«أنجس رواية في التَّاريخ»: هل جسَّدها إبستين في جزيرته؟
سعود قبيلات
تذكِّرني فضيحة «إبستين» برواية «أيَّام سادوم المائة والعشرون، أو مدرسة الخلاعة»، للفرنسي دوناتيان الفونس فرانسوا، المعروف بالماركيز دو ساد (2 حزيران 1740 – 2 كانون الأوَّل 1814).
أُدين «دو ساد» بعددٍ من الجرائم الجنسيَّة، منها: اللواط، والاغتصاب، وتعذيب امرأة متسوِّلة، وسجن ستَّة أطفال في قصره في «لاكوست»، وتسميم خمس مومسات بإعطائهنّ جرعة كبيرة مِنْ مادة مثيرة للشَّهوة الجنسيَّة. وقد أمضى ما مجموعه 32 عاماً مِنْ حياته في السُّجون والمصحَّات العقليَّة الفرنسيَّة المختلفة؛ مِنْ ضمنها، عشر سنوات أمضاها في سِجن «الباستيل» الشَّهير. وخلال فترة سجنه، كتب العديد من الرِّوايات والمسرحيَّات والكُتب السِّياسيَّة والفلسفيَّة.
تُعَدُّ رواية «أيَّام سادوم المائة العشرون، أو مدرسة الخلاعة» أشهر كتاباته. وهي، بحسب توصيفه هو لها، «أنجس رواية أنتجتها البشريَّة في تاريخها». كتبها في السِّجن خلال سبعةٍ وثلاثين يوماً، على ورقٍ صغير وبخطٍّ دقيق جدّاً، ثمَّ ألصق الأوراق بعضها ببعض، فبلغ طولها نحو اثني عشر متراً. وقد ظلَّت الرِّواية ممنوعة من النَّشر في فرنسا حتَّى ستينيَّات القرن العشرين، مع أنَّ تداولها بالسِّر كان شائعاً في أوساط الكُتَّاب والمثقَّفين.
الفُحش والعُنف والقسوة والمشاهد المثيرة للاشمئزاز في الرِّواية لا حدود لها؛ بل إنَّها تفوق الخيال أحياناً؛ حيث تغيب مشاعر الرَّحمة والحُبّ تماماً؛ وكذلك القيم الإنسانيَّة، بكلّ مستوياتها. وبدلاً مِنْ ذلك، يسود مبدأ وحيد، هو «مشروعيَّة» أيّ سلوك، حتَّى لو كان إجراميَّاً، إذا كان يجلب المتعة لأبطال الرِّواية الأرستقراطيين الأربعة؛ فهؤلاء ليس لديهم أيّ محرَّمات أو حرمات يمكن أنْ تكبح جماحَهم أو تُعكِّر “صفو” مُتعتهم.
أمَّا النِّساء، بالنِّسبة إليهم، فهنَّ مجرَّد إماء؛ إذ يقول أحد أبطال الرِّواية الأربعة: «نحن الفاسقين، نأخذ النِّساء كي يكنَّ لنا إماءً؛ وبوصفهنَّ زوجات، فإنَّنا نجعلهنَّ خاضعات أكثر مِنْ كونهنَّ عشيقات. وأنت تعرف ما هو الثَّمن، إنَّه الاستبداد في الأهواء الَّتي نسعى إليها».
كُتِبَتْ الرِّواية في العام 1785، وتجري أحداثها في شتاء العام 1780، أواخر حُكم الملك لويس الخامس عشر. وتدور حول أربعة مِنْ كبار ممثلي السُّلطة: دوق، وأسقف، وقاضٍ، ومصرفيّ. ينعزل هؤلاء في قلعة نائية، محصَّنة تماماً ضدَّ كُلِّ احتمالٍ للهروب أو الاختراق، وقد اصطحبوا معهم مجموعة من الفِتيان والفتيات المخطوفين (تتراوح أعمارهم بين الثَّانية عشرة والخامسة عشرة)، إضافة إلى زوجاتهم وبناتهم، وعددٍ من العجائز اللواتي عُهِدَ إليهنَّ بسرد حكايات عن تجاربهن الجنسيَّة الفاحشة، ليقوم الأبطال الأربعة بتطبيقها بالتَّفصيل على ضحاياهم.
تنقسم الرِّواية إلى أربعة أقسام، يمتدُّ كُلُّ منها ثلاثين يوماً، ويتصاعد فيها مستوى العنف والفُحش بالتَّدريج، مِن الشّهوات «البسيطة» إلى أنْ يبلغ أقصى درجات التَّحطيم الجسديّ والنَّفسيّ؛ حيث تتحوَّل الممارسة الجنسيَّة إلى أعمال عنف بشعة: تعذيب، وتشويه جسديّ، وقتل للصِّغار، وإجهاض قسريّ للحوامل وأكل أجنَّتهنّ.
تنتهي الرِّواية بمذبحة شاملة لا يُستثنى منها إلَّا عدد قليل مِنْ راويات الحكايات والخدم، إضافة إلى الأربعة الكبار الَّذين يغادرون القلعة مِنْ دون أيِّ شعورٍ بالنَّدم أو تأنيب الضَّمير، ليبدأوا مِنْ جديد. وديدنهم بلوغ أقصى درجات اللذة عبر ممارسة القوَّة المطلقة على الضّعفاء.
الرِّواية ليست مجرَّد سرد لانحراف بعض النَّافذين؛ بل هي وثيقة نفسيَّة واجتماعيَّة تكشف كيف يمكن لنظام اجتماعيّ قائم على الأنانيَّة المطلقة أنْ يتحوَّل إلى آلة منظمة لإنتاج القسوة. وفكرتها المركزيَّة أنَّ ذروة اللذَّة لا تتحقَّق إلَّا بإذلال الآخرين وإيلامهم. وهي أطروحة تكشف قدرة الإنسان، في ظلّ الأنانيَّة الرَّأسماليَّة، على تبرير البشاعة باسم المتعة والحُرِّيَّة. وقراءة هذه الرِّواية تتطلَّبُ استعداداً نفسيَّاً كبيراً، لتحمُّل ما تثيره مِنْ صدمة.
يرى «دو ساد» أنَّ الطَّبيعة لا تعرفُ الخير والشَّرّ، وأنَّها تمنح القويَّ حقَّ الاستمتاع بكل شيء، وأنَّ ما يُسمَّى الفضيلة ليس إلَّا قيوداً اصطنعها الضّعفاء للحدِّ مِنْ حُرِّيَّة الأقوياء.
ويُذكَرُ أنَّ مصطلح «السَّاديَّة»، المستخدم في علم النَّفس، مشتقٌّ مِن اسم «دو ساد». وكان عالم النَّفس الألماني ريتشارد فون كرافت إيبنج أوَّل من استخدمه في كتابه «الأمراض النَّفسيَّة الجنسيَّة» الصَّادر في العام 1886.
في العام 1975، اقتبس المخرج الإيطاليّ الشَّهير بيير باولو بازوليني الرِّواية، في فيلمه «سالوا، أو 120 يوماً في سادوم»، ناقلاً الأحداث من القرن الثَّامن عشر إلى عهد الفاشيَّة في أربعينيَّات القرن الماضي، ومحوِّلاً الأبطال الأربعة إلى مسؤولين فاشيين. ومن المفارقات المأساويَّة أنَّ بازوليني اغتيل في ظروفٍ غامضة قبل شهرين من نهاية ذلك العام. وقد حُظِرَ الفيلم في معظم دول العالم.
كُتِبَتْ رواية «أيَّام سدوم المائة والعشرون، أو مدرسة الخلاعة»، بل وبرزت ظاهرة “دو ساد” بالمجمل، في مرحلةٍ فارقة، كانت فيها الأرستقراطيَّة الفرنسيَّة تترنَّح لتفسح المجال للبورجوازيَّة الصَّاعدة.
أمَّا ظاهرة إبستين، فجاءت في سياق هيمنة الليبراليَّة المتوحِّشة الجديدة؛ حيث المال هو القيمة العُليا الوحيدة، وتُقاسُ قيمة كُلِّ شيء – بما في ذلك الإنسان – بمقدار ما يملكه مِنْ مال أو ما يُدرّه، وحريَّة السُّوق طوطم مقدَّس لا يُمَسّ، حتَّى لو سقط ضحيَّته ملايين البشر؛ وحيث يُنظَر إلى القيم الإنسانيَّة كأشياء بلا جدوى.
الممارسات الإجراميَّة، الَّتي تستخدمها الطَّبقات المستَغِلَّة لتأمين مصالحها الجشعة، تتخفَّى عادةً خلف بنية قانونيَّة وقيميَّة زائفة. وعندما تنكشف بشاعة أفعال بعض أفرادها (مثل إبستين)، يُصوَّرُ الأمر كأنَّه “خروجٌ شاذٌّ عن المألوف”، بينما الحقيقة أنَّ هذه الممارسات هي، في جوهرها، امتدادٌ طبيعيّ للمنطق ذاته الَّذي تستند إليه تلك الطَّبقات في تأمين مصالحها وتضخيم أرباحها واستغلال الآخرين إلى أقصى حدّ.
2026-02-27