بصدد مقال جيجك: الصهيونيّة إلى أين؟
علي عامر(*)
تدور مقالة سلافوي جيجك، حول المحاور التالية:
أولاً: افتتاحية المقال
“إنشاء دولة إسرائيل” كان من وجهة نظر أوروبية، تحقيق فعّال للحل النهائي لمشكلة اليهود (التخلّص منهم)، التي أثارتها النازيّة نفسها.”
ثانياً: معاداة الساميّة وقيام “إسرائيل”
– معاداة الساميّة لنقد “إسرائيل”
يبدأ جيجك بذكر كاريكاتور، نشر في يوميّة فيينا (الصحافة)، في تمّوز 2008، عن رجلين نازيين سمينيين يبدوان كنمساويان، يمسك أحدهما صحيفة، ويخاطب الآخر: “هنا يمكنك أنْ ترى من جديد، كيف يتم إساءة توظيف معاداة ساميّة مبررة بالكامل، لتوجيه نقودات رخيصة لإسرائيل!”
– نقد “إسرائيل” لمعاداة الساميّة
ثم يقول أنّ هذه النكتة تمثّل قلباً للدفاع الصهيوني التقليدي المعياري ضد نقد سياسات دولة “إسرائيل”، حيث يعتقد ذلك الدفاع أنّ نقد “إسرائيل” المبرر تماماً، يتم إساءة توظيفه لتوجيه نقودات للسامية.
– معادٍ للسامية، مؤيد لإسرائيل
ثم يقتبس من أنديرس بريفيك، وهو نرويجي عنصري معادٍ للمهاجرين، الذي يرى أنّ دولة “إسرائيل” هي خط الدفاع الأوّل ضد توسّع الإسلام، والذي رغب بإعادة تشييد معبد القدس، والذي يعتقد أنّه لا مشكلة مع اليهود، طالما لا يوجد الكثير منهم، حيث يرى أنّ وجود الكثير منهم يعني وجود مشكلة، لهذا أوروبا لا تعاني من مشكلة اليهود، لأنّ نسبهم قليلة هناك، باستثناء فرنسا والمملكة المتحدة، وأنّ الولايات المتحدة تعاني من مشكلة يهود كبيرة، لوجود الملايين منهم هناك.
يعّلق جيجك: “أرقامهم تحقق المفارقة المطلقة: صهيوني معادٍ للسامية”.
إذن يبدأ جيجك مقاله، بعلاج ثقافوي بحت، حول المعادلة السليمة التي تربط بين “إسرائيل” ومعاداة السامية، ليصل لاكتشافه العظيم، وهو وجود صهيونية معادية للسامية.
ثانياً: معادٍ للساميّة، مؤيد للصهيونية
يذكر جيجك قصّة لنتنياهو، حين ذهب إلى فرنسا لإحياء ذكرى ضحايا عمليّات القتل الأخيرة، وكيف استغل ذلك الحدث، لتوجيه دعوى ليهود فرنسا (أكبر تجمّع يهودي في أوروبا) للهجرة إلى “إسرائيل” لاعتبارات السلامة والأمن، ويذكر عنواناً من صحيفة بولندية: “إسرائيل تريد فرنسا خالية من اليهود”، ويضيف جيجك: “كذلك يريد معادي الساميّة الفرنسيين”، في إشارة لالتقاء مصلحة معاداة الساميّة مع الصهيونية.
كما يذكر أنّ إنشاء “إسرائيل” من وجهة نظر أوروبية، يمثل الحل النهائي للمشكلة اليهودية في أوروبا.
ويعتبر أنّ قيام تلك الدولة، هو استمرار للحرب على اليهود، ولكن بوسائل سياسية!!!
نلاحظ هنا الثقافويّة العالية عن أي واقع التي يتعامل بها جيجك، فلكي يخفي الحقائق التاريخية والوقائع الفعلية، والصراعات المادية الحقيقة على الأرض، يلجأ لتناول قضية الصهيونية من منظور ثقافي بحت، من حيث علاقتها بمعاداة الساميّة.
لماذا يسعى جيجك لاكتشاف وجود معاداة ساميّة مؤيدة للصهيونية؟
يظهر فكر جيجك بوضوح، كفكر أورو- مركزي، يغيب تماماً عنه أي ذكر لتاريخ الفلسطينيين والعرب، أو حتى أي تلميح لوجودهم، مما يتساوق مع الدعاية الامبريالية والصهيونية في شعار “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”.
ف”إسرائيل”، ليست اعتداءاً على شعب، ولا تهجيراً وتقتيلاً له، وليس سرقة أرض، وليست مؤامرة امبريالية، لإضعاف واضاع المنطقة، لتسهيل نهبها إمبرياليا، لا، “إسرائيل” بنظره، هي حل لمشكلة اليهود في أوروبا، هي الحل النهائي للتخلص من اليهود في أوروبا، فالعالم هو أوروبا واليهود، حيث لا يوجد عرب وفلسطينيين.
ثم يفجّر قنبلة من عيار ثقيل، فيقول: أنّ قيام دولة “إسرائيل” هو استمرار للحرب ضد اليهود، وهذه الخلاصة الغربية المضحكة التي يخلص إليها، هي نتيجة طبيعية للمقدمات والافتراضات واللامنهج الذي يسير عليه.
إذن فإنّ كل ما سبق، ولنفترض أنّه القسم الأوّل من المقال، كل ذلك التلاعب بالحقائق، وجمع الأحداث غير المتصلة في سياق هش، أراد منه جيجك، الوصول لهذه النتيجة المقيتة، أنّ قيام دولة “إسرائيل”، هو استمرار للحرب على اليهود الضحايا المساكين، حيث لا يوجد هناك سكّان فلسطينيين أو عرب، لا أصحاب أرض، فدولة “إسرائيل” قامت في الصحراء الخالية كما يبدو، ما يتساوق مع الدعاية الصهيونية الاستعمارية الكلاسيكية (ارض بلا شعب، لشعب بلا أرض).
ثالثا: التقاء النازيّة والصهيونية في مصلحة قيام دولة إسرائيل
ويذكر قصّة عن لقاء بين قائد نازي وقائد صهيوني من الهاجاناه، بهدف تهجير أكبر عدد ممكن من اليهود من ألمانيا إلى “إسرائيل”، يحدد جيجك أنّ اللقاء هدف إلى التطهير العرقيّ، الذي يهدف إلى قلب موازين النسب السكانيّة (بين العرب واليهود) بالعنف. ويستدرك (من وجهة نظر اليهود، فإنّ هذه الصفقة مع النازيّة، كانت فعلاً من موقف إحباط) يقصد انعدام خيارات أخرى أمامهم حينها.
بعد أنْ يذكر التقاء مصلحة النازية والصهيونية، وهي حسب منطقه (وليس حسب نطقه) استمراراً للحرب على اليهود، يصل لفكرة عجيبة مفادها، وجود مؤامرة كونية ضد اليهود، عناصرها أوروبا، ومعاداة السامية، والنازية، والصهيونية.
يؤكد جيجك على أنّ الهدف من ذلك اللقاء بين القيادي النازي، والقيادي الصهيوني، هو قلب الموازين في صراع (عرقي) بين العرب واليهود لصالح اليهود.
ثالثاً: تعريف الصراع بأنّه صراع عرقي
هنا يبدأ اعتراف جيجك بالعرب، ولكنّه اعترافٌ من منظور أوروبيّ مركزانيّ صهيونيّ، اعتراف على أساس لا- منطق جيجك أعلاه، ليظهر العرب كمجموعة عرقيّة أخرى تتصارع مع اليهود على ملكيّة الأرض.
رابعاً: تصريحات لقادة الصهيونية (بيغين، بن غوريون)
يورد جيجك، اقتباسان من مناحيم بيغن، ومن بن غوريون، في السياقات التالية.
يقول جيجك، أنه وحتّى خمسينيات القرن الماضي، فإنّ القادة اليهود و”الإسرائيليين”، كانوا صادقين جداً، حول حقيقة عدم امتلاكهم حقاً كاملاً في فلسطين!
ووصفوا أنفسهم بكل فخر بأنّهم إرهابيون.
لاحظ، “صادقين بعدم امتلاكهم حقاً كاملاً”، هذا يعني أن جيجك ضمنياً يعترف لليهود بحق في فلسطين، ولكنّه حقاً ليس كاملاً كما يدعي اليهود.
لا يرفض جيجك هنا الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، ولكنّه يرفض الحق الكامل باليهود لفلسطين، أيّ يقرّ ضمنياً بحقهم الجزئي هنا، وهو حق زائف لا أساس له، ولكن،
إلى ماذا يؤسس جيجك هنا؟ هل يريد أن يدعم حل الدولتين؟ سنرى.
ثمّ يورد نصاً لمناحيم بيغن: “أعداؤنا يسمّونا إرهابيون، الأصول اللغويّة والتاريخية للمصطلح السياسي “الإرهاب”، تثبت أنّه من غير الممكن تطبيقه على حرب ثوريّة تحريرية، مقاتلي الحريّة يجب أن يتسلحوا؛ وإلّا سيسحقون في الليل… ما علاقة كفاح من أجل كرامة الإنسان، ضد الاضطهاد والإخضاع بالإرهاب؟”
يتكلم بيجن، عن مرحلة كفاح الهاجاناة ضد الوجود البريطاني المسلّح.
إذن، فجيجك بتعريفه للصراع في فلسطين بأنه صراع عرقيّ بين مجموعات عرقية متنازعة، وضع أساساً للنتيجة التالي:
الوجود البريطاني المسلح، لم يكن استعماراً للعرب والفلسطينيين على أرض فلسطين، بل كان ضد اليهود، لذلك تنظّم اليهود في كفاح ضد الوجود البريطاني المسلّح على أرض فلسطين!
وليستطيع تمرير هذا السم في طبق من العسل المرّ، يعود من جديد للمعالجات الثقافوية الزائفة والتافهة لقضايا ماديّة تاريخية مهمة وشائكة، فالمشكلة هنا، ليست في حرف جيجك للحقائق الواضحة كالشمس، بل بنظره، المشكلة هنا في مصطلح الإرهاب، وكيف حمل دلالة إيجابية في تلك السنوات! وفي تناقض ذلك مع المعايير المزدوجة الحديثة التي تدين بشدّة الإرهاب الإسلامي اليوم.
ثم يقول، أنّه من الشيّق رؤية الجيل الأوّل من القادة “الإسرائيليون”، يعترفون بانفتاح، بحقيقة أنّ إدعاءاتهم بأرض فلسطين، لن تجد أساساً لها في العدالة الكونية، وأنهم يتعاملون مع حرب احتلال وسيطرة بسيطة، بين مجموعتين، لا يمكن التوسط بينهما.
يشيد باعتراف القادة الصهاينة بعدم مطابقة إدعاءاتهم بأرض فلسطين مع العدالة الكونية، واعترافهم أنها مجرد حرب سيطرة واحتلال بين مجموعتين عرقيتين.
لكي يمرر جيجك موافقته على منطق الصهيونية بأنّ الحرب هنا، هي حرب بين مجموعتين عرقيتين، يستتر خلف (إشادته) بنزاهة القادة الصهاينة حين اعترفوا أن مطامعهم بالأرض الكاملة لا تنسجم مع العدالة الكونية.
لاحظ استخدام جيجك لمصطلح مثالي ثقافوي هو العدالة الكونية، ولم يقل مثلاً بتعارض المطامع الصهيونية مع الحق التاريخي للفلسطينيين بالأرض والسيادة، وهذا ينسجم مع مجمل طرحه، المتماهي مع الموقف الغربي الرسمي من القضية الفلسطينية، فالعدالة الكونية، هي لا شيء، إلّا العدالة البرجوازية المعولمة في العصر الحديث.
ثم يقتبس نصاً لبن غوريون، أوّل رئيس وزراء “إسرائيلي”:”يمكن لأي شخص إدراك حجم المشكلة بين اليهود والعرب، ولكن لا يمكن لأحد إدراك حقيقة انعدام الحل، يوجد هوّة سحيقة لا يمكن جسرها بين الطرفين، نحن كشعب نريد هذه الأرض لنا، والعرب كشعب يريدوها لهم.”
حسب جيجك، فإنّ مشكلة هذه العبارة الواضحة في هذه الأيام، حيث لم يعد بالإمكان القبول بالتسامح مع صراع عرقي على أرض لاعتبارات أخلاقية أخلاقية!
وهنا من جديد، لكي يخفي جيجك، تماهيه مع المنطق الصهيوني، الذي يعتبر هذا الصراع صراعاً عرقياً، يرفض التسامح مع عنف الصراع، ولا يرفض وجود الكيان الصهيوني الباطل من الأساس، أي يقبل بوجود صهيوني، بدولة “إسرائيلية” منزوعة العنف! أليس هذا كطلب القهوة منزوعة الكافيين يا جيجك؟ أليس هذا كشراء المنتجات منزوعة الدسم؟ أليس هذا كالقبول بالآخر ضمن شروط الأنا؟ ألم يكن أنت من وجهت نقداً لليبرالية مستخدماً تلك الأمثلة التي كررتها عشرات المرّات في كتبك ومقالاتك ومحاضراتك؟
هل يمهّد جيجك للقبول بحل الدولتين؟ سنرى.
خامساً: تصريحات ليمين متطرف جداً
المثال الأول
يورد جيجك قولاً للنازي الشهير، لسيمون فازينثال: “يوماً ما، سيكون من اللازم إدراك استحالة تأسيس دولة في منطقة لم يسكنها أحد من قبل، لأنّه حيث لم يقطن ناس، من الصعب أن يسكن ناس)… هذا الوضع عندما تم إنشاء “إسرائيل”…كان هناك سكّان يهود منذ وقت طويل، والسكّان الفلسطينيون كانوا مشتتين، وامتلكوا عدد كبير نسبياً من الخيارات لفسح المجال.”
يقول جيجك أنّ ما يناصره فازينثال هنا، هو عنف دولة ذو وجه إنساني، أي بانتهاكات محدودة.
ثمّ يضيف جيجك، أنّ عبارة فانزينثال الأكثر إثارة تأتي بعد عدّة صفحات، حيث يقول أنّ “إسرائيل” دولة دائمة النصر، لا يمكنها الاعتماد إلى الأبد على التعاطف معها كضحية. يفسّر جيجك ذلك، بأنّه دعوة ل”إسرائيل” لتوكيد قوّتها بالكامل.
المثال الثاني
كارولين غليك، صاحبة :”الحل الإسرائيلي: خطة الدولة الواحدة للسلام في الشرق الأوسط،إدعت مؤخراً في النيويورك تايمز، أنه لا يجب أن يكون هناك دولة فلسطينية، فأولئك الذين يدعمون دولة فلسطينية، “يعرفوا بأنهم باعترافهم بها، لا يساعدوا قضيّة السلام، بل يعجّلوا من خراب “إسرائيل”، إذا لم يهتموا من بعد بالحرية والسلام، فإنّ الأوروبيون سيفعلوا العكس، يجب أن يعملوا لتقويّة “إسرائيل” وتوسعتها، فهي المنطقة الوحيد المستقرة للسلام والحرية في المنطقة، سيتركوا لفظة دولتين، والتي تحمل معناً مزدوجاً، للسعي لتدمير “إسرائيل”، واستبدالها بدولة إرهاب… فإن الدفع باتجاه الاعتراف بفلسطين، لا علاقة له بالسلام والحرية بل بكره “إسرائيل”، ومساعدة من يسعى لخرابها.”
باختصار، فإنّ ما كان سياسة دولية رسمية، أصبح الآن يوصم بأنّه وصفة لخراب “إسرائيل”. بحسب جيجك.
المثال الثالث
ثمّ يذكر أوبرا، تتحدث عن قصّة مقتل كلينغوفر، وهو يهودي أمريكي على مقعد على كرسي، في خضم عملية خطف الباخرة السياحية آكيلي لاورو، على يد جبهة التحرير الفلسطينية(أبو العباس) عام 1985، الأوبرا كتابة جون آدامز، بعنوان “موت كلينغوفر”، طبعاً تتهم الأوبرا هذه العملية بالإرهاب، والعار.
هيلاري بار 55 عاماً، تقول أن الأوبرا تعطي مبررات للإرهاب، فرسالتها تقول: “اذهب واقتل، وسنكتب عنك مسرحية.”
حسب جيجك: هذه الأوبرا كانت مقبولة عام 1991، ولكنها الآن أصبحت تعتبر معادية للسامية!!
المثال الرابع
ثم يورد قولاً لآيان هسري علي، تقول أن نتنياهو يستحق ويجب أن يحصل على جائرة نوبل للسلام. وأنّ الإسلام هو رغبة عدمية للموت.
يقول جيجك: “بدلاً من رفض هذا الادّعاء لسخافته، لا بد من البحث عن الحقيقة الجزئية المستترة فيه، بالطبع “إسرائيل” مخلصة في مساعيها للسلام، فالإحتلال بالتعريف يسعى للسلام في المنطقة التي احتلها. السؤال الحقيقي هو هل الوجود “الإسرائيلي” في الضفة الغربية يعتبر احتلالا، وهل مقاومة هذا الاحتلال مشروعة، حتى لو بالسلاح؟
هنا يستخدم جيجك تأييده الخجول لمقاومة الاحتلال، ليخفي تحته، تأكيده على إخلاص دولة الاحتلال في مساعيها للسلام، بما يتوافق مع الدعاية الصهيونية الرسمية، التي تروّج أن الفلسطينيين أعداء السلام، وأنّ “إسرائيل” هي واحة السلام.
المثال الخامس
ويورد لجون فويت هاجم خافيير بارديم وبينيلوب كروز لنقدهم قصف جيش الدفاع الإسرائيلي لغزة، واعتبرهم جاهلين بتاريخ ولادة دولة “إسرائيل” حين حصل اليهود على جزء من الأرض، خصص لهم عام 1921، وحصل العرب على الجزء الثاني” مشيراً لوعد بلفور. ويعتبر “إسرائيل” أمّة محبة للسلام، تدافع عن نفسها فقط حين تتعرض للهجوم.
النتيجة: باختصار شديد، يورد جيجك هنا عدداً من النماذج اليمينة المغرقة بالتطرف مؤشراً على تراجع الموقف العالمي من القضية الفلسطينية.
ولكن لماذا أورد هذه الأمثلة اليمينية المتطرفة جداً؟
ليبرر لنفسه موقفاً يمينياً معتدلاً، هذا كل ما في الأمر.
ما هو موقفه اليميني المعتدل؟ سنرى.
سادساً: الأرض مقابل السلام، الاستيطان، وهم دولة فلسطين
يقول جيجك أنّه بعد حرب 1967، ظهرت معادلة جديدة، هي الأرض بدل السلام، انسحاب “إسرائيل” لحدود 1967، مقابل اعتراف العرب الكامل بها. وظهر حل الدولتين، دولة فلسطينية مستقلة على الضفة الغربية وغزة، ودولة “إسرائيل”،رغم أنّ هذا الحل معترف به من الأمم المتحدة والولايات المتحدة و”إسرائيل”، إلّا أنّه تعرض للهجران، بسبب زيادة المستوطنات في الضفة الغربية، مما جعل فكرة سيادة الدولة الفلسطينية، مجرّد وهم.
هنا يظهر أخيراً منظور جيجك السياسي، فهو يدعم حل الدولتين، دون أن يضيره كماركسي، أنّ هذا الطرح يتماهى مع الطرح الإمبريالي الرسمي للأمم المتحدة والولايات المتحدة و”إسرائيل” حسب ما أورد جيجك نفسه، وهنا نصل للنقطة المركزية التي أراد أن يصل لها جيجك من خلال سياق طرحه أعلاه.
سابعاً: الدين والصهيونية
ثمّ يتعرّض جيجك لعلاقة الدين اليهودي باحتلال فلسطين، حيث يورد أمثلة من العهد القديم، على أوامر من الرب لجوشوا، باحتلال أرض الكنعانيين، وتقتيل أهلها، وماشيتهم وحميرهم، وتخريب مدنهم.
ليستنتج: أنّ قمّة السخرية، في أنّ دولة “إسرائيل” هي أكثر الدول إلحاداً في العالم، فمنطقهم يقول، (نحن لا نؤمن بالله، ولكن نؤمن بأنه منحنا الأرض)
هنا من جديد علاج ثقافوي أعمى لقضيّة مادية دموية.
ويتساءل: هل هذا يعني أن اليهود مذنبون بفعل تطهير عرقي أصيل؟ يجيب جيجك:”بالتأكيد لا. ففي الماضي، والماضي ليس البعيد جداً، كانت كل الأعراق تتصرف كذلك”.
فرضاً كانت كل الأعراق تتصرف كذلك، هل هذا يعني أن ذلك صحيح وشرعي يا سيّد جيجك؟ فرضاً كانت كل الأعراق يا سيد جيجك تنهب بعضها بعضاً، إذن من أين وجدت الأعراق المنهوبة.
لاحظ هنا، طول المسافة الماضية في الزمن السحيق، وكل تلك الطرق المتعرجة، التي يضطر جيجك لخوضها، ليؤكد فرضية زائفة مفادها، أنّ الصراع في فلسطين هو صراع أعراق، وبالتالي فإنّ حل الدولتين هو حل عادل نسبياً.
في النهاية، يخلص جيجك إلى درسين يجب استنتاجهما وتعلمهما من كل هذا:
الدرس الأول: يجب رفض كل ادّعاء بالحق في الأرض مبني على أساطير قديمة.
يقول: “لحل النزاع الفلسطيني – “الإسرائيلي”، أو لاحتوائه على الأقل، يجب علينا عدم النظر في الماضي السحيق، بل يجب علينا نسيانه.”
الماضي بمنظور جيجك، هو أوامر العهد القديم ومذبحة الكنعانيين على يد جوشوا، وبالتالي فإنّ من مصلحة الفلسطينيين واليسار العالمي أن ينسوا هذا الماضي، ولا يبحثوا عنه، لماذا؟ لإيجاد حل للنزاع بين عرق اليهود وعرق العرب.
ونسأل السيّد جيجك هنا، ماذا لو كان الماضي شيئاً مغايراً تماماً للهراء الذي تطرحه؟ ماذا لو كان الماضي بعظمته وامتداده يقف شاهداً كالشمس على حق الفلسطينيين بأرضهم، وأنّ الكيان الصهيوني هو أداة الامبريالية في المنطقة، زرع في جسد العرب، لنهب ثرواتهم وإخضاع شعوبهم؟ هل سيعني هذا الماضي ضرورة إيجاد حل سلمي بين المغتصِب والمغتصَبُ حقه؟ هل سيعني ضرورة احتواء وحل الصراع، والقبول بدولتين؟ لا، بل سيعني ضرورة الإطاحة بالكيان الصهيوني. هذا الماضي، هذا التاريخ، هو ما يخافه جيجك وأمثاله، هذا التاريخ نحن أبناؤه وحماته.
الدرس الثاني وهو الدرس الأصعب: أنّ اليهود أنفسهم سيدفعون حتماً ثمن سياساتهم الأصولية العرقية، والذي يقربهم بشكل غريب من معاداة السامية المحافظة.
هذه السياسات ستدفع باليهود، أكثر مجموعة مبدعة ومنتجة معرفياً في العالم، إلى أن تصير مجرّد مجموعة عرقية أخرى، تحنّ لدمها وأرضها.
هكذا ينهي جيجك مقاله، اليهود هم مجموعة عبقرية مميزة خارقة للعادة، يجب عليهم أن يتحملوا المسؤولية لأنهم الأقوى، وأن يوقفوا سياسات العنف، وأن يوقفوا الاستيطان، وأن يعودوا لحدود 1967، ويعترفوا بالدولة الفلسطينية، لأنّهم إن لم يفعلوا ذلك، سيصبحوا عرقاً عادياً، مثل العرب والفلسطينيين أو أي عرق آخر.
في هذا المقال، يظهر منهج جيجك الزائف، غياب للحد الأدنى من التحليل العلمي الرصين، غياب كامل للتمحيص الدقيق في التاريخ والحقائق، ناهيك عن غياب منهج ماركسي مادّي تاريخي من عقل هذا الدجّال.
في هذا المقال، يظهر أسلوب جيجك المعتاد كمهرج يلعب في فضاء الفكر والتاريخ والمعرفة، يجمع مجموعة من الأحداث المبعثرة، لخدمة نظرة ذاتية مغرضة ومشبوهة.
هناك الكثير من الدعاوي اليمينية التي يعجّ بها العالم، ولكن وجب نقد هذا المقال بالتحديد، لأنّ صاحبه يدّعي الماركسية، ويروّج الإعلام الغربي له كأخطر ماركسي في العالم، نعم هو خطير، خطير على الماركسية وعلى الحقيقة وعلى تطلعات الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة، وليس خطير أبداً على البرجوازية والإمبريالية والصهيونية.
نابلس/ 2017.05.31
——————–
(*) علي عامر:كاتب وباحث من فلسطين المحتلة.
عن صحيفة ميسلون
