قصيدةٌ بدون كلمات!

كريم عبد السلام*
قصيدةٌ بدونِ كلمات..
كأنها نخلةٌ وحيدةٌ على شاطئ نهرٍ منسىّ،
تطرحُ جميعَ أنواعِ الفاكهة، فورَ أنْ تَخطُر على قلبكَ
وعندما تسقطُ الثمرةُ فى روحكَ،
تنطقُ اللغةُ بلسانكَ
وتكونُ تحتَ سطوةِ الأفاعى الثلاث التى تحرسُ النخلةَ
أفعى سوداءُ وأخرى ذهبيةٌ وثالثةٌ مرقطةٌ، لا تعرفُ النوم،
تفتح أفواهَها عن أنيابٍ معقوفةٍ أمام الداخلين فى التجربة،
وتعرضُ ثمارَها التى تدلتْ وطابتْ.
تفاحةٌ سقطتْ أمام “فروست” فكتبَ:
“بعد قطف التفاح”،
وظلتْ أغلبُ الثمار فى موضِعها عاليةً، لا سبيلَ للوصولِ إليها،
إلا عَبْرَ القبولِ بالثمنِ الباهظِ..
أنْ تقدمَ روحكَ للأفاعى الثلاث، أنْ تصبحَ شبحاً..
القصيدةُ أسقطتْ تَمْرةً خضراويةً أمام “السيّاب”،
فاستمر ينادى مثلَ طفلٍ أبعدوه عن أمّهِ: “عراق..
الريحُ تصرخ بي عراق…. ليس سوى عراق”
ورغم مرور ستين عاماً،
مازال “السيّابُ” ينادى من شواطئ الخليج
من يُنزلها من عليائها،
مَن يقطع رءوسَ الأفاعى الثلاث، تتجلى له القصيدةُ نبعاً دائماً،
يفيض، حتى السُّكْرِ والاتحادِ مع النجوم ومواسم الماء والتراب والنار والهواء
إلى أن تنبتَ رءوسُ الأفاعى من جديد
من يُروّض القصيدةَ، تتحول معه إلى لبؤةٍ من كلمات،
يمُسّد فراءها ويُطعمها،
ويحلم أن تنامَ على ساقه،
آمناً من عقرتِها المميتة.
……
القصيدةُ بها رائحةُ موتٍ،
لا ، رائحةُ قَتْل
شقيقان يقتتلان وغرابٌ ينتظر..
ثم يصيح مبتهجاً وهو ينتقلُ من غصنٍ إلى غصن،
حين يقتلُ الشقيقُ شقيقَه،
يُحجم الغرابُ عن دفنِ القتيل
القتيلُ ينزفُ، والغرابُ يدعو جماعَته ليشربوا الدمَ المسفوح
والقاتلُ يسعى لإخفاءِ الحجرِ المغموسِ بالدمِ فى باطنِ الأرض،
والأرضُ تلفظ الحجرَ كلَّ مرّةٍ ، وتضعُه فى طريقِ القاتل
الشقيقُ المقتولُ فى العراءِ لا يجدُ من يدفنه،
والقاتلُ يريد دفنَ الجريمةِ ويخشى جثةَ أخيه،
يخشى أن يقتربَ من دمهِ الحى، حتى لا تعودَ الروحُ للجسد،
ويسعى للثأر
عند الشروقِ، تنعقُ الغربانُ وتدور حول القتيل،
والدمُ المُراقُ لا ينضبُ كأنما يحمل وعداً،
نداءً غامضاً من بحرٍ إلى غرقاه..
القصيدةُ بلا كلمات،
لكنها تُقدّم شاهداً وحيداً لقبرٍ يتسعُ لأحلامِ المقتول
والوحشُ يتلو صلاته، حتى تحلَّ الفريسةُ فى بدنِه
والأفاعى الثلاثُ تطرحُ الأسئلةَ على الشعراء،
قبل أن تقتلَهم أو تسمحَ لهم بالمرور ..
السوداء : هل ينهض المقتولُ من الموت؟
الذهبية : هل يموت القاتلُ من الندم؟
والمرقّطة : هل يتراجع الغراب عن العصيان ؟
· شاعر من مصر
2026-01-16