أوراق من رواية والدتي حلقة… 30!
على خُطى والدتي الصابرة….
في خريف العام 1977 تسللتُ عبر الحدود الأردنية السورية قاصداً لبنان، وحملتُ في جيبي صورة عن شهادة ميلادي للتعريف بجثتي في حال أطلقت النار عليّ ومتُّ على الحدود. جرى تفريغي بمخصص شهري قدره 625 ليرة لبنانية -كانت تعادل 70 ديناراً أردنياً- وهذه أول مرة أتقاضى فيها راتباً من حركة فتح. وتقرر أن يكون مقر عملي في دمشق، فرافقتُ الصديق محمد نعمان الريماوي -أبو نعمان- السكن في شقة مدفوعة الأجر تابعة للجنة التنظيم 77 في ساحة العباسيين. تزوج أبو نعمان وانتقل إلى شقة في حيّ الأكراد بجبل قاسيون وبقيتُ وحيداً في الشقة.
عامين وتسللتُ إلى الأردن لمشاركة أبو حسن قاسم الإشراف على إعادة تنظيم مجموعاتنا التنظيمية في الساحة الأردنية، وإنزال دورية خالد الديك إلى فلسطين. وفي الستة أشهر التي قضيتها هناك، كتب لي القدر أن أخطب زهرة القيسي دون قصة حب أو سابق معرفة، والفضل في ذلك لمريم ياسين زوجة صديقي عطا. تردّد والد الفتاة في الموافقة، فليس سهلًا على والد أن يُلقي بمصير فلذة كبده بين يديّ شاب في مهب الثورة، لكني صمّمتُ ووجدتُ من يُزكيني لديه. عدتُ إلى سوريا كما حضرتُ، وبمساعدة مالية من اللجنة -1000 دينار- اشتريتُ أثاثاً، غرفة نوم وصالون، ولأن الشقة مفروشة أساساً لم أكن بحاجة لأدوات مطبخ وغيرها. وقتٌ قصيرٌ ورجعتُ إلى عمان في وفد رسمي مع أبو جهاد، وعقدتُ قراني على زهرة بجواز سفر أردني مزور لأن جواز سفري محتجز لدى دائرة المخابرات. لن أنسى موقف حماي -عبد السلام القيسي- الذي تقبل أن يكون مهر ابنته 500 ديناراً، وهذا ما توفر معي في حينه. وفي دمشق -بعدما رجعت- ساعدني سليمان يوسف -أبو حديد- ونجوى عودة في تهيأة شقة ساحة العباسيين للزواج. وبعد شهر حضرت العروس وأقمنا حفل زفاف بسيط في منزل عائلة سمر في حي القابون.
في تلك الآونة صرفت لنا اللجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة ثلاثة آلاف دينار، تعويضًا عن بيتنا الذي هدمته قوات الاحتلال في فلسطين فاستأذنتُ والدي باستثمارها ووافق. أعطيتُ المبلغ لعلي سرحان زوج شقيقتي فاطمة وتشاركنا بمحددة. قال علي حين عدتُ إلى عمّان مع أبي جهاد بعد عام: “ربحتم ستمئة دينار ولم أستخدم سوى نصف المبلغ الذي استلمته منك”. أخذتُ الربح والمبلغ المتبقي وبعنا مصاغ زوجتي بسبعمئة دينار، واقترضتُ ألف دينار من قريبي محمود ناصر المقيم في إمارة الشارقة، واشترينا شقة صغيرة غير مكتملة -على العظم- في بلدة جوبر بالقرب من دمشق، وهبّ رفاقي لمساعدتي في تشطيبها. تسلل “أحمد دبك” قادماً من الأردن للتبليط، واشتغل شقيق عبد السلام عبد الله الكهرباء، وتكفّل شقيق أبو قاسم مرعي بالطراشة، واشتغل محمود قاسم (أبو خالد الصغير) المنخول جسده بعشرين رصاصة في اجتياح العام 1978 عاملًا.
بعد عام ونصف أنجبتْ زوجتي طفلنا البكر علاء فوجدنا أنفسنا في ورطة. كيف نستخرج له جواز سفر أردني ووالدته مُسجلّة عزباء في جواز سفرها؟ وأنا ليس لديّ وثيقة رسمية أردنية تُثبتُ شخصيتي. اضطررنا لتهريبه بالقطار إلى عمّان. ذُعرت زوجتي حين قال لها صديقنا موظف الجوازات الذي عوّلنا على مساعدته: “لا أستطيع مساعدتك، وإيّاك أن تقولي إنّك هرَّبتِ الطفل، قولي إنّك تركته عند صديقة في سورية”.
ويا لعظمة تدخّل الأقدار أحيانًا! بعد أسبوعين من تردّدها الحائر إلى دائرة الجوازات، دخل رجل إلى مكتب صديقنا وتساءل: “ما قصة الأخت؟”. حدثه صديقنا بأمر زوجتي فسألها الرجل: “من أي عائلة أنتِ؟”. ردّت: “من عائلة القيسي”. قال: “هل تعرفين فلان وفلان؟”. أجابت: “أبناء عمي”. قال: “قومي معي وستُحلّ مشكلتك”. تردّدت زوجتي الصبية في مرافقة رجل غريب فطمأنها صديقنا: “الرجل محترم، ضابط في المخابرات”. قالت زوجتي وهي تُحدّثني عمّا جرى: “أخذني الرجل إلى مقر المخابرات وهناك سألوني عن أصدقائك فأجبتُ أن لا علاقة لي بالسياسة. أعطوني كتابًا لتغيير صفتي من عزباء إلى متزوجة، وآخر لاستصدار جواز سفر لابني”. يومها كان السيد مصطفى القيسي مديرًا للمخابرات الأردنية. هل كان اسم عائلة زوجتي السرّ في حلّ مشكلتنا؟ أم أنّه تدخُلٌ جريء لضابط شهم من الذين حققوا معي حين كنتُ معتقلًا في المخابرات قبل عامين؟ أم أنّه التعاطف الذي صنعته ملحمة صمود الثورة في بيروت عام 1982؟ ولا شك أن الضابط الذي حمل زوجتي إلى مقر المخابرات رجل شهم وربما يعرفني. لكنّ استصدار جواز سفر لطفلي يتطلب وكالة منّي. قصدتُ السفارة الأردنية في حي “أبو رمانة” بدمشق حاملاً صورة شهادة ميلادي: “أريد توكيل زوجتي لاستخراج جواز سفر لطفلي”. أجابني الموظف: “أعطني جواز سفرك”. ناولته شهادة ميلادي فقال: “هذه لا تُفيد”. صعدتُ إلى القنصل الذي أظنّ أنّ اسمه محمد العضايلة، فقال حين شرحتُ له القضية: “لو أنّ على شهادة الميلاد صورة لتعاطفتُ معك”. قلتُ وأنا أُخرج بطاقة حركة فتح من جيبي: “هذه هويتي”. صمتَ وجال بعينيه بين الهوية وشهادة الميلاد، تنفّس عميقًا وقال وهو يتطلع في عينيّ: “سأوافق عليها مهما كلّف الأمر”. تلفظ بذلك وختم المعاملة. بعد أسبوعين كانت زوجتي وطفلي في دمشق. لا يعلم غير الله ما الذي كان سيحل بأسرتي لولا تضامن القنصل معي. أسرٌ كثيرة ضاعت في ظلام الغربة ووحشتها بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان في أعقاب عدوان عام 1982، بسبب افتقار رب الأسرة الفدائي لوثائق شخصية. صبايا كُثر حُرمن الزواج بسبب افتقارهن لوثائق عقد القران.
في صيف عام 1983 وقع انشقاق فتح فلم أفرح بالنوم ليلة واحدة في شقتي، وبناءً على أوامر خليل الوزير -أبو جهاد- غادرتُ وزوجتي وطفليَّ سوريا إلى تونس. سكنّا في فندق الدار بمنطقة سليمان، ستة أشهر دون إيجار وأصبح راتبي الشهري خمسمئة دولارًا. انتقلتُ للسكن في شقة ريفية متواضعة بمنطقة غابة رادس- نسبة إلى بلدة رادس المجاورة للعاصمة التونسية، وبدل أن أشتري عفشاً بالثلاثة آلاف دينار التي صُرفت لي لهذه الغاية، أشتريتُ سريراً مزدوجاً وفراشاً وثلاجة وبوتوغاز صغير بخمسمئة دينار -حظي أن في الشقة خزانة حائط- واشتريتُ بباقي المبلغ سيارة مستعملة من نوع بيجو 104. في نهاية العام 1984 سافرتُ إلى عمّان عضوًا مراقبًا في المجلس الوطني الفلسطيني وفي جيبي خمسة آلاف دولار، وصرف لي أبو جهاد ألفًا وخمسمئة دينار بدل إيجار سكن سنوي. وكما تصرفتُ في تونس دفعتُ قسماً من المبلغ قسطًا من ثمن شقة في الجبل الأخضر بمساحة 52 مترًا مربعًا عوض الاستئجار، واشتريتُ أثاثاً وسيارة أوبل اسكونا مستعملة. ذات يوم فاجأني طفلي علاء بسؤال: “هل نحن لاجئون أم نازحون؟” بماذا أجيبه ونحن لا هذا ولا ذاك؟ فبعد نكسة حزيران/يونيو هُجّرتُ من البلاد، لكنّي لم أُسجل كنازح، وعندما تسلّلتُ من الوطن قبل عشرة أعوام جئتُ مطاردًا. أنا فدائي. في هذه الفترة ساورني شك بأن زواجي لن يستمر، وتحسباً لذلك وبهدف حفظ كرامة زوجتي، آثرتُ تسجيل شقة الجبل الأخضر باسمها دون أن تطلب ذلك. هذا أقل ما يمكن تقديمه لفتاة في مقتبل العمر وبلا وظيفة، أن يكون لها بيت يُؤويها، وأنا شديد الإيمان بأن كرامة الولد من كرامة والدته. لكني مع الوقت والعشرة اكتشفتُ أن ما بدا تناقضاً بيننا، لا يعدو كونه مظهر تكامل، فقد تميزت زوجتي بنضج مبكر إزاء الحياة الزوجية والأسرة والأطفال، وتفوقت عليّ بعقليتها التجارية.
حين أفكر بالكارثة التي حلّت بسوريا منذ العام 2011 يجتاحني رعب وأنا أتخيل مصير أولادي لو بقينا هناك. ربما يدفعهم الفقر للالتحاق بداعش أو الموت غرقاً في البحر وهم يحاولون النجاة بمصيرهم. حين عدتُ إلى الأردن يسر لي الله الوقوف بجانب أبو جهاد وعبد الرزاق اليحيى في عزاء الشهيد إسماعيل درويش بجبل الأشرفية، فطلبتُ من أبو جهاد أن يساعدني اليحيى في استعادة جواز سفري الأردني وحصل ذلك… إنني إنسان محظوظ. وبعد أكثر من عقدين أعادتني مناسبة الفرح بتخرج سيف -أصغر أبنائي- في جامعة الإسراء بعمان اثنان وأربعون عاماً إلى الوراء، فتذكرتُ حفل تخرجي في جامعة بغداد. يومها لم أكن أملك أجرة روب التخرج ولا ثمن الصورة التذكارية، وبدل أن أصطف مع الخريجين انكفأتُ حزيناً بين ذويهم.
مع تحيات أبو علاء منصور
8\1\2021