أميركا بين الانفجار وتفجير العالم!
يحيى حرب.
المشهد الذي رأيناه في واشنطن لم يكن مفاجئا للاجهزة الامنية الاميركية. بل لعله كان الجزء الظاهر من الصراع الخفي الذي شهدته دوائر الدولة، منذ اسابيع بل منذ ان وصل الرئيس المضطرب الى البيت الابيض.. وبالتالي فان ظاهرة ترامب ليست فردية ولا استثنائية..
هي قصة صراع عميق داخل الامبراطورية العجوز، تتفاعل فيها طبيعتها العنصرية التقليدية والقوى التي تمثلها، مع التفاعلات التي اجتاحتها بدخول الاقليات الى المشهد السياسي الفعلي، وانعكاسات ظهور القوى العالمية الجديدة وتصلب عودها على المسرح الدولي.
والقصة تجد جذورها في «إعلان تحرير العبيد» الذي اصدره الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن في الأول من يناير عام 1863، معلنا أن جميع العبيد في المناطق الاتحادية، وهي الولايات الجنوبية المتمردة «أحرار إلى الأبد».. بعد ان فشل في اخماد رغبة الانفصال لديها واندلاع الحرب الأهلية.
مع بداية الحرب، أكد لينكولن أن هدفه الرئيسي هو الحفاظ على الوحدة، متجنبا التطرق لمسألة العبودية لضمان بقاء ولايات ميزوري وكنتاكي وماريلاند وديلاور، التي طبّقت نظام العبودية، ضمن الاتحاد. واضطر لتوبيخ الجنرال جون فيرمونت الذي توعد الجنوبيين بالاستيلاء على ممتلكاتهم وتحرير عبيدهم.
وخلال شهر تموز/يوليو 1862، اقر الكونغرس في الشمال قانون الميليشيا، فسمح للسود بالالتحاق بقوات الاتحاد.. وهو ما شجع الالاف من عبيد الجنود للفرار الى الشمال، بعد اقرار قانون المصادرة الذي منح العبيد الجنوبيين الذين وقعوا في قبضة الشماليين الحرية ومنع اعادتهم الى اسيادهم.
فأضاف لينكولن هدفا جديدا للحرب ألا وهو تحرير العبيد، ليساهم بذلك في تزايد عدد السود الذين اتجهوا للالتحاق بجيش الاتحاد والذين قدر عددهم بنحو 200 ألف عنصر مع نهاية الحرب. وهو ما ساهم في تفوق جيش الشمال وساعده على تحقيق النصر.
وعندما قدم الرئيس لينكولن وثيقة تحرير العبيد أواخر يوليو 1862 أثار حيرة وزرائه فأيده بعضهم، بينما عبّر آخرون عن قلقهم من تداعياتها. وحينها دعا وزير الخارجية وليام سيوارد علانيةالرئيس للتريث وتقديم إعلان تحرير العبيد بالتزامن مع تحقيق قوات الاتحاد التقدم على أرض المعركة.
وفي 22 سبتمبر 1862، كانت الولايات المتحدة على موعد مع يوم تاريخي غيّر مجرى حياة الملايين. وقد جاء ذلك الموعد فقط بعد ثلاثة ايام من تحقيق قوات الاتحاد إنجازا مذهلا فتمكنت من صد تقدم قوات الكونفدرالية بقيادة الجنرال روبرت لي عند منطقة شاربسبورغ بماريلاند.
ولا شك أن اعلان تحرير العبيد من أعظم وثائق الحرية الإنسانية.. ولكن ذلك يجب الا يُخفي الظروف التي خرج فيها.فالدوافع التي حركت لينكولن لم تكن انسانية واخلاقية، بل كانت جزءا من الحرب التي خاضها الشمال الصناعي ضد الجنوب الزراعي الذي يؤوي القسم الأعظم من العبيد، بصفة عمال زراعيين.
واستطاع لينكولن ان يحقق عدة اهداف بضربة واحدة: ان يستميل العبيد الى صف الشمال لتخريب اقتصاد الجنوب. وان يستقطب هؤلاء العبيد للعمل في مصانع الشمال بدل مزارع الجنوب. وان يجند الشباب الغاضبين منهم في صفوف جيشه لتحقيق النصر على الولايات المتمردة.
والخلاصة ان هذا الحدث التاريخي لم ينضج في الاوساط الثقافية والسياسية بشكل طبيعي، ولم يكن جزءا من حراك شعبي للمطالبة بالحريات والمساواة واسقاط نهج العبودبة اخلاقيا. بل حتى مجتمع العبيد لم يكن مهيئا بالكامل لمثل هذه النقلة الثورية والانقلاب على واقع اجتماعي مزر وانساني مهين.
ان شعار ترامب وانصاره (اميركا اولا) يعني اميركا البيضاء العنصرية. وهو ذو دلالة رمزية في الداخل اكثر من دلالاته الخارجية.. فهو لا يعني التقوقع كما فهمه البعض، والانزواء عن العالم، بل العودة الى سيادة العنصر المتفوق، الذي يزعم انه بنى البلاد، بذكائه وتفوقه وثروته، حتى صارت ارثا له.
ولهذا فليس مستغربا ان يكون القسم الاعظم من الكتلة الصلبة التي يستند اليها ترامب هي من الارياف، ليس لانهم اقل ثقافة وتعليما كما جرت التوصيفات المتعجلة، بل لأنهم يحملون ثقافة اسلافهم الاقطاعيين البيض ملاك العبيد. وهؤلاء بينهم مثقفون وكتاب ومنظرون، بعضهم يسكنون في المدن الكبرى.
ما يجمع هؤلاء شعورهم بتفوقهم، وبأن النظام الاميركي يضطهدهم. وهم ناقمون على الطبقة الرأسمالية الصناعية المدينية التي تقبل بحرية العبيد وتوطين المهاجرين، باعتبارهم عمالة رخيصة، تنتشي بحلم الثروة والعيش في العالم الجديد، مقابل وضع قدراتها الجسدية والابداعية في مجرى الرأسمالية الاميركية.
فالصراع هنا ليس بين المدينة والريف بالمفهوم التقليدي الثقافي والصدام الحضاري، بل هو بما تمثله المدينة من بيئة مناسبة للاختلاط والتنوع، والريف باعتباره اكثر صفاء ونقاء للعرق الابيض. وهذا الصراع لا يلغي بل يعزز العوامل الاخرى السياسية والدينية ودور اللوبيات الصهيونية.
ولم يكن ممكنا ظهور ترامب على المسرح السياسي الا بعد المراحل التمهيدية في عهود بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك اوباما، الذين ساهموا بأشكال متعددة في تعزيز العنصرية الاميركية، والاحتفاء بالانتصار الاميركي المذهل والتاريخي في الحرب الكونية الباردة، حيث ساد وهم الهيمنة العالمية المنفردة.
ولكن اميركا ليست وحدها، حتى وان كانت تملك اكبر الثروات واضخم الترسانات العسكرية. والتسليم بقيادتها شيئ والتفرد بالقيادة شيئ اخر. ولعل انتخاب رئيس من اصول افريقية كان القشة التي قسمت ظهر البعير، لانه اثار الخلفية العنصرية للاميركيين كما هدد بوقف مشروع الهيمنة على العالم.
وكان طبيعيا ضمن هذا الفهم لتفاقم العنصرية في المجتمع الاميركي ان نشهد الهجوم العنيف على الرئيس اوباما، ومحاولة ازالة كل ما يمت اليه بصلة، في الداخل والخارج. وطبيعي ايضا ان يقف مع ترامب ممثلو الانظمة العنصرية، وجمع من الاحزاب والقوى اليمينية في موجة من النهوض العنصري في العالم.
لكن مطلع القرن الواحد والعشرين شهد صعود ثلاث قوى جديدة، اخطأت حسابات مخططي النظام الاميركي في تقدير مستوى خطورتها على الهيمنة الاميركية: فشكلت الصين التهديد الاقتصادي وروسيا الحاجز العسكري وايران التحدي الايديولوجي والميداني.
الصين غزت العالم ببضائعها الرخيصة، وقدرتها الانتاجية الفائقة، بعد ان تغلبت على احتكار التكنولوجيا، واستفادت من قوانين منع الحمائية وحرية التجارة التي فرضتها اميركا لتسهيل هيمنتها. وفي سنوات قليلة تحولت الولايات المتحدة الى اكبر سوق للبضائع الصينية، وحكومتها الى اكبر المدينين لليوان الصيني.
وخسرت اميركا السباق التكنولوجي والانتاجي والتنافسي على الاسواق، فعادت الى الحمائية وفرض الضرائب، والتهديد بالحرب لاعادة المارد الصيني الى القمقم. اميركا بناء لكل المعطيات لم تعد قادرة على وقف التمدد الصيني، الا بالتهديد العسكري او التحكم بمصادر الطاقة التي تشغل آلتها الصناعية.
كما انتفضت روسيا بعد هزيمتها في صربيا، وخسارة اخر معاقلها في اوروبا. وحرك بوتين آلته العسكرية لوقف الزحف الاميركي في اوكرانيا. وبالقوة العسكرية استعاد جورجيا وسيطرته على بلاد القوقاز. قبل ان يجرؤ على الخروج الى سوريا، والمجاهرة بطلب المشاركة في قيادة العالم.
وكان لايران دور في كل هذه التطورات، يتعدى حجمها العسكري والاقتصادي، الذي بدأ ينمو باطراد وصولا الى امتلاك التقنية النووية، بكل موجباتها المدنية والعسكرية. لكن ايران ايضا هي خزان الطاقة الامن للصين، ومعبرها الرئيسي للعالم. كما ساهمت في دفع المارد الروسي لاعادة التوازن العسكري في المنطقة.
ولم تدرك الادارة الاميركية الا متأخرة كيفية مواجهة الثورة الاسلامية، بسبب افتقارها الى آليات المواجهة. فعمق الثورة هو الايديولوجيا التي تقوى بالتضحيات وتتعاظم امام المظلومية. ولما انتجت اميركا نموذجها العقائدي من بعض المذاهب الاسلامية وقعت في شرك الارهاب، الذي افسد مشروعها.
استطاعت ايران ان تبني النموذج الاسلامي الذي أفشل المشاريع الاميركية في المنطقة بكلفة اقل بمئات المرات مما تكبدته واشنطن. ومنعت اميركا من انجاز مشروع الهيمنة على المنطقة. كما شكل محور المقاومة ظهيرا اساسيا للدور الروسي في المنطقة، وقوة الصين الاقتصادية وتحركها باتجاه اوروبا وافريقيا.
اوروبا ادركت ذلك من جهتها بتجربتها التاريخية، فرفضت سياسة القطيعة مع الصين والعداء مع روسيا، وتمسكت بالاتفاق النووي مع ايران ليكون مدخلا لتنظيم العلاقة بينها وبين القوة الاسلامية المركزية.. ولم تنصع للرغبة الاميركية رغم العديد من الخلافات والتباينات بينها وبين القوى الاسيوية الناهضة الثلاث.
هذه هي حدود الازمة الاميركية وهي عميقة جدا، والاسئلة المطروحة على الادارة الجديدة، ليس من السهل الاجابة عليها. لكن اخراج ترامب من المشهد كان ضروريا لتلتقط الدولة العميقة انفاسها، وتعيد رسم استراتيجتها، بعد ان اوشك الهياج اليميني ان يدمر الهيكل الداخلي ويفجر العالم بحرب عالمية ثالثة.
ولم يكن عبثا ان نسمع مثل هذه العبارات تتكرر في الادبيات السياسية لمرحلة ترامب: الحرب الاهلية!! تفتت اميركا!! الانقسام العمودي بين الاميركيين!! ثم الحرب العالمية والحروب المدمرة!! رغم ان الكثيرين لا يلاحظون على السطح ما يبرر مثل هذه التوصيفات التي كانت تتحرك بصمت في عمق الازمة.
فهل يستطيع بايدن ان يخمد مارد العنصرية الذي أيقظه سلفه؟ وهل سيتمكن من انجاز المصالحة بين تيارين تواجها في الحرب الاهلية وتساكنا طيلة قرن ونصف القرن؟ وكيف سيواجه التحديات الخارجية التي خرجت عن السيطرة؟ فالتنازلات تضعفه والقوة لا تسعفه.. والخيار هو بين انفجار اميركا او تفجير العالم.
2021-01-12