الدين بين جوهره الإنساني وشعائريته الشكلية: ردّ على مقالة “الحريات الدينية ومتلازمة الإقصاء العقائدي”!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في زمن تتكاثر فيه أشكال التديّن وتتناقص فيه مضامين الإيمان، تبقى الحاجة ماسّة إلى إعادة التفكير في المفاهيم الأساسية التي تشكّل العلاقة بين الإنسان والدين، لاسيّما حين تنحرف هذه العلاقة عن مسارها الروحي والأخلاقي لتسلك دروب الطقوس الفارغة والمزايدات العقائدية والإقصاء المتبادل.
وقد قرأتُ بتمعن وتقدير مقالة الدكتور علي موسى الموسوي المعنونة بـ”الحريات الدينية ومتلازمة الإقصاء العقائدي”، وأحييه على صدقه في الطرح وجرأته في مقاربة مسألة الحريات الدينية من زاوية إنسانية وقانونية. إلا أنني، ومن باب الحوار الفكري المسؤول، أجد من اللازم مناقشة جانب بالغ الأهمية لم يُعالج بما يكفي، ألا وهو المبالغة في الشعائر الدينية واستخدامها كمعيار وحيد للتقوى والانتماء، في انفصالٍ تامٍ عن جوهر الدين ومقاصده.
* أولًا: هل تحوّلت الشعائر إلى غاية لا وسيلة؟
لا أحد يجادل في أهمية الشعائر الدينية ضمن الممارسة التعبدية. فهي – في أصلها – وسائل تربوية وروحية تهدف إلى تقوية الصلة بالخالق وتنمية الخشوع والضبط الأخلاقي. لكن ما نشهده اليوم في كثير من المجتمعات هو تضخم غير صحي في الشعائر على حساب المقاصد، وتحول الطقوس إلى ميدان استعراض اجتماعي وتمييز مذهبي، بل إلى مؤشر للتقوى الظاهرية يُستخدم لفرز الناس وتصنيفهم على حساب القيم الجوهرية.
يقول القرآن الكريم:
“فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ”
(الماعون: 4–5)
الآية هنا لا تهاجم الصلاة، بل تُدين أولئك الذين يُؤدّونها شكليًا فيما يغيبون عنها وجدانيًا وسلوكيًا. إن أداء الشعائر دون وعيٍ أو أثرٍ أخلاقي يُحيل الدين إلى قشرة خارجية بلا لبّ.
* ثانيًا: الدين منظومة أخلاق وسلوك.. لا طقوس فقط
من المقلق أن تُختزل الرسالات السماوية – بكل عظمتها – في طقوس تُمارَس بشكل ميكانيكي. فالدين، كما نزل، هو مشروع حضاري قيمي يربط بين الفرد وضميره، بين الإنسان والعدالة، بين المجتمع والمساواة.
قال النبي محمد ﷺ:
“إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”
وهو تصريح يوضح جوهر الرسالة الدينية لا في شكلها، بل في مقصدها: تهذيب السلوك، لا تكثير الطقوس.
حين يصبح تقييم التديّن مرهونًا بعدد ركعات، أو تردّد على المراقد، أو طقوس موسمية، فإننا بذلك نختزل الدين إلى هوية سلوكية مفرغة من بعدها الإنساني. وهنا يقع الخطر الأكبر: أن يُستخدم الدين كأداة فرز بدل أن يكون رسالة توحيد ورحمة.
* ثالثًا: الشعائر لا تمنح التفوق الأخلاقي
من الأخطاء الشائعة في مجتمعاتنا أن تُمنَح الأفضلية الأخلاقية لمن يكثر من الشعائر، بينما يُنظر بشكّ وارتياب إلى من يُمارس إيمانه بصمت وتأمل وسلوك نزيه.
يقول الإمام علي عليه السلام:
“لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال”
وفي مقامٍ آخر: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.
أي أن الأخلاق والرحمة هي معيار التمايز الحقيقي، لا المبالغة في المظاهر التعبدية.
* رابعًا: خطر اختطاف الدين بالشعائر
عندما تصبح الطقوس وسيلة للسيطرة الجماعية على الضمير الجمعي، وتُستخدم لتحديد “من معنا ومن ضدنا”، فإننا أمام اختطافٍ للدين من قِبل جماعات تُفرغ الرسالة من بعدها التحرري والروحي، وتحيلها إلى طقوس صاخبة تُفرّق الناس ولا تجمعهم.
إن بعض التقاليد الطقوسية التي تُمارَس اليوم لا تُمثّل جوهر الإسلام أو المسيحية أو غيرهما من الأديان، بل تمثل تراكمات اجتماعية وسياسية وثقافية وظّفت الدين لتكريس سلطات وهوّيات مغلقة.
* خامسًا: التديّن الحقيقي هو التحرر من التعصب
ما يحتاجه إنسان اليوم ليس المزيد من الشعائر بل المزيد من الرحمة، والتفهم، والحرية في الإيمان، والتسامح في الاختلاف. فالتديّن الأصيل لا يُترجم بالضجيج ولا بالصراخ في الشوارع، بل بالصمت الذي يحترم الآخر، والتصرف الذي يراعي الإنسان كقيمة، واللسان الذي لا يذبح باسم الله.
لقد أكّد القرآن هذه الرؤية بوضوح:
“لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”
(البقرة: 256)
وهي آية لا تترك مجالًا للجدل في حرية الضمير وحرمة الإكراه العقائدي.
* خاتمة: نحو تدين يليق بكرامة الإنسان
في ردي هذا لا أنكر أهمية الشعائر، ولا أهاجم من يلتزم بها، بل أدعو إلى تحريرها من الاستخدام الأيديولوجي والسياسي والتفريغي الذي يسلبها معناها.
إن التديّن الناضج لا يقوم على استعراض الطقوس، بل على ميثاق داخلي بين الإنسان وربه، لا يحق لأحدٍ أن يصادره أو ينصّب نفسه حارسًا عليه.
وأستعير في الختام كلمات الكاتبة دلع المفتي، التي أحسن الدكتور الموسوي نقلها:
“الذي يعبد الله فعلاً لا يأخذ مكانه، ولا يتكلم باسمه، ولا يوكّل نفسه عنه، ولا يُحاسب الناس بدلاً عنه، والأهم: يُحسن الظنّ به تعالى”.
فما أحوجنا إلى تديّن يُحسن الظن بالله… والناس.
2025-07-25
