رسالة السنوار في الميزان!

م. أمين حماد

ألقى السيد يحيى السنوار رئيس حماس السياسي في قطاع غزة، أول أمس خطابا مهما جدا من حيث الشكل، و دون شك أنه يحتاج إلى تحليل عميق و لكن هنا رأي سريع و ليس تحليل، و خاصة بعد إعلان كتائب القسام مسئوليتها عن عملية سلفيت.

السيد السنوار كان قد شجع المقاومة في الضفة على تكثيف عملهم ضد الاحتلال الأجنبي، عن طريق عمليات يقوم بها فرد أو اثنان و نصحهم بعدم الإعلان عن المسئولية، و عدم الكتابة عن العمليات على وسائل التواصل الاجتماعي، و من هنا تأتي دهشة المتابع، حيث تم الإعلان عن مسئولية القسام عكس نصيحة رئيس المكتب السياسي لحماس، و حيث أن القسام مؤسسة عسكرية شديدة السرية و الانضباط، فإن هذا الإعلان قد يكون له سببه و هدفه، و لا يمكن أن يكون زلة لسان.

عندما حدثت عملية سلفيت باركتها كتائب شهداء الأقصى لدرجة أن بعض وسائل الإعلام أذاعت أن شهداء الأقصى تبنتها، ثم تأتي المفاجأة بتبني القسام لها رسميا، و إعلانها أسماء المجاهدين اللذين نفذاها. و قد يكون ذلك هو إعلان مدروس لإشعار العدو و السلطة الفلسطينية أن تجهيزات المقاومة عبر السنوات الماضية في الضفة قد وصلت إلى المرحلة التي تستطيع البدء فيها بالمقاومة دون الاكتراث بعقبات السلطة و بطش اليهود.

ثم أن القسام في بيانه نسب لنفسه عمليات سابقة أخرى دون تسميتها أو تحديدها، و كأنه يقول أنه ليس في البداية فحسب بل إن عجلة العمل تسير منذ أسابيع.

إن المتتبع الذي سمع خطاب السيد السنوار لابد و أنه لاحظ و شعر أن معظم الخطاب كان مليئ بالمبالغة إذا فرضنا أن المقاومة في غزة ستكون وحيدة في الجبهة. أما إذا فرضنا أن حزب الله أو أن المقاومة لها قواعد في لبنان و سيدخلون لمؤازرة غزة بكل قوتهم فهذا يحتاج تحليل آخر، رغم أن هذا الاحتمال لا يزال ضعيف و محدود، و مع ذلك تكرر على لسانه عبارة “الحرب الدينية”و “الحرب الإقليمية” مما يجعل الباب مفتوحا و لو مواربا بوجه هذا الاحتمال.

لقد قال أنه في الرشقة الأولى سيتم إطلاق ١١١١ صاروخ. و هنا نتوقف أولا عند الإسم، فصواريخ غزة بدائية و الاسم الحقيقي لها هو قنابل ذاتية الدفع أو  قذائف صاروخية حيث أن قوتها التدميرية ضعيفة نسبيا، رغم أنها تحمل رؤوس ذات أوزان عالية نسبيا. على سبيل المثال، اذا كان صاروخ المقاومة يحمل رأس زنته ١٦٨ كيلو من المتفجرات فهو قادر على اختراق حائط بقطر واسع، أو هدم سقف من الإسمنت المسلح أو تدمير سيارة مثلا، بينما صاروخ العدو الذي استخدموه في هدم الأبراج السكنية من ١٥ طابق في غزة العام الماضي، كان يحمل رؤوس متفجرة زنتها ١٦٨ كيلو، و سبب الفرق بين صواريخ المقاومة و صواريخ اليهود هو نوعية و شدة المتفجرات المحشوة في رؤوس الصواريخ. كما أن جزء مهم منها سيتم إسقاطه من قبل القبة الحديدية، ناهيك على أنها غير دقيقة فربما سقطت في مزارع أو أراض خالية، و بالتالي فإن العدد الكبير لهذه القذائف الصاروخية قد يذهب هباء، و لا يعني أنها جميعا ستصيب الاحتلال في مقتل.

لقد طالب رئيس حماس أهل الضفة بالبدء بالمقاومة لعلهم يجبرون اليهود على تفكيك المستوطنات و المغادرة قبل نهاية هذا العام أسوة بما حدث في قطاع غزة عام ٢٠٠٥، و هذا احتمال صعب الحدوث، لأن أجهزة الأمن الفلسطينية بالاشتراك مع جيش اليهود يسيطرون بحزم على الضفة، و قد لاحظنا سرعة اعتقال منفذي عملية سلفيت. كما أن أكثر من ١٢٠ ألف مواطن من الضفة يعملون داخل الخط الأخصر إضافة الى من يعملون في المستوطنات، و للأسف هؤلاء جميعا ربطوا مداخيلهم المالية باستقرار الوضع على ما هو عليه مع العدو. ناهيك عن أن السلطة هي من تحرس أمن اليهود، و تتبادل معه المعلومات الاستخباراتية.

أما بالنسبة للفلسطينيين في مناطق ٤٨، فهم ربما ينتفضون و لكن طلباتهم مختلفة، فهو يريدون مساواتهم مع اليهود في الدولة العبرية من حيث الحقوق المحرومين منها، و لا يبحثون عن حق العودة و الاستقلال في هذه المرحلة من النضال الفلسطيني العام.

و بالتالي قد لا يكون موفق حين طلب من كل من لديه بندقية أن يجهزها و من ليس لديه بندقية أن يجهز ساطوره (سكين كبير).

و قال أن المعركة القادمة ستكون كبيرة جدا و من أجل القدس و أنها ستكشف المطبعين، و من كبرها ستصور الأقمار الاصطناعية فلسطين كبقعة مشتعلة من اللهب.

هنا مبالغة كبيرة حيث أنه حتى لو كانت حرب نووية فلن تكون بتلك الشراسة بحيث تحرق الأخضر و اليابس كما قال، مع العلم أن اليهود هم من لديهم النووي، و أن كل العرب و ليس فقط الفلسطينيون، يعرفون المطبعين و أخطرهم على فلسطين، و الفلسطينييون ليسوا بحاجة كبيرة لمعرفة الصديق من العدو من بين الأخوة العرب، فقد اكتوا من شرورهم عدة مرات منذ عام ٤٨ حتى الآن بما فيه الكفاية، و المؤمن يجب ألا يلدغ كل هذه اللدغات على مدى ٧٤ سنة دون أن يستيقظ من غفوته. أما فكرة إنشاء جبهة وطنية فلسطينية، فهذه من جميل الكلام، فالفلسطينيون منذ قبل ثورة ٣٦ حتى الآن عندهم مشارب سياسية و نضالية مختلفة تجتمع يوما و تتفرق آخر، و الخلاف بين رام الله و غزة شاهد على عدم وحدة الرأي و القرار.

ثم تكلم عن فك الحصار عن طريق تسيير بواخر من و إلى غزة عن طريق البحر بالتعاون مع محور المقاومة. و هنا نتعجب، لأن اليهود لن يسمحوا بدخول مركب قد تكون محملة بالأسلحة إلى غزة  إلا إذا كان يقصد أن المراكب ستصل بحماية إيرانية! و هذا أيضا مستبعد لأن إيران لن تدخل حرب مع الكيان المؤقت بهذا الأسلوب و توقيت ليس توقيتها و لأغراص ليست أغراضها، ففي النهاية و بالنسبة لإيران فإن الحرب مع الكيان المؤقت تعني حرب مع أمريكا و أوروبا، و هذا فوق طاقة إيران و ربما خارج اهتماماتها حاليا.

و ذكر أنه لو تم الاعتداء على الأقصى فان ذلك سيفتح حربا دينية، و سيشيع التهجم على الكنس اليهودية في كل مكان. و يبدو أن هذا ليس قرار بل هو تحذير من أنه لو تم الاعتداء على الأقصى فلا أحد يستطيع السيطرة على مشاعر المسلمين في بقاع مختلفة من الأرض، و قد يقوم بعض شباب المسلمين بالرد على التعدي على الأقصى عن طريق الاعتداء على الكنس اليهودية.

و الخلاصة أن الخطاب كان حشو كبير من المبالغة المقصودة و ذلك لأن القيادة في حماس تؤمن و نحن كذلك بالحديث: نصرت بالرعب مسيرة شهر. أي أنه يرعب كل عدو يسمع هذا الكلام شهرا كاملا قبل بدء المعركة و في نفس الوقت يرفع فيه معنويات الشعب الفلسطيني ما بين البحر و النهر و في الشتات.

و مع ذلك فإنه من المتوقع أن يكون لدى المقاومة الحد الأدنى من القدرات التي ستقض مضاجع الاحتلال الأجنبي في فلسطين، و لكن الخوف أن يتمادى الصهاينة في الحرب القادمة باستخدام أسلحة أمريكية من العيار الثقيل جدا، أو الكيماوي و البيولوجي أو ما يعرف بالنووي التكتيكي.

و مع ذلك فكما في المثل الفلسطيني: “دع الخبز لخبازه”، نترك هذه الأمور لأهل الاختصاص من سياسيي و عسكري المقاومة آملين أن يوفهم الله بتحرير فلسطين بالكامل في يوم ما عاجلا غير آجل.

غزة – فلسطين

‎2022-‎05-‎04