ضمن سياق إقليمي باحث عن الظروف الجيوسياسية المتعلقة بضعف العمق الاستراتيجي، تحاول اسرائيل من خلال استراتيجيتها تحقيق أعلى معدلات الدفاع الداخلية والخارجية، وذلك عن طريق إضعاف المحيط الإقليمي سياسياً وعسكرياً، ما يُحقق لـ تل أبيب وضعية جيو استراتيجية تمنحها تفوقاً على المستويين السياسي والعسكري، فالاتجاه المُحرك للفكر العسكري الاسرائيلي ينطلق من فكرة الدفاع ضمن إطار المناوشات العسكرية الخاطفة، فالجهوم التكتيكي يُحقق قدراً من تأمين العمق الاستراتيجي لإسرائيل، ما يُفسر التحركات الإسرائيلية الأخيرة تُجاه التطورات الإقليمية التي اتسمت بالحساسية العالية سياسياً وعسكرياً، لتكون قمة تل أبيب التي جمعت لأول مرة مستشاري الأمن القومي الإسرائيلي “مئير بن شبات”، ونظيره الروسي “نيكولاي بتروشيف”، ومستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون”، تحت عنوان “مراجعة الأمن الإقليمي”، ترجمة حقيقية لهواجس اسرائيل الأمنية والعسكرية، والباحثة عن سُبل تبريد حرارة المحيط الإقليمي، حيث أن المشهد في الشرق الأوسط بات ضاغطاً وموجباً للبحث عن مخارج تُبدد هواجس دولة الكيان، فالوجود السياسي والعسكري لإيران في سوريا، إضافة إلى التطورات السورية التي تحمل في جزئياتها أبعاد استراتيجية لا يمكن لإسرائيل التغاضي عنها، خاصة أن الملف السوري يُعد من أكثر الملفات حرجاً وأهمية، إذ ما تم الربط بين الانتصار السوري وضم هضبة الجولان لتُصبح تحت السيادة الإسرائيلية، و بالتالي فإن تكرار الحوادث الأمنية في سوريا المُعتمدة على توجيه ضربات محدودة لأهداف سورية أو إيرانية، لا يُشكل عامل ردع يمكن البناء عليه لتحقيق استراتيجية تتأقلم مع التداعيات الخطيرة المحيطة بإسرائيل، و بالتالي فإن سهام نتنياهو السياسية التي حاول توجيهها لأهداف سورية أخطأت، ولن يتمكن من توظيفها في الملفات الإقليمية الضاغطة أو ترجمتها مكاسب سياسية في الداخل المحتل، خاصة أن مضامين التطورات القادمة إقليمياً ودولياً تُشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأمنية الإسرائيلية في ملفات عديدة، من هنا يحاول الكيان الاسرائيلي بناء مصالح أمنية بالاعتماد على موسكو وواشنطن، مع بذل قصارى الجهود لإغلاق المسارات السياسية والعسكرية، التي تشكل في ماهيتها تهديداً وجودياً لدولة الكيان الإسرائيلي.
وسط التغيرات في التوازنات الدولية لجهة الإصطفافات وفرض مناطق النفوذ، جاء اجتماع القدس ضمن توقيت سياسي غاية في الدقة، حيث التجاذبات الإقليمية التي تعصف بدول المنطقة، تؤسس لتصدعات في بنية النظام العالمي، وعليه فإن اجتماع القدس الثلاثي قد يكون مقدمة لترتيب أوراق الشرق الأوسط، لا سيما أن الدول المشاركة لديها تضارب في الرؤى والأهداف الاستراتيجية، بالتوازي مع توافقات جوهرية تحمل في مضامينها عدم الرغبة في التصعيد، والواضح أن اجتماع القدس وعلى الرغم من انخفاض مستوى التوقعات لجهة مخرجاته وما تم التوافق عليه، لكن المؤكد أن رسائل هذا الاجتماع تحمل مضامين توافقية وتوجهات حقيقية، من أجل الوصول بالحد الأدنى إلى نقاط تكون منهجاً في حلحلة بعض الملفات التي تُشكل عامل ضغط إقليمي، فالملف الإيراني وارتباطه بأمن الشرق الأوسط، بات بوصلة التحركات الدولية الساعية لاحتواء التصعيد، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مياه الخليج الفارسي، والتي تُعتبر بوابة للمزيد من التصدعات سياسياً وإقليمياً، ولابد من ترميميها على وجه السرعة، فالتوجهات الأمريكية الاسرائيلية ترمي إلى فرض الإملاءات على إيران، والعبث التكتيكي المؤدي إلى استفزاز الجمهورية الاسلامية، بُغية دفعها إلى إشعال دائرة النار الشرق أوسطية، لكن الصبر الاستراتيجي لطهران والعمل وفق رؤية منهجية تعتمد الدبلوماسية بلغة عسكرية، دفع اسرائيل إلى جذب الأطراف الفاعلة في المنطقة، وضمهم إلى طاولة في القدس، في رسالة واضحة لإيران، بأن تل أبيب تحظى باهتمام دولي وإجماع يؤهلها لتبريد كافة الملفات أو إشعال المنطقة وقت ما تشاء، إلى جانب محاولة إيهام طهران بأن موسكو باتت طرفاً في الحلف الأمريكي الإسرائيلي، يوازيه قدرة اسرائيل على جمع القوى العظمى على طاولة واحدة لبحث ملف الشرق الأوسط، وتحديداً الملف الإيراني.
في ظل غياب واضح للاستراتيجية الأمريكية حيال ملفات الشرق الأوسط، مع توتر اسرائيلي يُفقد تل أبيب بوصلة التوجهات السياسية الصائبة، وعطفاً على احتواء روسي للهواجس المشتركة التي تؤرق واشنطن وتل أبيب على السواء، يبدو أن هذا الاجتماع لن يكون سوى مشهد سياسي فارغ المضمون، فالتوقعات بنجاح التكتل الروسي الأمريكي الاسرائيلي، يبدو أنها لن تكون مثمرة لجهة تبريد ملفات الشرق الأوسط، حيث أن اسرائيل لا تزال تحاول لملمة انكساراتها عُقب خسارتها في ملفي إيران وسوريا، ومن جهة ثانية لا تزال تحاول اجبار واشنطن على ضرب ايران وتحييدها عن دائرة الأمن الإقليمي لإسرائيل، إضافة إلى الدفع تُجاه تعقيد الملف السوري وإدخاله في دوائر التعقيد السياسي والعسكري، خاصة أن سوريا وتداعيات انتصارها ستكون عاملاً ضاغطاً على الأمن الاسرائيلي، هذا الأمر وما يحتويه من ميزات ذهبية تطال حلفاء سوريا، لن يُعيد لإسرائيل أوراق قوتها وتفوقها، فالحلف الاستراتيجي السوري الروسي الإيراني لا يمكن بأي حال من الأحوال دفعه إلى التفكك، ولعل الخطوة الإسرائيلية بدعوة موسكو لحضور اجتماع القدس، لم تُؤسس بطريقة استراتيجية، بل وخابت في حساباتها السياسية، فحين يؤكد وزير مجلس الأمن الروسي “نيكولاي باتروشيف” في كلمته خلال الاجتماع الأمني الثلاثي الأمريكي الروسي الإسرائيلي في القدس المحتلة، أن إيران تشارك روسيا في محاربة الإرهاب؛ تصريح باتروشيف يؤكد وبصرف النظر عن مخرجات القمة وتوقعاتها اللاحقة، بأن هذا الاجتماع سيكون مصيره الفشل، و عليه يُمكن البناء على المشاركة الروسية في هذا الاجتماع وفق تصورين: الأول – روسيا ترى وبناء على مقتضيات الضرورة الاستراتيجية، أن الوسائل الدبلوماسية إلى جانب المنجزات الميدانية والورقة السورية الرابحة، يفرض عليها المشاركة في هذا الإجتماع، مع التأكيد بأن ايران شريكة استراتيجية في المنجزات السورية المُؤسِسة لكافة المسارات المقبلة في المنطقة، وبالتالي فإن مسألة خروج القوات الإيرانية من سوريا لا يمكن تنفيذه، لسبب جوهري، حيث أن التواجد الإيراني في سوريا جاء بطلب رسمي من دمشق، وبالتالي إقفال هذا الملف على الصعيدين السياسي والعسكري. الثاني – انطلاقاً من استراتيجية الاحتواء الروسية لكافة الأطراف الفاعلة في الملفين السوري والإيراني، تحاول روسيا الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن وتل أبيب، للضغط باتجاه حل أي ملف بطرق سياسية بعيدة عن التوجهات العسكرية، وهذا يمنع الانجرار نحو حرب شرق أوسيطة تطال نيرانها الملفات الدولية.
في المحصلة، في وقت سابق كشفت صحيفة “يورونيوز” إن “إسرائيل” تريد من القوات الإيرانية الانسحاب إلى مسافة 60 كيلومتراً على الأقل من مرتفعات الجولان، وأن “نتنياهو” قد قدّم هذا الطلب للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” مراراً وتكراراً، وكان الأخير قد استبق اجتماعات القدس بالتأكيد على أن بلاده ترفض منطق الصفقات في حلّ الأزمة السورية، إضافة إلى أن ايران استبقت هذا الاجتماع بتأكيدها على التمسك بالبقاء في سوريا، وأن وجودها ليس محوراً للبحث، انطلاقا من رغبة الدولة السورية باستمرار التعاون مع ايران، كما أكد الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني “علي شامخاني” أن وجود إيران على الأراضي السورية “شرعي” حيث قال: “لن يجبرنا أحد على القيام بذلك”، وأضاف: “هناك مَن لا يعجبه تقاطُع مصالحنا مع روسيا في سوريا، لكن سياساتنا مع موسكو مبنية على التعاون ونرى أن الحوار السياسي هو الطريق الوحيد لحل المشكلة في سوريا وفي كل المنطقة”، ضمن هذه المعطيات بات من الواضح أن اجتماع القدس بات فارغاً من مضمونه المؤسس لأي توجهات سياسية أو عسكرية تجاه المنطقة عموماً، وعليه ستبقى سهام نتنياهو السياسية، تصطدم بالصخرة السورية الروسية الايرانية.