قضايا النفط والغاز في منهاج الحكومة الجديدة (2026-2029)!
نصوص فضفاضة واغفال المسائل الأساسية
احمد موسى جياد
يتكون المنهاج من الديباجة واربعة عشر محور ومرتكزات تنفيذ المنهاج. تقديم المنهاج مطلب دستوري للحصول على ثقة مجلس النواب وعلى تركيبة الحكومة الجديدة، ويشكل الأساس الذي يعتمد لإعداد البرنامج الحكومي التفصيلي الذي تلتزم الحكومة بتنفيذه.
تهدف هذه المداخلة الى مساعدة وزارة النفط، باعتبارها المعنية والمسؤولة عن القطاع النفطي، في اعداد المكونات التفصيلية لمحور النفط والغاز في البرنامج الحكومي.
تتكون المداخلة من قسمين: يتناول القسم الأول عرض نصوص بنود محور النفط والغاز وتحليلها كل على حدة، ويتناول القسم الثاني بعض القضايا والمواضيع النفطية المهمة التي اغفلها المنهاج، والتي اقترح على وزارة النفط ادراجها في البرنامج التفصيلي التنفيذي لمحور النفط والغاز.
القسم الأول: مضامين المنهاج والملاحظات عليها
تضمنت الفقرة “ثانيا” المحور الثالث “الطاقة” في المنهاج تسعة بنود بشأن النفط والغاز. بعد القراءة المتأنية واعتماد منهجية تحليل النص وسياقه، أقدم في هذا القسم من المداخلة نص كل من هذه البنود وملاحظات مقتضبة جدا عليها.
اتسمت معظم نصوص البنود التسعة بالعمومية والصياغة الفضفاضة ذات الطبيعة الخطابية والتكرار وضعف فهم وتجاهل واقع ومتطلبات القطاع النفطي والمفاهيم المعروفة في الصناعة النفطية، كما موضح ادناه.
“بناء شراكات استراتيجية مع شركات النفط الدولية على وفق نموذج يضمن تحقيق المصالح الوطنية.”
أولا: يتكون القطاع النفطي العراقي من أربع قطاعات جزئية رئيسية متباينة في المهمة والهيكل التنظيمي والاطر القانونية، ولكنها متكاملة ضمن القطاع النفطي. ان ما يجب ان ينظم العلاقة بين تلك القطاعات وشركات النفط الدولية هي العقود الملزمة كأدوات قانونية، سواء بوجود او عدم وجود “شراكات استراتيجية” مع تلك الشركات. ولا يجوز حصر واشتراط توقيع العقود مع شركات النفط الدولية باي شكل من اشكال الشراكات الاستراتيجية. يضاف الى ذلك ان مفهوم الشراكة الاستراتيجية في القطاع النفطي بحاجة الى تحديد دقيق صحيح وعملي.
ثانيا: وبسبب التباين الكبير في طبيعة ونوعية واهمية نشاطات القطاعات النفطية الجزئية، تتباين تبعا لذلك العقود مع الشركات الدولية المنفذة. وعليه لا يمكن وليس من المعقول فنيا وقانونيا اعتماد “نموذج” معين. مثلا: تختلف عقود تطوير الحقول باختلاف حالة ونوعية الحقول، وتختلف عن عقود الرقع الاستكشافية. وعقود بناء المصافي تختلف كليا عن عقود توسيع منافذ التصدير، وعقود حفر مجموعة من الابار النفطية تختلف كليا عن عقود مد انابيب النفط الغاز…وهكذا.
ثالثا: التركيز على ما “يضمن تحقيق المصالح الوطنية” غير كافٍ، مطاط للغاية ولا يلبي المبدأ الدستوري الذي يلزم بتحقيق “اعلى منفعة للشعب العراقي”.
“انجاز مشاريع الغاز المصاحب وزيادة انتاجه ورفع نسبة إيقاف حرقه في سد الحاجة المحلية وتقليل استيراده.”
أولا: من الاوليات المعروفة، ارتباط انتاج الغاز المصاحب بإنتاج النفط الخام. ولكن لم ترد حتى ولا كلمة واحدة عن انتاج النفط الخام في فقرة النفط والغاز. فكيف تحقق الحكومة الجديدة زيادة انتاج الغاز المصاحب مع اغفال انتاج النفط الخام!!؟؟
ثانيا: التزمت وزارة النفط بمبادرة البنك الدولي “صفر حرق الغاز المصاحب” بحلول 2029/2030، أي بنهاية عهد حكومة الزيدي. وهذا الالتزام يحتم على الحكومة الحالية انهاء حرق الغاز المصاحب بنهاية ولايتها.
ثالثا: لا يصدر الغاز المصاحب ولا يستورد كما هو. لابد من معالجته والاستفادة من مكوناته المختلفة في الصناعات البتروكيماوية، وما يصدر منه يكون بأحد الاشكال التالية: الغاز الجاف او ما اصطلح على تسميته غاز الانابيب، الغاز السائل LPG والغاز المسال LNG.
“تعزيز البنى التحتية لزيادة وتنويع منافذ التصدير من خلال بناء وربط شبكات النقل بالأنابيب، وتوسعة موانئ التصدير وتطويرها وزيادة سعاتها الخزنية.”
هذا موضوع مهم جدا ويجب ان يحظى بأولوية تنفيذية مباشرة، حيث توجود مشاريع عديدة ذات علاقة وخاصة في منافذ التصدير الجنوبية اعتمدت منذ عدة سنوات ولكن تلكئت الوزارة بتنفيذها. فليس من المصلحة الوطنية اهمال تنفيذ مشروع توسيع خزانات الفاو، واقتراح بناء خزانات في ميناء دقم في سلطنة عمان!!! كما ليس من الصواب المهني تفكيك مجمع المفتية في البصرة لبناء شاليهات وحديقة حيوانات!!
“العمل على تشريع قانون النفط والغاز.”
يتكرر ذكر تشريع هذا القانون في جميع مناهج وبرامج الحكومات المتعاقبة، وبطلب من حكومة الإقليم. وعلى الرغم من عرض ومناقشة عدة مسودات منذ عام 2004 وبمناسبات عديدة، إلا انه لم يتم الاتفاق على أي مقترح لأسباب جوهرية شائكة عديدة لا مجال للخوض بها. ومن الجدير بالذكر عدم الإشارة الى هذا القانون في البيان الرسمي عن اللقاء بين رئاستي الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم الذي عقد في بغداد 23 ايار 2026، علما توجد أصوات في مجلس النواب تدعو لتشريع القانون.
“إعمال “قانون الاستثمار الخاص في تصفية النفط الخام رقم 64 لسنة 2007″ لزيادة الطاقة التكريرية في المصافي النفطية ورفع حجم الصادرات للمشتقات النفطية.”
أولا: على الرغم من مرور عشرون عاما على تشريع القانون واجراء تعديلات عديدة مغرية عليه، لا مبرر اقتصادي لها، لم يتم، لغاية تاريخه، اكمال تنفيذ أي مصفى استثماري.
ثانيا: تم خلال فترة وزير النفط عادل عبد المهدي في النصف الأول من حكومة حيدر العبادي توقيع عقد مصفى ميسان الاستثماري مع شركة ستاريم السويسرية، المفلسة ماليا وغير المؤهلة فنيا ومعدومة الخبرة في انشاء المصافي الحديث على أساس يورو 5 وبطاقة 150 الف برميل يوميا. لم تعد وزارة النفط حتى على ذكر هذا المصفى!!!
ثالثا: تم خلال فترة وزير النفط جبار لعيبي في النصف الثاني من حكومة حيدر العبادي الترويج الى وتوقيع عقد مصفى الفاو الاستثماري بطاقة 300 الف برميل يوميا. بعد حوالي عشر سنوات، لم تنشر اية بيانات حتى عن بداية تنفيذ المصفى.
ثالثا: أُعلن خلال حكومة محمد السوداني رفع الطاقة الإنتاجية لعدد من المصافي القائمة، التي يكون زيت الوقود/النفط الاسود حوالي نصف انتاجه. وقد صرح السوداني بزيادة الطاقة التصميمية للمصافي في عهده الى 1.2 مليون برميل يوميا. علما ان انتاج النفط الأسود يشكل محددا مهما لإنتاج المصافي في حالة تعثر تصديره.
رابعا: لازال الموقع الالكتروني لوزارة النفط، ومنذ عدة سنوات، يواصل الإعلان عن العديد من المصافي للاستثمار. دون اية استجابة جدية.
“تعظيم الإيرادات من خلال سلسلة ذات قيمة متكاملة عبر تحديث المصافي، وتطوير الصناعات البتروكيماوية.”
أولا: هذا البند يكرر البند السابق، ولكن بصيغة مختلفة! ومع ذلك فان ما يجب نهجه هو بناء مصافي حديثة تستجيب لمتطلبات الطلب المتزايد على المنتجات النفطية، ولان ذلك مجدٍ اقتصاديا أكثر من “تحديث المصافي” القديمة القائمة حاليا والتي يبلغ زيت الوقود/النفط الأسود حوالي نصف انتاجها. لقد قامت وزارة النفط عام 2012 بتكليف شركات استشارية دولية لإعداد دراسات FEED تفصيلية لخمسة مصافٍ حديثة بمستوى “يورو5″، فلماذا يتم تجاهلها والدعوة لتحديث المصافي القديمة وطاقتها الإنتاجية المحدودة!
ثانيا: ان انشاء المصافي الحديثة وتطوير الصناعات البتروكيماوية تمثل شكل من اشكال التغييرات الهيكلية العمودية المطلوبة في القطاع النفطي وفي الاقتصاد العراقي: أي التغيير الهيكلي باتجاه سلسلة قيم Value Chain مرتفعة، بدلا من تصدير النفط الخام. ولهذه التغييرات الهيكلية العمودية المطلوبة مزايا عديدة، ضمن منهجية التنمية المستدامة، بضمنها الايرادات المالية. فلماذا يركز المنهاج الحكومي على جانب الإيرادات المالية فقط، ويغفل الجوانب الأخرى المهمة للغاية!!
ثالثا: كثفت التصريحات الرسمية لحكومة السوداني خلال فترة الاعداد للانتخابات على “هبة المصافي” التي دعت الى ووعدت بتوسيع المصافي والبتروكيماويات في المحافظات المنتجة. هذا النهج المتخبط غير المدروس يحتاج الى المراجعة الجدية، واعتماد، بدلا عنه، تخطيط الأولويات المستند على الجدوى الاقتصادية المقارنة.
رابعا: على قدر تعلق الامر بصناعة البتروكيماويات، أرى من المفيد التذكير بمصير ثلاثة مشاريع: مشروع “نبراس” مع شركة شل ووزارة الصناعة والمعادن، حيث انسحبت الشركة بعد عشر سنوات من التفاوض. مشروع البتروكيماويات ضمن مصفى الفاو، الذي لم يتم البدء بتنفيذه بعد عشر سنوات من إعلانه. مشروع البتروكيماويات ضمن مشروع تطوير حقل الطوبة/مشروع البصرة المتكامل الذي اعتمدته حكومة السوداني. اليس من المفروض التركيز على تنفيذ هذه المشاريع وتحديد أولويات تنفيذها في ضوء دراسات الجدوى الاقتصادية المقارنة، بدلا من الوعود الشعبوية المتخبطة!!
“رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية والغاز الطبيعي، وتقليل الاستيراد وتحويل تكلفته الى إيرادات تدعم التصدير.”
أولا: تحليليا، يكرر هذا البند، من حيث الجوهر، ما ورد في البندين السابقين 6 و7. يضاف الى ذلك ركاكة صياغته وهشاشة المنطق الاقتصادي التنفيذي الذي يستند عليه.
ثانيا: ألم تعلن حكومة السوداني تحقيق الاكتفاء الذاتي في انتاج المشتقات النفطية في الربع الأخير من عام 2025 وأوقفت استيراد تلك المشتقات ابتداء من عام 2026! ثم اضطرت، بسبب العدوان الأمريكي-الاسرائيلي على إيران، الى استيراد النزين والديزل/كازاويل، بل وحتى غاز الطبخ LPG بعد بروز ازمة توفرها في الأسواق الداخلية بشكل كبير وواضح.
ثالثا: يبدو ان من اعد بنود المنهاج هذه غير ملم بتبعات ازمة مضيق هرمز على الاقتصاد العراقي عموما والقطاع النفطي خصوصا، على قدر تعلق الامر بإنتاج وتصدير واستيراد المنتجات النفطية.
“انجاز المحطات الثابتة لاستيراد، وتصدير الغاز في ميناء الفاو الكبير.”
أولا: هذا البند غير دقيق تقنيا وهيكليا وتعاقديا. فهذه المحطات مخصصة حصرا باستيراد الغاز المسال LNG.
ثانيا: تأخر تنفيذ شركة “إكسيليريت إنرجي” الامريكية لهذا المشروع بسبب العدوان. كما تشير المعلومات الى قيام الشركة بتوجيه المعدات المخصصة لمشروع الفاو الى مشروعها في الأردن، مما سيؤثر حتما على تأخير انجاز مشروع الفاو الى العام القادم.
ثالث: وفيما يتعلق باستخدام المحطات لتصدير الغاز المسال من العراق، فهذا غير ممكن خلال حكومة الزيدي لأسباب تقنية ولوجستيكية ومالية ومحدودية توفر كميات الغاز التي تبرر جدوى تسييل الغاز المكلفة للغاية.
“تطوير الصناعات التحويلية وربط النفط والغاز بسلاسل القيمة الصناعية.”
يكرر هذا البند، من حيت الجوهر، ولكن بعبارات اخرى، ما ورد في البنود 5 و6 و7. وعليه ما ذكر بشأن تلك البنود ينطبق على هذا البند.
القسم الثاني: مسائل مهمة اغفلها المنهاج
اضافة الى ما تقدم فقد أهمل المنهاج مسائل اساسية ومهمة للغاية ومؤثرة تتعلق بالنفط والغاز على مختلف المستويات القطاعية والاقتصاد العراقي والمحيط الإقليمي والارتباطات الدولية وأسواق النفط الرئيسية وغيرها.
اولا: لا يبدو ان للحكومة الجديدة سياسة نفطية، حيث لم تتم الاشارة ولو بجملة واحدة الى موضوع السياسة النفطية المتكاملة التي تعتمدها الحكومة وتلتزم بتنفيذها.
ثانيا: لم يذكر أي شيء عن ضرورة تنفيذ مشاريع تطوير الحقول النفطية والغازية المتعاقد عليها حاليا وما يرتبط بها من مشاريع أخرى مثل حقن الماء، وضمن خطط وزارة النفط السنوية لإنتاج النفط واستثمار الغاز المصاحب والغاز الحر خلال فترة الحكومة.
ثالثا: كما انه لم يتم ذكر دور الجهد الوطني المباشر في مشاريع تطوير الحقول ولم يذكر ضرورة زيادة دور الكوادر العراقية في مشاريع تطوير الحقول النفطية والغازية المتعاقد عليها حاليا.
رابعا: عدم ذكر اهمية المحافظة على وتعزيز حصة النفط العراقي في اسواق النفط الدولية الرئيسية، ودور شركة سومو في هذا المجال.
خامسا: إغفال ذكر دور العراق في منظمة اوبك ومجموعة “اوبك+” واهمية سعي العراق لزيادة حصته ضمن انتاج المجموعة.
سادسا: عدم ذكر التعاون الرسمي/الحكومي الثنائي في مجالات النفط والغاز، وخاصة ما يتعلق بأنابيب التصدير، الحقول الحدودية، تمويل المشاريع وغيرها.
سابعا: لم يرد أي ذكر لموضوع الشفافية وتنفيذ التزامات العراق بحكم ارتباطه بمبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية منذ عام 2009، والتي تتطلب الإفصاح التام عن البيانات والمعلومات والاحصائيات والعقود والاتفاقيات المتعلقة بالنشاطات التي تعنى بها المبادرة.
ثامنا: عدم الاشارة الى قرارات الادارة الامريكية وتأثيراتها السلبية على القطاع النفطي وكيفية التعامل لمعالجتها، وخاصة ما يتعلق باستيراد الغاز من او عبر إيران، وعقود الشركات الروسية في تطوير الحقول والرقع الاستكشافية النفطية.
تاسعا: عدم الاشارة الى الازمة المالية، الناجمة عن انقطاع عوائد الصادرات النفطي منذ بداية العدوان الحالي، وتأثيراتها على تنفيذ المشاريع النفطية التي تضمنها المنهاج.
عاشرا: الاغفال التام لازمة حركة الملاحة البحرية في الخليج وبحر عمان بسبب العدوان على إيران، على الرغم من فداحتها وتأثيراتها الكارثية على القطاع النفطي العراقي.
أحد عشر: لم يتضمن المنهاج أولويات محددة وافاقها الزمنية لمشاريع تطوير القطاع النفطي.
أثني عشر: عدم الإشارة الى معالجة القضايا النفطية مع حكومة الإقليم (عدا ذكر موضوع قانون النفط والغاز)، وهل تعتبر الترتيبات التي اتفق عليها خلال حكومة السوداني أساسا للمعالجة.
ثلاثة عشر: لم يتم ذكر ضرورة التحرك الجدي بشأن انبوب النفط العراقي عبر السعودية بهدف استعادته والاستفادة منه كمنفذ مهم لتصدير النفط العراقي عبر ميناء المعجز في ينبع على البحر الأحمر.
في ضوء ما تقدم، ارى قيام وزارة النفط، باعتبارها المسؤولة عن القطاع النفطي، الاخذ بنظر الاعتبار ما ورد في هذه المداخلة واعداد مكونات محور النفط والغاز في البرنامج الحكومي التفصيلي، تحدد فيه: الأولويات، الأهداف، البرامج والمبادرات، الإجراءات، مؤشرات القياس، التوقيتات الزمنية، التكاليف ومصادر التمويل، المسؤوليات، جهات الدعم والاسناد، وغيرها من الأمور التي ترتئي الوزارة ضرورة ذكرها والتركيز عليها في البرنامج الحكومي.
ارجو نشر وتوزيع هذه المداخلة لتوسع المشاركة وتعميم الفائدة وتوفير المعلومة.
كل عام يعم السلام والجميع بخير ووئام.
النرويج 30 أيار 2026