النواحي الإنسانية والأخلاقية لما بعد الحرب!
د. وسام جواد*
عودة المنتصرين :
بلغ تعداد الجيش السوفيتي في نهاية الحرب العالمية الثانية أكثر من 11 مليون جندي وضابط. ووفقا للإحصاءات السوفيتية الرسمية، عاد الى الوطن 836 1.562 من مجموع 5.5- 5 مليون أسير، حيث قتل، أو مات منهم 3 مليون، بسبب الجوع والبرد والأمراض .
ويضاف الى أعداد الأسرى العائدين، مئات الالوف من رجال المقاومة الوطنية، والآلاف من البوليساي Polizei (الخونة، الذين التحقوا وخدموا بوحدات الشرطة الألمانية في المناطق المُحتلة، وساهموا في القتل والتعذيب وحرق المنازل، ثم عادوا بوثائق مزورة، منتحلين صفة الأسرى المُحرّرين من المعتقلات النازية ).
وضَعت عودة الملايين من المقاتلين، والأسرى، والمُبعدين قسرا، مهاما صعبة أمام السلطات السوفيتية، فاقت القدرة على تجاوزها، لضعف الإمكانيات المتاحة في وقتٍ، تطلبت فيه الأولوية، تأمين العلاج السريع للجرحى والمرضى، وتوفير السكن، وفرص العمل للعائدين، الذين صدمهم هول الدمار، الذي حل بمدنهم (1710 مدينة مدمرة، كستالينغراد، وسيفاستوبل، ومينسك، ونوفوغورود 85 -90 %) والقرى والأرياف، التي دُمِر وأحرق منها أكثر من 70000 قرية ( أحرقت بعض القرى بسكانها، كما حصل في خاتين البيلوروسية، وقرى أخرى إحتلها النازيون ).
النواحي الإنسانية :
– واجه الجرحى، وخاصة اولئك، الذين فقدوا أطرافهم في المعارك، مشاكل كبيرة في التكيف مع الواقع، الذي حلموا وإعتقدوا بأنه سيكون أفضل لهم، وأرحم بهم من معسكرات الإعتقال. لكن الرعاية الصحية والعناية الحكومية المحدودة، زادت من خيبة الأمل، بحل احتياجاتهم على عجل، وظلوا بانتظار الحصول على الأطراف الصناعية، لا لأسابيع وأشهر، بل لسنوات أحيانا، وكانت حين تصلهم بنوعيةو رديئة.
– ومن بين الأمور، التي أفرزتها الحرب، أن الأطفال، الذين ولدوا في عامي 1940-1941 بلغوا من العمر 4-5 سنوات بنهايتها، ولم يتعرفوا على آبائهم العائدين من جبهات القتال إلا من خلال أمهاتهم والصور، التي إحتفظن بها .
– لم يجد العائدون سوى أطلال قراهم، وهياكل بيوتهم المحترقة، واختفاء ساكنيها، ولم يبق لهم غير خيارالقبول بقدرهم، واقناع أنفسهم بما لم يكن في حسبانهم قبوله من التحمل والصبر على بلوى الحرب والسِلم معا.
النواحي الأخلاقية :
– لم تدم فرحة الأسرى المُحرّرين والمُهجّرين للعمل في المانيا، طويلا. فقد تعرض الكثير منهم للإهانات والتهديد والوعيد أثناء الاستجواب والمحاكمات من قبل لجان التحقيق التابعة لجهاز الأمن السوفيتي (NKVD ) هذه المرة، واضطروا لسماع الإتهامات المختلقة بالتعاون مع النازيين أثناء وجودهم في الأسر، أو أثناء عملهم القسري، إعتمادا على وشايات شفهية غير موثقة (عمل بعض الأسرى مع الألمان، في المصانع والمؤسسات العسكرية الخدمية والتموينية الداعمة للجيش النازي لا حبا بالنازيين، وإنما من أجل البقاء على قيد الحياة بعد أن شاهدوا عمليات الإعدام السريعة لغير المتعاونين. لكن هذا، لا يُعطي حق التعميم على جميع الأسرى، كمتعاونين مع الإحتلال. فقد كان هناك الكثير ممن رفضوا ، ومن عملوا مضطرين، وكان من بينهم أيضا، مَن عمل معتقدا بأن النظام الألماني سيمنحه فرص حياة أفضل بعد القضاء على النظام السوفيتي. أما أفراد البوليساي، الذين تعانوا وعملوا مع الشرطة الألمانية، وشاركوا في الاعدامات العلنية، وحرق البشر والشجر والحجر بمحض ارادتهم، فقد كان مصيرهم محسوما ومحتوما، أقصاه الإعدام، وأقله النفي الى سيبيريا 25 سنة ).
– أظهرت الحرب قدرة النساء السوفيتيات على المشاركة الفعالة في المعارك البرية والجوية، واشتهر بعضهن كأفضل قناصات محترفات، كلودميلا بافليشينكو وكلاوديا كالوغينا ولينا بيروفا. لكن هذا الجانب المشرق لدور النساء وتضحياتهن في الحرب ، لم يحل دون التلميح الى الجوانب السلبية، المُفتعلة من قبل الإعلام الخارجي، والعناصر الداخلية الضالة حول وجود النساء في مختلف الجبهات، لا بدوافع وطنية، وإنما لأسباب شخصية، إنطلاقا من بعض الحالات، التي قادت الى خطأ التعميم.
– وصف بعض السياسيين و”الصحافة الحرة”، سلوك الجنود السوفيت بـ” اللا إنساني وغير الأخلاقي”، بسبب حالات النهب والسلب، وحتى الإغتصاب التي وقعت بعد سقوط برلين. وعلى الرغم من صدور قرار صارم من القيادة السوفيتية بحق المتجاوزين، إلا ان “الفرهود” لم يتوقف. وتبين لاحقا، أن المارشال جوكوف، لم يختلف، ولم يتخلف عن ضباطه وجنوده وذلك بشحنه 7عربات قطار محملة بالموبيليا، والتحف النادرة، واللوحات الفنية، والحرير، السجاد الإيراني، والأنسجة السورية ولوازم المطبخ الثمينة.
نعم، لقد حصل كل هذا، ولا مجال لنفيه ولكن، يجب الأخذ به كنتيجة للسبب، الذي تتحمل مسؤوليته المانيا النازية بالغائها وخرقها الاتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي، وشنها الهجوم المفاجئ على أراضيه في 22 حزيران 1941، ومقتل 26.6 مليون مواطن سوفيتي، بفعل قصف المدن، وحرق القرى والأرياف.
فهل يُتوقع مِن مَن دُمر منزله، وأحرقت قريته، واختفت أسرته، أن يلتزم بمعايير إنسانية وأخلاقية تجاه عدوه، الذي لم يعترف قطعا بأبسط هذه المعايير ؟.
لقد عُرفت أعداد الملايين العائدين من الجبهات والمعتقلات، ورتبت لهم تدريجيا ظروف إعادة التأهيل، والمعيشة البسيطة ولكن، ما بقي وسيبقى مجهولا هو : أين اختفت جثث 8.66 مليون عسكري سوفيتي، وكيف دفنوا (إن دفنوا) ؟ وماذا عن 4-5 مليون ألماني قتيل على الجبهة الشرقية، و 2.5 مليون مفقود. وأين انتهت حياة 1.5 مليون من حلفاء المانيا: ايطاليا (39 ألف)، رومانيا ( 624 ألف)، هنغاريا ( 500 ألف) وفنلندة ( 84 ألف) ؟ .
إنها ويلات الحروب، ومصدر مآسي الشعوب، ودمار الغالب والمغلوب، فهل مَن يَعقِل ويتوب ؟.
موسكو / 16.08.2026