موسم ختامي من “سكويد غيم”:
حكاية النيوليبرالية وصناعة الإنسان المديون
منذ إطلاقه في 2021 تحوّل المسلسل الكوري «سكويد غيم» إلى ظاهرة ثقافية عالميّة، وها موسمه الثالث والختامي يعيد إشعال النقاش مجدداً حول الرأسمالية النيوليبرالية وصناعة الإنسان المعاصر المديون.
سعيد محمد*
انشغل كثير ممن تابعوا المسلسل الكوري (الجنوبي) «سكويد غيم» بدمويّة المشاهد أو حبكات الإثارة، على أن قراءة أعمق للعمل الذي تحول سريعاً إلى ظاهرة ثقافية عالمية – متربعاً على قمة أكثر الأعمال مشاهدة لدى منصة نيتفليكس الأمريكية في 93 دولة -، تظهره كأنّه ترجمة محترفة بلغة الدراما البصرية لأطروحة الفيلسوف الإيطالي ماوريتسيو لازاراتو عن الدَّيْن بوصفه آليّة حكم خفيّة تتلطى وراءها الرأسمالية في طور تمرحلها النيوليبرالي.
وضع لازاراتو أفكاره في كتابه القصير “صناعة الرجل المَدين: مقالة في الحالة النيوليبرالية – 2011” كأول إطار نقديّ متماسك لميكانيكية الهيمنة في النظام النيوليبرالي الذي لا يحكم الناس بمحض القهر واحتكار العنف، بل – والأهم – من خلال الدَّيْن كتكنولوجيا سياسيّة، تُخضِع الفرد عبر شعور دائم بالذنب والعار، ليتحمل المسؤولية الأخلاقية والمالية عن كل شيء يعانيه، حتى عن فقره، أو بطالته، وفشله المادي، ويصبح مجرد خاضع ذليل للمنظومة.
حبكة المسلسل تترجم هذا المفهوم بصريّاً: 456 لاعباً يوافقون على المشاركة طوعاً في دورة ألعاب مميتة سعياً للظفر بجائزة نقديّة تتراكم قيمتها مع تناقص عدد المتنافسين. ليس لهؤلاء المتطوعين من شيء ليخسرونه لأن حياتهم مقيّدة أصلاً بقروض مصرفيّة تعثروا في سدادها، أو ديون نتيجة لعب القمار، أو استثمارات فاشلة، والحرّاس المسلَّحون لدورة الألعاب ليسوا سبب خضوعهم؛ بل خوفهم المقيم من مطاردة محصلي الديون، وما يرافق التخلّف عن سداد الدّين من خزي وعار اجتماعي عندما يتحقّق ما يسمّيه لازاراتو ب”الهيمنة على الفرد من خلال شعوره بالذنب والتقصير”.
يقدّم المسلسل نماذج متعددة للإنسان المديون بوصفه ذاتاً نيوليبراليّة، فهناك مثلاً سانغ-وو، خرّيج جامعة سيؤول المرموقة، الذي تحوّل من مصرفي ناجح إلى محتال مالي هارب من العدالة، وجي-هون، العامل المفصول، الذي تتأرجح أيّامه بين الشعور بالعار والرغبة في استعادة كرامته أمام ابنته الصغيرة، وغيرها من الشخصيات المألوفة في كل مجتمع معاصر، والتي لا تُقاد بالسّوط، بل بالآمال المؤجَّلة، والأقساط المتراكمة، وهموم الدّين.
وكما يفهم من الموسم الأوّل، فإن اللاعبين وقبل أن يتمكنوا من المشاركة في دورة الألعاب يطلب إليهم التوقيع على عقود ظاهرها الحريّة التامة، وواقعها تنازلٌ عن حياتهم إن هم لم يتمكنوا من عبور ست أيّام من الألعاب ليستريحوا في اليوم السابع، ما يعيدنا إلى أطروحة لازاراتو النيتشويّة المزاج: حيث الوعد – لا التبادل – هو أصل الدَّيْن، لكنه في “سكويد غيم” يتحوّل إلى عقد دموي يساوي بين التخلّف عن السّداد، والموت ذاته.
ويُظهر لازاراتو أنّ الدَّيْن لا يدمّر حاضر الإنسان فحسب، بل ويستولي على المستقبل. وفي الموسم الثالث، ثمة طفلة حديثة الولادة أقحمت في المنافسة، ليصير مستقبلها نفسه مادة في المزاد. فالقرار المصيري حول التخلّص من الرضيعة أو حمايتها يُعرض على تصويت (ديمقراطي) ضمن اللعبة، مبرهناً أنّ زمن الأبرياء دائماً قابل للرّهن، فيما تختزل جميع جوانب الحياة إلى تحليل التكلفة والعائد ومنطق السوق، ما يزيل الصفة السياسية عن القضايا الهيكلية ويعيد تأطيرها كإخفاقات شخصية. وفي الوقت ذاته، يُجبِر المستثمرون الأثرياء الذين يمولون اللعبة المشاركين على خوض رهانات جديدة كلّما شارفوا على النجاة، في تمديدٍ لزمن العبوديّة بفوائد تراكميّة للدَّين.
إحدى اللحظات الأكثر رمزيّة في الثلاثية هي “التصويت” الذي يقرّر المصير الجماعي. تبدو الآليّة في ظاهرها ديمقراطيّة محض: صوت لكل لاعب، والأغلبيّة تقرر وقف دورة الألعاب من استمرارها. غير أنّ النتيجة عمليّاً تكشف مفارقة لازاراتو: حين تُختزَل الحرية إلى خيار بين العودة إلى جحيم الدَّيْن والمقامرة بالحياة على أمل سداد الدَّيْن، لتصبح الديمقراطيّة بهذا المعنى مسرحاً لإعادة إنتاج السيطرة، حيث كل جولة تصويت تؤدّي إلى مزيد من الانقسام والتطيّف، وتحويل اللوم من البُنى المجرمة إلى الأفراد.
يلمح لازاراتو إلى أنّ النيوليبرالية تفكّك الروابط الإنسانية. وفي المسلسل يتكرّر مشهد التخلّي أو الخيانة بين الرفاق والأصدقاء والأقارب – كما في لعبة الكرات الزجاجيّة أو عبور الجسر الزجاجي -. وحتى التحالفات العابرة تتحلل أمام إغراء السيولة النقديّة المتراكمة أمام الجميع في وعاء زجاجي عملاق على شكل رأس خنزير. الموسم الثالث يُصعّد هذه الفكرة؛ فالمتمرّدون على اللعبة ينقلبون ضد بعضهم، ويخترقهم الخونة، وسرعان ما تتحول ثورتهم إلى حرب أهليّة مصغّرة تنتهي بقمع النظام لهم جميعاً.
استقبل متابعو المسلسل موسمه الختامي بآراء متباينة: فالبعض اعتبره تصعيداً دراميّاً ناجحاً للثلاثية، فيما رآه آخرون ختاماً متسرِّعاً ومفتقراً إلى الاتّساق مع البدايات. لكننا إن قرأنا العمل عبر عدسة لازاراتو، يتجلّى هذا (التعثّر) ذاته كجزء من التشخيص: لا وجود مطلقاً لخاتمة مُرضية تحت منطق الدَّيْن. وفي هذا المستوى يكون موت البطل في اللقطة الأخيرة ليس مجرّد صدمة درامية، بقدر ما هو إعلان بانتصار النظام عبر استبدال لاعب بآخر، فيما تنتقل العدوى إلى لوس أنجلوس، تمهيداً لنسخ معولمة من المتاهة الدموية إياها – أي النظام النيوليبرالي الذي، مثل المسلسل، يتغذّى على التمديد اللامتناهي للرّهان -.
شعبيّة “سكويد غيم” العالمية تكشف عن البُعدٍ العابرٍ للقوميّات والحدود في حرب النيوليبرالية على البشر، حيث الدَّيْن أكثر من أزمة محليّة بل منطق كليّ لإدارة العالم. من هنا تلتقي حبكة العمل مباشرة مع أوجاع الخرجين اليائسين من تسديد قروضهم الطلابيّة في الغرب، وسياسات التقشّف والخصخصة التي يمليها صندوق النقد على شعوب الجنوب العالمي، والعمل الحرّ غير المحمي في اقتصاد الانترنت الحديث. وهذه كلُّها تجارب تخلق من الإنسان شيئاً آخر تماماً: مخلوقاً مَديوناً، تطارده الهموم، وترهقه ملاحقات الدائنين، ويفقده الشعور بالفشل والذنب كل معنى لعلاقاته، ما يجعله قادراً على نهش كل الآخرين من أجل سراب النجاة، وحلم التحرر المستحيل.
وكما ينهي لازاراتو كتابه بلا وصفة ثوريّة مكتفياً بالدعوة إلى تفكيك أخلاقيّة الدَّيْن واسترداد المستقبل من قبضة الدائنين، فإن المسلسل بدوره لا يقترح حلّاً مؤسّسياً مستمراً للمأساة المستعادة دورياً، بل يتبنّي النبرة التراجيديّة حتى لحظة النهاية، لكنه مع ذلك يمنحنا لحظات دافئة صغيرة عابرة – تقاسم طبق من طعام ساخن، حضن عابر، تضحية أخيرة – تذكّرنا بملامح من إنسانيتنا التي انتهكتها النيوليبرالية، ولو داخل هذه المتاهة المعقّدة من الاستلاب.
في اللحظات الأخيرة من المسلسل، يتخذ بطله الرئيسي (جي-هون) قراراً حاسماً بالتضحية بنفسه من أجل إنقاذ الرضيعة البريئة. كلماته الأخيرة “نحن لسنا خيولاً. نحن بشر. والبشر…” تبقى معلقة، وغير مكتملة. ويشرح المخرج هوانغ دونغ-هيوك أنه تعمد عدم إنهاء الجملة ليترك الرسالة مفتوحة، لكن رمزيتها بنقصانها فجة وبليغة، ولعلها إشارة إلى استسلام المخرج نفسه، الذي وضع عبقريته في تصرف خدمة منصة نيتفليكس: أحد أهم مصانع انتاج مادة بروباغاندا المنظومة الرأسمالية النيوليبرالية البشعة.
اضغط على الرابط لقراءة المقال
– لندن
2025-07-25