في ربيع العام 2001، وبينما كانت انتفاضة الأقصى في أوجها، كان حسن الحاج حسين يتابع أخبارها الصباحية في منزله بحيّ السبيل في مدينة حلب، ولمّا سمع عن عدد الشهداء الذين سقطوا ذلك اليوم، ضرب يده على الطاولة أمامه وتوقّف قلبه نهائيًّا.
كان حسن “أبو أحمد” مهندس الكهرباء الذي ساهم في إنارة الريف الحلبي كلّه سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم أحد أهمّ كوادر الحزب الشيوعيّ السوريّ العاملين لنهضة سوريا والمؤمنين بفلسطين كلّها، ولم يبصم على قرار التقسيم، كما كان يردّد دائمًا، وإن اختلف مع “البكداشيين” في النصف الثاني من عقد الثمانينيات الماضي.
ولأنه في أواخر الخمسينيات من عمره، لم يكن من سبيل أمامه سوى التحريض والهتاف لفلسطين وأبطال انتفاضة الأقصى، وقد كان ينتقل من مكان إلى آخر مدافعًا محرّضًا لدعم الانتفاضة. ومن يعرفه من الحلبيين، ريفًا ومدينة، يعرف ذلك الرجل الحادّ والجذريّ في مواقفه.
قلت يوم تشييعه، وقد كنت شابًّا في مقتبل الثلاثينيات، إن حسن شهيد قضيّة، عاش من أجلها ومات بسببها، واستشهدت بقول أنطون سعاده “كلنا نموت.. لكن، قليلون من يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة”، ذلك أنني كنت وما زلت مؤمنًا أن خلافاتنا الإجرائية في السياسة وطرق الوصول إلى الهدف لا تلغي الواجب المترتّب علينا في شدّ أزر بعضنا، على خلاف ما كان يجري مع الأجيال التي سبقتنا وتناحرت في أمور ما أُنزل بها من سلطان، وقد وضعت لها حدًّا “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” إثر الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982.
لم يكن يخطر في بالي عندما كنت أتابع الكاتب الجزائريّ الفذّ إسماعيل القاسمي الحسني إلا قامة حسن الذي لم نكن نتفق على كثير من الأمور، لكنّنا نتشاور في أصغرها، وهو ما كانت عليه علاقتي كذلك، حتى قبل أيام، مع شهيد القدس الجديد صديقي المناضل الكبير إسماعيل.
ملأ إسماعيل القاسمي الحسني صفحته الشخصية على الفيس بوك تهكّمًا على الجامعة العربية وأنظمتها السائرة في الركب الأميركيّ حتّى قبل ساعات قليلة من وفاته، وقطع بقلمه الحادّ أن لا حلّ للمسألة الفلسطينية سوى على طريقة حزب الله الذي كان متحمّسًا نادرًا لتجربته المقاوِمة، وقد كان حسم خياره، منذ البداية، في الموضوع السوريّ وأعلن رأيه أن ما تتعرّض له سوريا هو خدمة لـ”إسرائيل”، وكان قلبًا وقالبًا مع جيش سوريا التي زارها عام 2014 متنقّلاً في جبهات القتال، مناضلاً متحمّسًا لسحق الإرهابيين أدوات المشروع الاستعماريّ، وكاتبًا منصفًا عقلانيًّا باترًا ساحقًا حجج الكتّاب والصحافيين المأجورين والمصفّقين لهم من قطيع الإسلامويين الطائفيين، لدرجة أنه كان يحظر كلّ من يدعو للهجوم على سوريا وجيشها، مثلما يفعل مع الذين يتناولون الجزائر وجيشها.
ذهب إسماعيل القاسمي الحسني متألّمًا على فلسطين والقدس ألمًا قاتلاً، فالمنشورات التي أشرت إليها، والتي كانت قبل وفاته بساعات، لم يكن تهكّمه فيها إلا أداة فلسفية واجه بها الانحطاط العربيّ ومواقفه المخزية تجاه فلسطين وعاصمتها التاريخية الأبدية القدس، ولهذا هو شهيدها الذي عاش ومات من أجل قضيّة تساوي وجوده.
بين حلب والجزائر الحبيبة عقدة القلب التي توقف قلوب عشّاقها: القدس.
بأمان ورعاية ربّ القدس، وفي قلوب عشّاقها، صديقها وعاشقها وشهيدها المؤمن بعودتها، أخي الحبيب إسماعيل القاسمي الحسني.. المناضل الكبير والكاتب الفذّ والمؤمن الاستثنائيّ في زمن “ثلاثينيات الفضّة” من الصحافيين والمتملّقين والمنافقين الذين كنت أوراسًا مبدئيًّا في وجوههم الكالحة.