“اقتراح غير متواضع، أو كيف أعلن العالم الحرب على أمريكا”!
قبل أن يصبح ترامب عرضاً يومياً لانهيار السياسة، كان بالارد قد تخيّل أمريكا إمبراطوريةً سايكوباث، تُخفي تحت بريق تقدمها التكنولوجي عنفاً بدائياً ورغبةً عمياء في إخضاع العالم، باسم الأمن والديمقراطية والحرية
سعيد محمد*
قبل خمسين عام تقريباً أطلقت الصحافة الأدبية البريطانية على جيه جي بالارد (2009) لقب “عراف شيبرتون” – نسبة إلى الحي اللندني الهادئ حيث كان يقيم -. الروائي الذي وصف كتاباته ب “خيال سحري، ألعاب ضد الزّمن والموت التي هي أساس كل فن وحب” كان سباقاً إلى القبض على اللحظات التي يتشقق فيها الغلاف الهش للحضارة التكنولوجية ليكشف عن الغرائز البدائية المتوحشة الكامنة تحتها، لكن سمعته ك”عراف” تتكرس اليوم بعد 17 عاماً على رحيله ليس من خلال أعماله المنشورة فحسب، بل من خلال مسودات أولية مكتوبة بخط اليد من العام 2005 – محفوظة مع أرشيفه في المكتبة البريطانية – يعتقد أنها كانت آخر مشروع أدبي له قبل أن يغادر هذا العالم.
“اقتراح غير متواضع، أو كيف أعلن العالم الحرب على أمريكا” كان العنوان المفترض لرواية أخيرة لم تر النور. ومن المسودة نعلم أن “خلفية القصة ستصف جبروت الإمبراطورية الأمريكية وعدوانها على دول أخرى – تهديداتها، واستخدامها للقوة، وما إلى ذلك. سياق من الأحداث التي جلبت شعوراً باليأس إلى حلفائها السابقين التائهين، الذين قرروا في النهاية مهاجمة الولايات المتحدة قبل فوات الأوان.” وفي مكان آخر من المسودة كتب: “الولايات المتحدة لديها تحالف من دكتاتوري العصابات، والسلالات الملكية الفاسدة، ومشغلي كازيّات الوقود الضخمة وأمثالهم.” ويبدو أنه تخيل أن العدوان الاقتصادي تجاه الحلفاء سيؤدي بالضرورة إلى الصراع حيث “تصر الولايات المتحدة على اتفاقيات تجارية تفضيلية وتفرض، كإمبراطورية، بضائعها على بقية العالم.”
وبعد عشرين صفحة من الملاحظات تتجمع الأفكار المختلفة لنقاط حبكة الرواية معاً في سرد متماسك: “تمد الولايات المتحدة سيطرتها على الشرق الأوسط بأكمله بعد أن قمعت ثورة في السعودية ونصبت أنظمة دمية في إيران وكل دول الخليج وتركيا ومصر. كما أن الولايات المتحدة لديها أنظمة متعاطفة خاضعة في أوروبا (المملكة المتحدة، ألمانيا) رغم ارتفاع البطالة والركود الاقتصادي. وتتسع الهيمنة الأمريكية حول العالم من خلال مزيج من التهديدات العسكرية والضغط الاقتصادي والرشاوى النفطية: إلى فنزويلا، نيجيريا، روسيا – أي منتجو النفط الذين تحتاج الولايات المتحدة إلى السيطرة عليهم لضمان تحكمها بشريان الحياة على الكوكب –”.
ولكن ما الذي جذب انتباه بالارد نحو ثيمة الولايات المتحدة في مشروعه الروائي الختامي؟ سيرته تشير إلى أنّه لقد كان دائماً مولعاً بفكرة الولايات المتحدة كصورة يراها العالم لا كما هي في الواقع. وكتب في مقدمة روايته “مرحبا أمريكا”، “قد تكون ‘الولايات المتحدة الأمريكية’ عنوان قناة واقع افتراضي تعمل على مدار 24 ساعة يومياً، تبث في الشوارع والمولات التجارية وربما إلى البيت الأبيض نفسه”.
ذكر دونالد ترامب مرة واحدة فقط في أعماله المنشورة. في مقال له يصف رحلة قام بها إلى شنغهاي سأله خلالها موظفو الجمارك الصينيون عما إذا كان يحمل أي “مواد فاضحة”، وهي فئة قال إنها قد تشمل سيرة ذاتية لدونالد ترامب. لكنه كتب مبكراً في عام 1998 للتحذير من رئيس يميني شعبوي مهووس قائلاً إنه يعتقد أن “الجنس البشري ضعيف للغاية لأي متلاعب بارع. لقد أشرت في أماكن أخرى إلى أن المسيح عادة ما يخرج من الصحاري، وأتوقع أن يظهر أدولف هتلر القادم من مراكز التسوق الواسعة في أمريكا الشمالية”.
ترامب في البيت الأبيض هو تحقق مذهل لصورة أمريكا كما رآها بالارد. وكلما تحدى هذا العصابي البرتقالي السافل القيود القانونية والأخلاقية في العلاقات الدولية – مع حلفائه قبل الأعداء -، وكلما احتفل باختطاف رئيس منتخب أو اغتيال زعيم أمة، أو بسقوط وابل من الصواريخ الباليستية على مدرسة للبنات، نجد مرة أخرى أننا نعيش في عالم بالاردي، حيث النوازع الفرويدية المحض خلف كل تقدم تكنولوجي للبشرية.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-05-30