طلائع الفدائيين…… 3!
أبو علاء منصور.
التقيتُ بشير الخيري من قادة الجبهة الشعبية في شقته الواقعة بالقرب من قصر رام الله الثقافي برام الله. رجل في السادسة والسبعين من عمره، قوي البنية، حاضر الذهن ولا تفارق البسمة وجهه، كأنه مفطور على الابتسام. قال عن تجربته الاعتقالية: اعتقلتُ أول مرة عام 1966، كنتُ محامياً في حركة القوميين العرب، وفي الرابعة والعشرين من عمري. تنقلتُ بين عدة سجون أردنية. بعد هزيمة حزيران اعتقلني جيش الاحتلال في أيلول عام 1967. يومها كان سجن رام الله مركز توقيف، بطانيتان مهترئتان، تنام فوق أحداهما وتتغطى بالأخرى وتقضي حاجتك في سطل، شبحٌ وضربٌ على الخصيتين وفركهما، الكل يَضرُب ويعتبر نفسه محققاً من الحارس حتى المدير. في هذه المحنة استشهد قاسم أبو عكر، وأصيب عبد المعطي أبو رميلة بالجنون. كان المحقق أبو هاني أقسى المحققين. بعد التحقيق أرسلونا إلى سجن الصرفند. صياح واستغاثات ونباح كلاب كأنها تنهش بشراً. تسمع عويلاً وشخصاً يصرخ: أطلق! يلي ذلك طلقة فصرخة ويسقط شخص فتخاله أحد رفاقك، وأن هذا مصيرك إن لم تعترف! أزاحوا العصبة عن عينيّ فشاهدتُ قدماً خارجة من حفرة. سيكون هذا مصيرك إن لم تعترف. هذا ما قاله أحدهم وألقى بي في حفرة وهو يصيح: أطلق، تحركت أقسام فصرخ أحدهم: لا! توقف. السجن موت. من يتسلح بوعي يستطيع الصمود، ومن يرى نفسه متورطاً ينهار، ولرفاق السجن أثر كبير في التأثير على بعضهم. ابتسم بشير: في سجن نابلس قال أسير بلهجة خليلية حين استلمنا وجبة الغداء: (هذا بزر ذرة مكانس يا عالم). بدأنا بقذف الصحون من الشبابيك، وحرضنا رفاقنا في الغرف الأخرى على رفض الطعام. جاء نائب المدير أبو هارون: من يرفض الأكل؟ وقفتُ وقلتُ: أنا. وقال أربعة عشر آخرين ذلك، فانهالوا علينا ضرباً وشتائم بذيئة. وضعونا في زنزانة فبدأنا نصرخ ونُكبّر. طلبني المدير أنا وأبو زياد الحواري وأبو حسين شملوني الذي كان مصاباً بطلق ناري. سألنا عن مطالبنا فحدثناه بما جرى! قال: (هذه ليست بذور ذرة مكانس). استجاب لطلبنا بأن لا يدخل نائب المدير إلى الغرف، لأنه يعاقبنا بالوقوف على رجل واحدة، وأن ندير وجوهنا إلى الحائط ثم ينصرف. أضاف بشير: عام 1972 نقلتُ إلى سجن بيت ليد -كفار يونا- معظم الأسرى أبناء دوريات، فتح، جبهة شعبية، صاعقة، وبعض أعضاء الحزب الشيوعي. بعد عام خضنا إضراباً عن الطعام مطالبين بتحسين الأوضاع. نُقلتُ أنا وعبد الحميد القدسي وأبو علي شاهين إلى سجن بئر السبع. وُضعنا في قسم العيادات فأضرب السجناء عن العمل تضامناً معنا بما في ذلك سجناء يهود. كانت العلاقات الفصائلية تتراوح بين جيد وسيء. انتهت ظاهرة العمل في المصانع الإسرائيلية. كان هناك جلسات ثقافية، رياضة وجريدة داخلية لكل تنظيم. عام 1973 أعلنا إضراباً عن الزيارات بهدف تحسين الوضع المعيشي والصحي فعوقبنا بالنقل إلى سجن جنين. عام 1976 نقلتُ إلى سجن عسقلان. كان هناك صحيفتان لكل تنظيم، والكانتينا تختلف بين قسم وآخر. نجحنا في توحيد الصناديق التنظيمية لكل فصيل وقررنا الإضراب عن الطعام. استمر الإضراب ستة وأربعين يوماً دون تحقيق نتائج. اتفقنا على إنهاء الإضراب. بعد حوالي شهر أعلنا الإضراب مجدداً فاستجابوا لمطالبنا بعد عشرين يوماً.
في طريقنا من نابلس إلى رام الله، عرجتُ وولداي علاء وعنان على منزل الأسير المحرر حافظ أبو عباية في قرية ياسوف بمنطقة سلفيت. تناولنا القهوة وأكلنا أسكدنيا لذيذة من شجرة في باحة منزله. قال الرجل عن تجربة اعتقاله: السجن قبر لمن ليس لديه هدف ويعاني فراغاً. أنا استفدتُ من السجن ما أنا عليه من ثقافة ووعي، لكني خسرتُ حياتي مع أسرتي، لم أستطع تكوين أسرة! حين اعتقلتُ كان عمر ابنتي البكر (حنان) عشرة شهور. هناك موقفان في تجربة الأسر لن أنساهما ما حييت. الأول حين جاءني الشرطي وكنتُ مسؤولاً عن غرفة رقم 2 في سجن نابلس الذي يضم ألف وأربعمئة أسير. كان ذلك في الثاني من شهر أيار في العام 1968. كانت دولة إسرائيل تحتفل بما تسميه يوم الاستقلال. قال لي السجّان: (اليوم عيد ميلاد إسرائيل العشرين. بهذه المناسبة ستهديكم الإدارة علبة سجائر فاخرة من صنع فرنسي). خرج فبدأتُ أنادي على الأسرى في الغرف المجاورة لتحريضهم. بدأت عملية توزيع السجائر من غرفة رقم 14 التي لم يكن وصلها صوتي لأنها بعيدة! سمعتُ تصفيقاً بعدما قال السجان: (نهنئ إسرائيل بعيد ميلادها العشرين)! حزنتُ لتقبل الهدية في غرفة تضم قيادات بارزة! فتح أبو هارون نائب مدير السجن باب غرفتنا وبرفقته سيدة جميلة ومعه السجائر: (جئناكم لتقديم هدية إسرائيل في عيد ميلادها العشرين). رفضتُ أنا وعدنان منصور غانم وأحمد حامد صلاح من بيت فوريك السجائر ولم نصفق! عوقبنا بمنعنا من الزيارة ومن الفورة. الموقف الثاني جاء احتجاجاً على منع الإدارة دخول الكتب إلى السجن، رفعتُ وبلال الشخشير قضية ضد الإدارة! قالت المحامية ليئا تسيمل: (هذه فرصتكم لرؤية عائلاتكم). يوم المحكمة حضرت طفلتي حنان برفقة والدتها وقد أصبحت في الخامسة عشر من عمرها. كانت هذه فرصتي لاحتضانها لأول مرة في حياتي بعد أربعة عشر عام سجن. بدا الموقف مؤثراً وهي تتعلق برقبتي. موقف لم يحتمله من في القاعة بمن فيهم القاضي. عن الموقف من المتدينين\المنفلشين قال: تحاورنا معهم مطولاً لكنهم أصروا على الانفصال! كان يتزعمهم بعض غلاة المتطرفين على رأسهم جبر عمار! وشجعهم التجاء الهاربين من التحقيق الداخلي إليهم! قبل الشروع في إضراب عام 1976 في سجن عسقلان شكلنا لجنة حوار، فقبلوا المشاركة وكان جبر ضمن اللجنة.
أستمع لأبي عباية وأتذكر جبر عمار! كلاهما بطلان! لكنهما وقفا على طرفي نقيض في السجن! جبر نزل على رأس دورية في العام 1967 وهو برتبة نقيب في جيش التحرير الفلسطيني! هذه ذروة البطولة لشاب يتيم وفقير الحال. أما حافظ الذي تعود جذوره النضالية لجيش التحرير الفلسطيني كذلك قبل أن ينضم للجبهة الشعبية، فنزل في دورية إلى الوطن في ذات العام. لولا أن القضاء الإسرائيلي لا يحكم على الفدائي بالإعدام لأعدم البطلان!
عن عمليات التحقيق مع المشبوهين قال أبو عباية: كان علينا حماية أمننا الداخلي، وتصرف البعض بهمجية تقشعر لها الأبدان. وعن الأخطاء التي ارتكبت في عمليات تبادل الأسرى قال: لا أعرف كيف قبلت فتح مبادلة جندي إسرائيلي بأسير فلسطيني واحد كما حصل مع الأسير محمود حجازي! وكيف بادلوا جاسوسة إسرائيلية بأسيرين فقط هما مهدي بسيسو ووليم نصار! تكررت المأساة حين بادلت الجبهة الديمقراطية المبعد علي أبو هلال بجثة سمير أسعد وتغنوا بعقد صفقة تبادل! ولا تنسى مأساة صفقة 1983.
علق ابني علاء على طريقة تعريفي على الناس: هذا قضى خمسة عشر عاماً في السجن، ذاك قضى عشرين عاماً وهكذا. قلتُ: قال لي أسير محرر أنه أحصى عدد سنوات سجن الجالسين على طاولته في أحد الأعراس فوجدها ثلاثمئة سنة! ماذا يعني ذلك غير أننا شعب أسير. الأسر أفضل وصفة للفلسطيني.
مع تحيات أبو علاء منصور
18\7\2020