النِّظام وخيار شمشون!
سعود قبيلات.
اختزلَ كثيرون الحدث الكبير الَّذي جرى أمس بقصَّة اعتقال باسم عوض الله، وراحوا يقيمون الأفراح والليالي الملاح بهذه المناسبة، ويُبشِّرون بالخير العميم الَّذي سيعقبها.
هذا ضارّ جدّاً، فزَجُّ مسألة اعتقال باسم عوض الله في هذا الحدث المختلف إنَّما هي طُعمٌ رُميَ ليتلهَّى به النَّاس ويصرفوا أنظارهم عن أمورٍ أخرى أساسيّة. ومَنْ راحوا يحتفلون باعتقال عوض الله، ابتلعوا الطُّعم ثمّ راحوا يُبلِّعونه لغيرهم. وسيكتشفون، بعد انفضاض الأفراح، أنَّ السِّياسات الَّتي خدمها عوض الله لا تزال قيد التَّنفيذ، وأنَّ كثيرين مِنْ أمثال باسم عوض الله مبثوثون في مختلف مفاصل السّلطة.
عوض الله ليس مجرَّد شخص مدسوس على النِّظام، كما يحاول البعض أن يُبسِّط الأمر، بل هو مِنْ صُلب هذا النِّظام الوظيفيّ التَّابع و«مِنْ عودِه». فهل علينا أن نعود إلى البديهيّات ونسأل: مَنْ صنع باسم عوض الله وركَّبه على أكتاف النَّاس ومكَّنه من امتلاك كلّ تلك الصَّلاحيَّات الاستثنائيّة؟
الأهمّ والأولى من التَّركيز على اعتقال عوض الله الَّذي لن يتغيَّر بعده شيء، هو التَّركيز على الأسلوب السّلطويّ الفظّ الَّذي دوهمت به أمس بيوت مواطنين أردنيين على نحوٍ غير مسبوق؛ حيث اُستُخدِمَت لذلك قوّات ضخمة وعالية التَّسليح، وتمَّ ترويع الأطفال والنِّساء بلا رحمة. والأهمّ كذلك هو مطالبة النِّظام بأن يقدِّم تبريراً مقنعاً متماسكاً لتلك الحبكة المهزوزة الَّتي جرى إخراجها وترويجها أمس.
والأهمّ أيضاً وأيضاً هو التَّأكيد على أنَّ المطلوب، بدلاً مِنْ كلّ هذه المناورات البائسة، هو التّحوّل من الحكم الفرديّ المطلق إلى الحكم الدِّيمقراطيّ العميق الَّذي يمكِّن الشَّعب من استرداد بلده وتقرير مصيره، بالاستناد إلى دستورٍ جديدٍ يجعل الشَّعب هو مصدر السُّلطات، ويجعل المسؤوليّة مقترنةً بالمساءلة، كما يجعل الانتخاب الدِّيمقراطيّ الحرّ والنَّزيه شرطاً لازماً لامتلاك كلّ صلاحيّات أساسيّة في الدَّولة، ويحصر الولاية العامّة بالحكومة الَّتي يجب أن تكون منبثقة مِنْ مجلس نوّاب منتخب انتخاباً حُرّاً ونزيهاً.
بالمختصر، أمس كشف النِّظام أنَّه قد فقد قدرته على المناورة، ولم يبقَ لديه سوى خيار «عليَّ وعلى أعدائي». وهذا – كما هو معروف – خيار يائس. وهكذا فإنَّه، بدلاً مِنْ أن يقضي على أسباب مخاوفه، خلق المزيد من الأسباب لإثارة المزيد مِن المخاوف.
لقد دأب النِّظام، منذ مدَّة طويلة، على الحيلولة دون نشوء أيّ رموز كبيرة يلتَّف حولها النَّاس. والمفارقة هي أنَّ هذا النَّظام نفسه قد انقلب أمس على سياسته تلك، مِنْ حيث لا يحتسب، فصنع رمزاً ليلتفّ حوله النَّاس!
النِّظام وقع في الفخّ الَّذي نصبه لغيره، والأيَّام القادمة ستُثبِتُ ذلك
2021-04-05