيفية التصدي للتدخلات الإيرانية”، في استجابة لدعوة سعودية إماراتية بحرينية، تعبّر عن مجاراة مصرية محدودة، وإن كانت قابلة للتطوير أو الانتفاء، للتحرك السعودي.
من هنا لم تأتِ أصداء فرض الاستقالة على الحريري لصالح المملكة على الوجه الأكمل، فاستدعت الرئيس الفلسطيني محمود عباس وضغطت عليه، بصيغة التكليف، لتحريك نفوذ حركة فتح بالمخيّمات الفلسطينية في جنوب لبنان نحو مواجهة حزب الله، على سبيل “كبح النفوذ الإيراني”، مع وجود تكفيري مسلّح في عين الحلوة، أكبر مخيّمات الجنوب، قام بتصعيد عسكري مواجهًا الجيش اللبناني وقوات فتح العاصفة في الصيف الماضي، بموازاة طرد التكفيريين من الحدود الشرقية للبلاد، ويمثّل حاليًّا ورقة سعودية أخيرة للتحرك في لبنان، مع تأكيد عباس للرئيس عون على “حياد المخيّمات” عقب لقائه مع ابن سلمان.
لبنان القديم في مواجهة الجديد
يمكن القول إن المملكة أزعجها التوافق اللبناني الجديد الذي تشكّل في العام الحالي حول ثلاث نقاط: الأولى وضع محددات وطنية عامة وجامعة تضمن حتمية التوافق السياسي الداخلي، ومن ثم طيّ صفحة الانقسام المجتمعي أو المواجهات الصدامية بين الفُرقاء، واعتماد الحوار والتوازنات السياسية الواقعية كوسيلة وحيدة لتركيب السلطة، والثانية مواجهة الإرهاب عمليًّا والقضاء على مرتكزاته من الجذور، مما يستلزم في واقع الأمر إقامة علاقات مع الدولة السورية، والقبول المحايد والقائم على مصلحة مشتركة، للدور الإيراني في الإقليم، وأخيرًا الإقرار بالوزن الإقليمي لمنظومة المقاومة وبالتالي من يمثلها في الداخل اللبناني، أي حزب الله بوزنه المحلّي المتطوّر مؤخرًا.
أثمرت النقطة الأولى وصول ميشال عون إلى منصب الرئاسة بعد فراغ رئاسي طويل، بتوافق كان هو ما أوصل الحريري إلى رئاسة الوزراء في المقابل، لحين إجراء الانتخابات النيابية المقبلة، وأثمرت النقطة الثانية تحرير الحدود الشرقية للبنان من سيطرة داعش والنصرة، بعد مخطط لهما بتصعيد العمليات الإرهابية إلى موجة كاملة لاجتياح قرى مسيحية، وغيرها، في البقاع والسيطرة عليها، أي تجاوُز سقف اختراق بيروت كل حين بالمفخخات، وأثمرت النقطة الأخيرة، بالبناء على الأولى والثانية، تموضُع لبنان عمليًّا في صف مناهض للسياسة الغربية في المنطقة، ليس فقط بالمواقف السياسية للرئيس عون، حين رفض الأمر الأمريكي بمنع الجيش من مشاركة حزب الله في معركة الحدود الشرقية، بل بحكم اصطفاف جيش لبنان ورئاسته مع الجيشين والحكومتين العراقية والسورية في معركة واحدة فرضها الواقع.
إجمالاً جاء التوافق الوطني المذكور على أنقاض المصالح السعودية كما يتصورها الحكم السعودي الذي يحرّكه الهاجس الإيراني وحده دون غيره، وبالتالي يصبح الخيار السعودي الأفضل هو العمل على إعادة وضع داخلي لبناني نقيض وسابق، يقوم على الفراغ في أحد مكوّنات تركيبة السلطة كنتيجة للتطاحن السياسي، كما حدث في موقع رئاسة الجمهورية لسنوات، وعلى التوتر الطائفي والانقسام الفلسطيني – اللبناني، كما كان الواقع اللبناني في سنوات الحرب الأهلية، التي مثّلت في أحد أوجهها مقتلة كبيرة لشعبي لبنان وفلسطين وفرصة لاجتياح صهيوني للبلاد.
الكيان الصهيوني و”النأي بالنفس”
قد تعتقد المملكة أن اندلاع تفجير سياسي أو طائفي أو قُطري (فلسطيني – لبناني) في لبنان، سيمثّل إشارة وفرصة ذهبية لاجتياح صهيوني جديد، على خُطى نظرية خلق الإشكالية لتبرير خطوة جديدة تحت دعوى حلّها، وهو ما قرأته الإدارة الصهيونية، فوجّهت منظومة سياستها الخارجية، من ناحية، إلى دعم التحرك السعودي في لبنان دبلوماسيًّا، ومارست “النأي بالنفس” من ناحية أخرى حين صرّح رئيس أركان جيش الاحتلال جادي أيزنكوت لموقع إيلاف الإخباري السعودي في لقاء صحفي، أنه لا نيّة في مهاجمة لبنان وحزب الله في الوقت الحالي، وهو تصريح حقق مجاراة للمملكة في خطواتها، إذ كان اللقاء الأول لمسؤول صهيوني مع وسيلة إعلام سعودية، وخطوة في اتجاه نقل التطبيع والتحالف بين الطرفين إلى الأمام، وأعلن في الوقت ذاته أن الكيان لن يذهب بعيدًا مع الطموح السعودي بالقضاء على حزب الله باستخدام جيش الاحتلال.
يتوقف الإقدام على خطوة كذهاب جيش الاحتلال إلى ضرب المقاومة في لبنان على عدد من العوامل الغائبة، إذ تفتقر الإدارة الأمريكية الحالية للقوة والتجانس اللازمَين لتوفير الغطاء الأمريكي المطلوب صهيونيًّا قبل خطوة كتلك، في ظل الاختلاف الواضح والعلني بين مكوّنات الإدارة نفسها على كيفية التعامل مع الملف الإيراني، مما ينعكس بالضرورة على الموقف من لبنان، كما يغيب العامل الأهمّ والأكثر جوهرية وهو القدرة الواقعية على تحقيق الانتصار، الأمر الذي تنفيه التجارب الصهيونية السابقة، فضلاً عن ثلاثة إجراءات عملية أعلنها حزب الله، تدريجيًّا وخلال الأعوام السابقة، على لسان أمينه العام حسن نصر الله: الأولى أن أي هجوم صهيوني قادم على لبنان سيتبعه اقتحام قوات الحزب لشمال فلسطين المحتلة، والثانية أن الهجوم المماثل سيتبعه قصف صاروخي على نقاط سيكفل ضربها كارثة مدمرة وانهيارًا للحياة في الكيان، أبرزها خزانات الأمونيا ومفاعل ديمونة وأقلّها محطات الكهرباء، والثالثة أن الحرب القادمة لن تكون مع حزب الله وحده، بل ستنضم إليه فصائل أخرى في مواجهة جيش الاحتلال.
المخيّمات.. المملكة تبحث عن كرة اللهب المثالية
تضم أكبر 3 مخيمات فلسطينية في جنوب لبنان (حيث يقع مرتكز حزب الله) نحو 100 ألف فلسطيني، وأكبر 4 مخيمات في محيط بيروت العاصمة نحو 40 ألف، حقيقة قابلة للاستثمار السعودي سياسيًّا، في ظل ما حققه القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان من نفوذ في مخيّمات لبنان خلال العامين الماضيين، كشخصية أمنية من الدرجة الأولى وكادر فتحاوي سابق ذي علاقات هامة ووثيقة داخل بنية منظمة فتح نفسها، ومدعوم من الإمارات ماليّا، استطاع دحلان التغلغل في مجتمع المخيّمات من بوابتي العمل “الخيري”، مع إنفاق إماراتي سخي، والعمل الأمني، وامتد نفوذه إلى جميع المخيّمات تقريبًا مع عشرات المشروعات الخيرية التي استقطبت المزيد من فلسطينيي الشتات، كما تشكّلت شريحة جديدة من الموزّعين والنافذين والكوادر بناء على علاقتهم بدحلان ورجاله، والبنية الاقتصادية لتيّاره بطبيعة الحال.
من هنا يمكن فهم الاستدعاء السعودي الأخير لمحمود عباس، الذي يواجه، حال عدم مجاراته للتحركات السعودية بنفس الحماس والإيقاع، إنذارًا بوجود بديل على ولاء مطلق وأعلى للمملكة وسياساتها وحلفائها، ألا وهو دحلان وتيّاره، كما يواجه طلبًا سعوديًّا بالذهاب إلى مفاوضات سلام برعاية المملكة وبالسقف الذي تحدده، ولكن العقدة أن ما تستخدمه المملكة في هذا السياق، أي الانقسام الفلسطيني الفلسطيني داخل حركة فتح مضافًا إليه الوجود التكفيري المسلح في بعض المخيّمات، هو نفسه ما قد يؤدي إلى انهيار تحركها فيه، لأنه من المحال في مشهد كهذا بناء قوة فلسطينية متماسكة تعمل على تحقيق أهداف المملكة في لبنان، ولا سيما الكبيرة والمعقدة منها، في ظل تناقضات القوى التي تتقاسم السيطرة على المخيّمات وعدم قدرة كلٌ منها على حسم السيطرة لصالحها بالكامل، وبالتالي قد لا يبقى أمام المملكة سوى دعم أو تحريك سيناريو “الانفجار” أي حرب الكل ضد الكل، باعتبار أن مناخ الفوضى قد يهيئ تحقيق مصلحة للمملكة، بشكل أو بآخر في لبنان.
2017-11-19