وسط ضغوط لإبرام تسوية تفاوضية
الغياب الأمريكي يهيمن على ذكرى الحرب الرابعة في كييف
استقبلت العاصمة الأوكرانية كييف قادة الاتحاد الأوروبي لإحياء الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب. وكان ملفتاً غياب ممثلي الإدارة الأمريكية عن الفعاليات، ليعكس تحولاً جذرياً في سياسة واشنطن تجاه النزاع الدائر فيما يتعرض النظام الأوكراني لضغوط متزايدة لتسريع مسار التسوية السياسية
سعيد محمد*
استقبلت العاصمة الأوكرانية كييف قادة الاتحاد الأوروبي ومسؤولين رفيعين لإحياء الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب مع روسيا. لكن الحضور الدبلوماسي اقتصر على القيادات الأوروبية، وخلت قائمة كبار الزوار، التي أعلنها مكتب الرئاسية الأوكرانية، بشكل تام من أي مسؤول أمريكي أو وفد يمثل البيت الأبيض. ويعكس هذا الغياب نهجاً مستجداً للإدارة الأمريكية الحالية، يتعمد الابتعاد عن إظهار الدعم العلني لأوكرانيا، والتوجه نحو الضغط المباشر على طرفي النزاع لإنهاء العمليات العسكرية بحلول فصل الصيف، استباقاً – فيما يرى المراقبون – لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس. واختارت واشنطن اتخاذ موقف محايد في المحافل الدولية، حيث امتنعت، إلى جانب خمسين دولة أخرى، عن التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة صاغته كييف لدعم عملية سلام دائم في أوكرانيا، واكتفت بمراقبة تمريره بأصوات 107 دول.
وكانت سلطات كييف قد تلقت تحذيرات رسمية من الإدارة الأمريكية عبر مذكرة احتجاج دبلوماسية، تطالبها بالامتناع عن استهداف المواقع الروسية المرتبطة بالمصالح الاقتصادية الأمريكية. وأكدت السفيرة الأوكرانية في واشنطن، أولها ستيفانيشينا، تسلم بلادها لهذه التوجيهات عقب الهجوم الأوكراني بالطائرات المسيرة على ميناء نوفوروسيسك الروسي. وأسفر الهجوم حينها عن أضرار في محطة تابعة لائتلاف خطوط أنابيب بحر قزوين، المملوك جزئياً لشركتي شيفرون وإكسون موبيل الأمريكيتين، فضلاً عن تضرر ناقلتين من مما يسميه الغرب بأسطول الظل الروسي. وتمسكت كييف بالصمت تجاه التعليق المباشر على الهجوم، معتبرة ضرب منشآت الطاقة والموانئ الروسية أداة حاسمة للضغط على الكرملين. واختارت وزارة الخارجية الأمريكية بدورها الامتناع عن التعليق على هذه التقارير لتفادي التراشق الإعلامي المباشر.
وما من شك أن هذا التحول في السياسة الأمريكية مثار استياء وقلق القيادة الأوكرانية. وأبدى مسؤولون أوكرانيون إحباطهم إزاء صمت الإدارة الأمريكية تجاه الهجمات الروسية المباشرة على المصالح التجارية الأمريكية داخل الأراضي الأوكرانية بعدما قالت غرفة التجارة الأمريكية في كييف أن ما يقرب من نصف عدد الشركات الأمريكية المتواجدة هناك تعرضت أصولها لأضرار جسيمة جراء القصف الروسي، بما في ذلك منشآت تابعة لشركات مثل بوينغ وفليكس إلكترونيكس.
وعبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي علناً عن استيائه من وقوف واشنطن “في المنتصف” بين الطرفين، واستخدامها استراتيجية الضغط المتوازي.
ومع دخول الحرب عامها الخامس شهدت كييف وصول وفد أوروبي رفيع المستوى ضم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، يرافقهما ثمانية رؤساء حكومات أوروبية. وتزامنت الزيارة مع عرقلة هنغاريا لحزمة قروض أوروبية بقيمة 90 مليار يورو مخصصة لدعم كييف، حيث استخدم رئيس الوزراء فيكتور أوربان حق النقض (الفيتو) لوقف التمويل وتجميد حزمة العقوبات الجديدة ضد روسيا، رداً على القيود الأوكرانية المفروضة على عبور النفط الروسي نحو بلاده. وأعلن أوربان صراحة رفض بودابست تقديم الأموال أو الجنود لدعم الجبهة الأوكرانية.
وتجاوزت الحرب بعد مرور 1463 يوم على اندلاعها المدة الزمنية لمشاركة الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية. ويرجح خبراء وصول الخسائر البشرية من الطرفين إلى مليوني شخص بحلول فصل الربيع. وسجلت أوكرانيا أعدادا هائلة من المصابين، حيث تشير التقديرات إلى وجود 100 ألف حالة بتر أطراف بين العسكريين والمدنيين، ما دفع بمدن مثل لفيف – غرب أوكرانيا – للتحول إلى مراكز عالمية لصناعة الأطراف الصناعية والتأهيل الطبي. وتعاني القوات الأوكرانية من أزمة تجنيد حادة، حيث تفادى مليونا شخص أداء الخدمة العسكرية، فيما لحظت السجلات العسكرية غياب 200 ألف جندي عن وحداتهم هرباً من القتال.
وتظهر الإحصائيات فجوة كبيرة بين طرفي النزاع، إذ يبلغ حجم تعداد سكان روسيا أربعة أضعاف نظيره الأوكراني، ويمتلك الاقتصاد الروسي حجماً يعادل عشرة أضعاف الاقتصاد الأوكراني كما شهدت الجبهات العسكرية وصول تعزيزات ضخمة للجيش الروسي، حيث تنتج المصانع الروسية ذخائر تعادل أربعة أضعاف الإنتاج المشترك لدول حلف شمال الأطلسي جميعها. وعززت موسكو قواتها بجلْب 14 ألف جندي من كوريا الشمالية، واستقطاب مرتزقة من نيبال وجنوب أفريقيا وأكثر من ألف مقاتل من كينيا. في المقابل، حققت أوكرانيا نجاحات استراتيجية عبر إغراق ثلث أسطول البحر الأسود الروسي، بما يشمل الطراد “موسكفا”، وتنفيذ توغلات في مقاطعة كورسك الروسية، فضلاً عن استهداف مصافي النفط في العمق الروسي. وتحتاج الحكومة الأوكرانية إلى توفير 137 مليار يورو للعامين الحالي والمقبل لتمويل المجهود الحربي وإدامة مؤسسات الدولة الأساسية.
وأسفرت الحرب عن تداعيات ديموغرافية جسيمة، إذ انخفض عدد سكان أوكرانيا من 36 مليون نسمة قبل النزاع إلى 32 مليون نسمة، نتيجة موجات الهجرة المكثفة. وتشير إحصائيات أكاديمية إلى نزوح ستة ملايين شخص داخلياً، ولجوء أربعة ملايين آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى خارج الحدود الأوكرانية.
وتعيش مختلف المدن الأوكرانية طقوساً يومية قاسية تجسد حجم المأساة المستمرة. وتستقبل ساحاتها بانتظام قوافل الجثامين العائدة من جبهات القتال. وتقام المراسم الجنائزية العسكرية أمام الكنائس الرئيسية، بمشاركة فرق موسيقية عسكرية وحضور رسمي لتوديع الجنود الساقطين في الجبهات الشرقية والجنوبية. كما ودفع استهداف البنية التحتية المتكرر الأوكرانيين لابتكار حلول للتأقلم مع انقطاع الكهرباء والتدفئة. ولجأت المؤسسات التعليمية إلى إنشاء فصول دراسية محصنة تحت الأرض لضمان استمرار العملية التعليمية تحت خطر الغارات الجوية المستمرة. وتوثق هذه المشاهد اليومية الكلفة البشرية الباهظة للنزاع، وترافقها جهود حثيثة لتأهيل آلاف المصابين العائدين من خطوط النار.
وقد أظهر حديث استطلاع للرأي تأييد أكثر من ثلثي الأوكرانيين للتوصل إلى تسوية تفاوضية لإنهاء النزاع، فيما اقتصرت نسبة المؤيدين لمواصلة القتال على 24 بالمئة. ويختلف هذا المشهد جذرياً عن إحصائيات عام 2022 التي أظهرت تأييد 75 بالمئة لمواصلة الحرب. ورغم ذلك، لا يزال 75 بالمئة من الأوكرانيين معارضين لفكرة للتنازل عن أراضي إقليم دونباس كجزء من اتفاق السلام.
ويسعى البيت الأبيض لتسريع العملية السياسية الداخلية في كييف تزامناً مع ترتيبات وقف إطلاق النار، وتضمنت خطة السلام المقترحة من قبل المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بنداً يلزم الحكومة الأوكرانية بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مئة يوم من توقيع الاتفاق. وأعرب زيلينسكي عن استعداده لإجراء الانتخابات شريطة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار وإقرار ضمانات أمنية صلبة، وتجاوز القيود الدستورية المرتبطة بفرض الأحكام العرفية في أوقات الطوارئ العسكرية.
وعشية الذكرى الرابعة لانطلاق ما وصفته موسكو بالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا أقرت الرئاسة الروسية بالعجز عن بلوغ أهدافها الأولية ووسم المتحدث باسمها، ديمتري بيسكوف، النزاع بالمواجهة الشاملة مع الدول الغربية، مؤكداً على استعداد بلاده لتسوية سلمية مشروطة بامتثال أوكرانيا لمطالب الكرملين بالاعتراف بسيادة روسيا على دونباس والقرم. وألقى زيلينسكي كلمة مصورة من مقره المحصن، مجدداً عزم بلاده الدفاع عن سيادتها، ومشيراً إلى التكلفة الباهظة التي يتكبدها الجيش الروسي، والمتمثلة بفقدان 167 جندياً مقابل كل كيلومتر مربع جديد تسيطر عليه روسيا.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-02-27