اعترافات جيه دى فانس المثيرة!
مهدى مصطفى
هل يقرأ نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس مجلة «الأهرام العربى»؟
– ربما.
قبل عامين، فى يوليو 2024، كتبت مقالا بعنوان «الرئيس الأمريكى الثامن والأربعون»، شبهت فيه مسيرة جيه دى فانس بمسيرة الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون.
وقلت إن الشخصيتين تجمع بينهما الخلفية الاجتماعية، وصغر السن، ومهنة المحاماة، والخطابة، والفصاحة، وتأليف الكتب، وإن تفوق فانس من حيث الجرأة والانكشاف والمصداقية.
كتبت ذلك رغم معرفتى بأن فانس وصف فترة نيكسون بأنها الأسوأ، هاجم دونالد ترامب فى ولايته الأولى، ثم وضع ترامب ونيكسون فى سلة واحدة، قبل أن يتغير كل شىء، ويصبح نائبا للرئيس فى إدارة ترامب، ثم يعود ويتحدث عن نيكسون بنبرة مختلفة.
خلال جولته الترويجية لكتابه الجديد فى مكتبة نيكسون الرئاسية بولاية كاليفورنيا، اعترف بأنه يرى أوجه شبه كبيرة بينه وبين نيكسون، وقال: «سيناتور شاب، نائب رئيس، يكتب بعض الكتب الأكثر مبيعا، مكروه من قبل وسائل الإعلام، يبدو هذا، مثل جيه دى فانس، كثيرا ما أحببت ريتشارد نيكسون».
هذا الاعتراف المتأخر أعاد إلى ذهنى ما كتبته شخصياً قبل عامين فى «الأهرام العربى»، حتى بدا وكأن المقارنة التى طرحتها قد سبقت اعترافات صاحبها، أو أن فانس كان يدرك هذا التشابه منذ البداية، لكنه لم يشأ الإفصاح عن موقفه الحقيقى من نيكسون خشية أن يقارن برئيس ارتبط اسمه بفضيحة ووترجيت.
جاء كتابه الجديد تحت عنوان «الشركة الروحية: كيف وجدت طريقى إلى الإيمان من جديد»، وهو عنوان يذكرنا بكتاب الدكتور مصطفى محمود «رحلتى من الشك إلى الإيمان» الصادر عام 1970.
يعترف فانس فيه برحلة روحية عاصفة، بدأت بالابتعاد عن الإيمان، وانتهت باعتناقه الكاثوليكية فى الخامسة والثلاثين، بعد أن نشأ فى أسرة بروتستانتية بولاية أوهايو، وينضم إلى عدد من أبرز الساسة الأمريكيين الكاثوليك، منهم جون كينيدى وجو بايدن.
بهذه الجرأة يقدم فانس نفسه بطلا أمريكيا شعبيا، يتسلق الصعب ليصل إلى المجد، فمنذ كتابه الأول «مرثية ريفية»، الذى روى فيه سيرة عائلته ومعاناة الطبقة العاملة فى أوهايو، إحدى ولايات حزام الصدأ، وصولا إلى كتابه الجديد، يكشف عن جيل أمريكى يبحث عن معنى يتجاوز النجاح المادى والسياسى.
وإذا كانت «مرثية ريفية» قد عكست آلام العمال الأمريكيين البيض الذين عصفت بهم التحولات الاقتصادية، فإن كتابه الجديد يعكس الاضطراب الروحى والنفسى لجيل كامل، فهو من مواليد 1984، وفى سنوات مراهقته وقعت هجمات الحادى عشر من سبتمبر، ثم انخرطت الولايات المتحدة فى حروب متتالية، من أفغانستان إلى العراق، ثم إلى أزمات الشرق الأوسط المتلاحقة، وصولا إلى الحرب مع إيران.
يرى فانس أن السياسة الخارجية الأمريكية تحتاج إلى مراجعة جذرية، وأن مصالح الولايات المتحدة ليست بالضرورة متطابقة مع مصالح إسرائيل، وأن الأولوية يجب أن تكون للمصلحة الأمريكية، ولهذا يكرر شعاره المفضل: “أمريكا أولا”، ويرى أن التورط فى الحروب الخارجية أرهق الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا.
ويبدو أن بعض شباب الحزب الجمهورى بدأوا يتبنون هذا الطريق، فظهرت فى ولاية تينيسى منشورات تحمل شعار «لا حروب من أجل اليهود»، فى تعبير عن تيار يتنامى داخل القاعدة الجمهورية المحافظة.
وهنا يعود ريتشارد نيكسون إلى الواجهة من جديد، فالشبه بين الرجلين لا يقف عند الفقر، ولا عند المحاماة، ولا عند الكتابة، ولا حتى عند الوصول إلى منصب نائب الرئيس، إنما يمتد إلى تصور الدولة وفلسفة الحكم.
كان نيكسون يؤمن بأن السياسة تدار بمنطق المصلحة القومية وتوازنات القوة، ويبدو أن فانس يقترب من هذه الرؤية بقوة.
كلاهما خرج من هامش المجتمع الأمريكى إلى قلب السلطة، وكلاهما دخل فى صدام مع النخب السياسية والإعلامية، وكلاهما يدعو إلى إعادة تعريف الدور الأمريكى انطلاقا من الداخل قبل الخارج.
لعل هذا هو السر الحقيقى الذى جعلنى أربط بينهما قبل عامين، ثم جاء اعتراف فانس ليمنح تلك المقارنة قدرا من المصداقية، ويعيد طرح السؤال، ماذا ستفعل إسرائيل مع الرئيس الثامن والأربعين جيه دى فانس؟
2026-07-04