عن تاريخ مايكل كوك الجديد للعالم الإسلامي
مؤلف “الهجريون”، ينتهي إلى تاريخ لا يثير الجدل عن الإسلام
سعيد محمد*
يمثل صدور كتاب مايكل كوك (Michael Cook) الأحدث، “تاريخ العالم الإسلامي: من أصوله حتى فجر الحداثة”، حدثاً كبيراً في حقل الدراسات الإسلامية. فنحن لسنا أمام كتاب عادي، بل أمام ما يمكن اعتباره بحق “خلاصة” مسيرة مهنية طويلة ومعقدة لأهم مؤرخ على قيد الحياة اليوم متخصص في التاريخ الإسلامي. كوك ليس مجرد اسم أكاديمي كبير، بل مدرسة في المنهجية النقدية والصرامة الفيلولوجية – أي فهم اللغات والثقافات من خلال مصادرها المكتوبة والتاريخية في فضاء التقاطع بين النقد الأدبي، والتاريخ، وعلم اللغة (اللسانيات) – التي شكلت المجال لعقود.
لذلك، فإن هذا الكتاب هو وثيقة بحد ذاتها. كوك، الأستاذ في برينستون، والرجل الذي أشرف على “تاريخ كامبريدج الجديد للإسلام”، يقدم لنا في هذا المجلد الضخم (قرابة الألف صفحة) عصارة عمر من البحث والتدريس.
لا يمكن لأي ناقد، مهما كانت خلفيته، إلا أن يقف باحترام أمام هذا المنجز. لكن هذا الاحترام لا يمنع من طرح أسئلة نقدية، خصوصا من منظور مادي يقرأ التاريخ وتاريخ كتابة التاريخ نفسه. هذا الكتاب، برأيي، هو عمل عظيم ومخيب للآمال في آن واحد؛ عظيم في تركيبه وسهولته، ومخيب في تراجعه الأيديولوجي الواضح عن المواقف الجذرية التي جعلت من كوك اسماً لامعاً في الأساس.
الإنجاز: التركيب وسهولة العبور
يطرح كوك على نفسه تحدياً هائلاً: كيف يمكن كتابة تاريخ واحد يمتد لأكثر من اثني عشر قرناً (من القرن السادس حتى عام 1800 تقريباً) ويغطي جغرافيا تمتد “من المغرب إلى مينداناو”؟ الجواب، كما يعترف كوك نفسه في مقدمته، هو “بترك معظمه جانباً”.
هنا تكمن العبقرية الأولى للكتاب. يتمتع كوك بأسلوب “سقراطي” و”ساخر” أحيانا، يدعو القارئ للتفكير معه في “الأسئلة الجيدة” للتاريخ، وكتابه عمل يركز ببراعة على “صناعة الدول وتفككها، والتحولات الثقافية الكبرى التي تؤثر على أعداد كبيرة من السكان” في سرد بانورامي ضخم، لكنه مكتوب بأسلوب رشيق ومدهش في سهولته.
هذه السهولة في العبور دون تفريط أكاديمي هي ميزة نادرة لدى كوك الذي لا يضحي بالدقة الأكاديمية. فالكتاب مدعم بهوامش ومراجع تظهر إلماماً هائلاً بالمصادر الأولية والثانوية، لكنه ينجح في تقديم هذه المادة المعقدة للقارئ العام وللطالب الجامعي دون أن يشعره بالضياع في بحر التفاصيل وسلالات الحكم التي لا تنتهي (رغم أن بعض الفصول، مثل تلك التي تغطي تفكك الخلافة العباسية، لا تخلو من سرد مكثف للسلالات الكردية والمحلية).
بالنسبة للقارئ العربي تحديداً، يقدم الكتاب خدمة جليلة. فنحن غارقون إما في كتابات تاريخية محلية مؤدلجة (تبريرية أو هجومية) أو في ترجمات لأعمال أكاديمية غربية شديدة التخصص وجافة الأسلوب أو مستشرقة في منطلق تناولها للتاريخ. كوك يقدم مخرجاً ثالثاً: نظرة شاملة، نقدية، لكنها مكتوبة بمتعة وقابلية عالية للقراءة.
في هذا السياق، يضع كوك تجربتنا العربية ضمن سياق “إسلامي” أوسع شمل الفرس والأتراك والهنود والأفارقة، محرراً إيانا أحياناً من مرض التمركز حول الذات. إنه ينجح في مهمته الأساسية لإنجاز عمل تركيبي ضخم، وهو بلا شك سيحل محل “مشروع الإسلام” (The Venture of Islam) لمارشال هودجسون كمدخل أساسي لهذا التاريخ في الأكاديميا الغربية لعقود قادمة.
التراجع: من “الهجريين” إلى القبول بالرواية
هنا نأتي إلى المسألة التي أثارت جدلاً وهي النقطة الجوهرية في تقييم هذا العمل فكرياً. مايكل كوك هو نفسه الباحث الذي، بالاشتراك مع باتريشيا كرونة (Patricia Crone)، زلزل الدراسات الإسلامية المبكرة بكتابهما “الهجريون: صناعة العالم الإسلامي” (Hagarism: The Making of the Islamic World) عام 1977.
كان “الهجريون” محاولة ثورية وجذرية لقراءة التاريخ المادي لنشأة الإسلام. لقد كان تطبيقاَ صارماً للمنهج التاريخي النقدي، تجاهل فيه كوك وكرونة عمداً المصادر الإسلامية التقليدية (العربية) لأنها كتبت بعد قرون من الأحداث (أي اعتبراها بناءً أيديولوجياً لاحقاً)، واعتمدا حصراً على المصادر المعاصرة غير الإسلامية (السريانية واليونانية والأرمنية والقبطية)، والتي قدمت صورة مادية مختلفة تماماً.
النتيجة كانت صادمة للجميع: صورة لنشأة الإسلام ليس كدين جديد ومكتمل في مكة والمدينة، بل كحركة “هجرة” (Hagarism) عربية قومية توحيدية، متأثرة بشدة باليهودية السامرية والمسيحية، هدفها المادي والسياسي هو استعادة “أرض الميعاد” في فلسطين من البيزنطيين.
من منظور عصري، كان “الهجريون” كتاباً مهماً للغاية. ليس لأنه “معاد للإسلام” كما اُتهم، بل لأنه حاول نزع القداسة عن “النص” و”السردية”، وحاول العثور على الجذور المادية والسياسية والاجتماعية للظاهرة. محاولة جريئة لقراءة “ما تحت النص”، للبحث عن المصالح المادية والبنى الاجتماعية التي أنتجت الظاهرة الدينية.
الآن، وبعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً، يأتي “تاريخ العالم الإسلامي” ليمثل تراجعاً كاملاً عن هذا الموقف. كوك لا يتجاهل الأمر، بل يعترف به صراحة، فكتب: “قبل بضعة عقود، ظهر ثمة تشكيك جذريّ تجاه تقبل المصادر العربية، وفي شبابي لعبت دوراً في هذا التحول”.
لكن النتيجة اليوم؟ إنه يقبل بتلك المصادر نفسها.
هذا هو التراجع الذي أعنيه. كوك، المؤرخ العظيم، يقدم لنا اليوم تاريخاً يرتكز بشكل كبير على ذات المصادر العربية التقليدية التي بنى مجده الأكاديمي الأول على تفكيكها والتشكيك بها. هو الآن يقبل “النص” التقليدي كحقيقة تاريخية تقريباً، متراجعاً عن البحث النقدي الجذري في “ما تحت النص” وما وراءه. وتلك ردة جلية من المادية النقدية إلى نوع من الوضعية التاريخية التي تقبل المصدر كما هو. بالطبع، هو يتناولها بقراءة نقدية، لكنه لم يعد ذلك الناقد الجذري الذي صدم العالم. لقد عاد إلى الحظيرة، مقدما لنا تاريخاً “آمنا”، تاريخاً يرضى عنه الجميع، تاريخاً لا يثير زوابع.
التفسير المادي للتراجع الأكاديمي
لماذا هذا التراجع؟ هل هو “نضج” فكري بحكم الخبرة المديدة والتجربة؟ هل هو مجرد اكتشاف لأدلة جديدة (مثل المخطوطات القرآنية المبكرة) أثبتت خطأ “الهجريين”؟
أشك في ذلك. التفسير، برأيي دائماً، يجب أن يكون مادياً أيضاً، لكنه لا يتعلق بتاريخ القرن السابع، بل بتاريخ القرن الحادي والعشرين.
إن كتابة التاريخ لا يمكن أن تكون فعلاً بريئاً ومنفصلاً عن سياقه المادي والسياسي. الأكاديميا الغربية، وتحديداً الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية، هي حقل يخضع لأجندات سياسية وضغوط تمويلية هائلة.
ولذلك لا يمكن أن نتلقى عملاً تأريخياً دون أن يظل سعي الأكاديميا الغربية لتجنب إغضاب الممولين الخليجيين ودورها في تعزيز المنهج الاستخباراتي في إدارة الهيمنة على الشرق – الممتد من بروناي إلى طنجة – في خلفية المادة. منذ السبعينيات، ومع تدفق الثروة النفطية، أصبحت دول مثل المملكة العربية السعودية ولاحقاً قطر والإمارات لاعبين أساسيين في تمويل الكراسي الأكاديمية والمراكز البحثية والمؤتمرات في جامعات كبرى مثل هارفارد وبرينستون وجورجتاون.
هذه الدول لديها مصلحة “مادية” مباشرة في دعم “الرواية التقليدية” للإسلام كمكون من مكونات شرعيتها السياسية المبنية بنحو أو آخر على هذه الرواية.
إن كتاباً مثل “الهجريين”، الذي يشكك في جوهر هذه الرواية ويقترح أصولاً مختلفة تماماً، ليس مجرد إزعاج أكاديمي، بل هو تهديد أيديولوجي مباشر. هذا ليس مجرد تخمين، بل هو قراءة مادية للبنية التحتية لإنتاج المعرفة، لكن عندما تعتمد كبرى الجامعات على تمويل خارجي مشروط (ولو بشكل غير مباشر) للحفاظ على كراسيها ومراكزها، يصبح “النقد الجذري” ترفاً لا يمكنها تحمله.
مايكل كوك، بجلوسه على قمة الهرم الأكاديمي في برينستون، وكمحرر عام لـ “تاريخ كامبريدج”، هو الآن جزء من “المؤسسة “، والمؤسسة لا تحب الجذريين. إن هذا التراجع، هذا القبول “الناضج” بالمصادر التقليدية، هو ثمن البقاء في القمة. إنه تكيف ذكي مع الواقع المادي لإنتاج المعرفة في الغرب. إنه التكيف الضروري الذي تفرضه شروط الإنتاج المادي للفكر.
لقد اختار كوك أن يكتب “الخلاصة” الآمنة، بدلا من الاستمرار في “الثورة” المزعجة.
فهل أنصح بقراءة هذا الكتاب؟ بالطبع. إنه عمل موسوعي استثنائي، وتركيب رائع، ومدخل لا غنى عنه لأي شخص يريد نظرة شاملة لتاريخ العالم الإسلامي. إنه أفضل ما كتب في هذا الباب منذ عقود طويلة. على الإطلاق.
لكن قراءته ينبغي أن تتم بعين نقدية مزدوجة: عين تقرأ “التاريخ” الذي يرويه كوك عن المسلمين، وعين أخرى تقرأ “التاريخ” الذي يمثله الكتاب نفسه كتراجع فكري لمؤرخ عظيم، تراجع يمكن تفسيره بشكل مادي تماماً ضمن سياقات السياسة والتمويل في الأكاديميا المعاصرة. إنه كتاب أساسي لفهم التاريخ، ودرس بليغ في فهم تاريخ كتابة التاريخ.
- A History of the Muslim World From Its Origins to the Dawn of Modernity by Michael A. Cook, Princeton University Press, 2024.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-10-25