جنون الرواية الواحدة!
مهدى مصطفى
«رب ضارة نافعة»، حكمة قديمة معروفة، فلو حرفناها إلى «رب ضالة نافعة» لكان أفضل، والضالة الإسرائيلية كشفت لنا المستور دفعة واحدة.
أولى المنافع، جرفت معها «المسألة اليهودية» بكل أساطيرها، تلك المسألة التى اختطفت العالم منذ الفيلسوف الهولندى باروخ سبينوزا، والمنظر الصهيونى موسى هيس، مرورا بمؤسس الصهيونية السياسية تيودور هرتزل، ومؤسس الصهيونية التصحيحية، فلاديمير جابوتينسكى، وصولا إلى المؤرخ الأيديولوجى، بنزيون نتنياهو، والد رئيس الوزراء الإسرائيلى الحالى، الغارق – كأسلافه – فى بئر الدماء العميقة.
رواية واحدة مفروضة على العالم: المحرقة، والاضطهاد، ومعاداة السامية، ومن كثرة الإلحاح القاتل جعلت الناس يصدقون ما ورد فى كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، تلك الوثيقة الروسية التى قيل إنها غير حقيقية ومزورة، فأفعال جماعة نتنياهو جعلت العالم يستعيد أجواء تلك الوثيقة، ويعتقد فى صحتها، وذهبت مئات الأفلام الوثائقية والروائية أدراج الرياح، وقد كانت تعيد إنتاج صورة الضحية إلى الأبد دون كلل.
الاختلاق لا يدوم، وبأيديهم وأفعالهم الدموية، كشفوا الجوهر الخطير على مستقبل البشرية، وتسببوا فى حرب عالمية مصغرة، واختاروا بلادنا ميادين رماية، وآن الأوان ألا نسكت أو نصدق الخرافات.
جعلوا من السماء شخصا لديه ثأر قديم مع الخليقة غير المختارة، وهو خبل لم يحدث حتى فى أكثر الأساطير الإغريقية جنونا، ومن هذا الهذيان ولدت عنصرية لا تشبه شيئا عرفته البشرية من قبل.
هنا لبنان، هنا الكنعانيون والفينيقيون، وهنا أقدم الحضارات التى عرفت الله بفطرتها، قبل اختراع خرافة الأعراق النقية والشعوب المختارة.
ظهر هؤلاء على وجه الأرض فسار الخراب، واكتشفنا أن كل ما كتبوه قديما وحديثا يؤكد الحقيقة المميتة: خلطة مسمومة لا تنفد، كأنهم يتشبهون بعينى ميدوزا القاتلتين، تلك الأسطورة اليونانية التى حين كانت تنظر إلى الوجوه فتحولها إلى حجارة.
يستيقظ الغرب ببطء من عنصرية اللون، ثم من عنصرية الدين، ثم يبدأ يتساءل عن هوية الجماعات التى أشعلت الثورات الدموية، من لندن إلى واشنطن، ومن باريس إلى موسكو القيصرية، وصولا إلى ربيع براغ، ومن الفوضى المنظمة فى إقليم العرب إلى إشعال الحروب الأهلية، وقد اكتشفوا أن هويتها واحدة فى كل مكان، وأن أفعالهم السرية، كانت خرابا محسوبا فى التوقيت والهدف، وكأنها بضاعة من متجر واحد.
الجيل الغربى الجديد يرى ما لم يكن الآباء راغبين فى رؤيته، نزل إلى الشوارع، ورفض الرواية الجاهزة، وكسر حاجز الخوف من التهمة الجاهزة، والمطلوب من هذا الجيل ما هو أعمق: كشف التنظيمات التى تعمل فى الظلام بدقة مرعبة فى الغرب، وتتماهى مع الحركة الصهيونية، وتبدو فى الظاهر متعارضة معها، تتستر بالديمقراطية وتمارس الإبادة، وتتكلم بلغة الحقوق وتمول القتل، وتحرص على شيء واحد: ألا يواجه أحد من الفريقين الآخر، فلم يذكر أن تنظيما دينيا من التنظيمات المنتشرة كالفطر قد شن عملية واحدة ضد إسرائيل، فالطرفان يتفقان فى الطريق الواحد، والهدف النهائي الغامض.
قولوا لهم بوضوح فى الغرب: لم نكن مسئولين عن حرب الثلاثين عاما، ولا عن حروبكم الكبرى والصغرى، ولسنا طرفا فى لعبتكم الدموية.
لقد دفع العرب من دمائهم وأوطانهم وأجيالهم ثمنا لصراعات لم يصنعوها، وحان الوقت لإغلاق هذا الفصل الأسود، فلا فلسطين ستختفى، ولا لبنان سينكسر، ولا شعوب المنطقة ستقبل أن تبقى حقولا للتجارب ومختبرات للسلاح، ومخازن لأحلام الإمبراطوريات القديمة والجديدة.
إن الرواية الواحدة التى فرضت نفسها على العالم لعقود تتهاوى تحت ثقل الوقائع والصور والدماء، وما كان يمر بالأمس باعتباره حقيقة مطلقة أصبح الآن موضع مساءلة أمام أعين الملايين، والتاريخ يعلمنا أن الأكاذيب قد تطول، لكنها لا تنتصر إلى الأبد، وأن القوة قد تؤجل الحساب لكنها لا تلغيه.
وتذكروا ما قاله أبو القنبلة الذرية، الفيزيائى الأمريكى، روبرت أوبنهايمر، لحظة الانفجار الأول، مستشهدا بالنص الهندوسي:
«لقد أصبحت الموت، مدمر العوالم».
والتاريخ يثبت أن مدمنى تدمير العوالم لن ينجوا من المصير الذى صنعته أيديهم، وأن الشعوب، مهما طال ليلها، تظل أبقى من الأسلحة الفتاكة، وأقوى من الأساطير، وأطول عمرا من كل رواية مزورة.
2026-06-04