“عين الأسياد”: تفكيك ماركسي لأسطورة الذكاء الاصطناعي!
يبعثر ماتيو باسكينيلي الأسطورة الليبرالية عن الذكاء الاصطناعي كمحاكاة للعقل البشري، كاشفاً جذوره في أتمتة الرأسمالية للعمل الجماعي، وحقيقته كنسخة مُمَكننة من ذكاء بشري تراكم قروناً
سعيد محمد*
في خضم الهوس العالمي بثورة الذكاء الاصطناعي، يأتي كتاب ماتيو باسكينيلي “عين السيد: تاريخ اجتماعي للذكاء الاصطناعي” (The Eye of the Master: A Social History of Artificial Intelligence) كصفعة نقدية ضرورية لتوقظنا من هذا الأفيون الأيديولوجي حول يوتوبيا تقنية يقول البعض أنها ستكون نهاية التاريخ، فيما يتخوف آخرون من أن تأخذنا إلى الفناء. باسكينيلي، أستاذ فلسفة العلوم في جامعة كافوسكاري (البندقية – إيطاليا)، يقدم أطروحة مادية جريئة وجذرية تناقض السردية السائدة التي تقدّم الذكاء الاصطناعي كمسعى مجرّد “لحل لغز الذكاء” عبر محاكاة الدماغ البشري، ويذهب بدلاً من ذلك إلى القول إن الشفرة الداخلية للذكاء الاصطناعي لا تتشكل عبر تقليد الذكاء البيولوجي، بل عبر استخلاص وتشفير وتجريد ذكاء العمل الجماعي في إطار العلاقات الاجتماعية الرأسمالية القائمة.
نص باسكينيلي رحلة تنقيب في طبقات المعرفة والسلطة لاكتشاف ماهية هذا الذكاء الاصطناعي الذي ليس في النهاية سوى تجسّد لمشروع رأسمالي قديم: أتمتة العمل، ليس فقط اليدوي، بل الذهني أيضاً، بهدف فرض الانضباط، واحكام المراقبة، وتعظيم الربح. عنوان الكتاب نفسه، “عين الأسياد”، هو استعارة جبّارة مستمدة من تحليل ماركس للسلطة في المصنع، حيث “العين” لم تعد محض مراقبة فردية من قبل رئيس العمل، بل نظاماً شاملاً من السيطرة، والقياس، والتنظيم الذي يفرضه رأس المال نفسه: عين خوارزمية، فائقة القدرة، تراقب ولا تسهو، وتصنّف ولا تفصح، وتصوغ الوعي بخفة يد ساحر، فيما يتطوع أكثرنا بالموافقة، والخضوع، وتلقيم الآلة بمعلوماتنا وأفكارنا وأسرارنا من وقتنا وبلا مقابل.
من آلة باباج إلى الذكاء العام: الجذور الصناعية للأتمتة
يبدأ باسكينيلي تأريخه بتفكيك الأصول الصناعية للذكاء الاصطناعي، معيداً إيانا إلى القرن التاسع عشر في بريطانيا، وتحديداً إلى أعمال تشارلز باباج، الذي يُعتبر عند الخبراء “أبو الكمبيوتر”. يوضح باسكينيلي أن آلات باباج الشهيرة، مثل “محرك الفروق” و”المحرك التحليلي”، لم تكن وليدة عبقرية فردية منعزلة. بل كانت محض محاولة لأتمتة نظام قائم بالفعل لـ “إدارة العمل الذهني”.
يستشهد باسكينيلي بمشروع عالم الرياضيات الفرنسي غاسبارد دي بروني، الذي استلهم من كتاب آدم سميث “ثروة الأمم” هيكليّة لتنظيم عملية حساب الجداول اللوغاريتمية. قام دي بروني بتقسيم المهمة الشديدة التعقيد إلى ثلاث مستويات: مجموعة صغيرة من كبار علماء الرياضيات يضعون الصيغ، ومجموعة متوسطة من العمال المهرة ينسقون العمل، وجيش ضخم من “الحاسبين” (غالباً من النساء) يقومون بعمليات الجمع والطرح البسيطة والمتكررة. لقد كانت تلك صورة مصنع للعمليات الحسابية يتم فيه تحويل المعرفة إلى إجراءات روتينية معيارية. ما فعله باباج هو أنه رأى في هذا التنظيم الاجتماعي “خوارزمية” يمكن تجسيدها في آلة تعمل بالبخار، ولذا فإن “الحاسب الآلي” كان ميكنة لمخطط اجتماعي موجود مسبقاً، ولم يأت من فراغ.
يرى باسكينيلي، بالاعتماد على قراءة ماركسية – متأثرة بتيار العمالية الإيطالية (Operaismo) -، أن الذكاء والمعرفة ليست كيانات مجردة، بل هما نتاج للتعاون الاجتماعي والعمل الجماعي ربطاً بمفهوم كارل ماركس عن “الذكاء العام” (General Intellect) . في ظل الرأسمالية، يتم استملاك هذا “الذكاء العام” وتجسيده في الذكاء الاصطناعي، وتصبح الآلة بمثابة “رأس مال ثابت” يحتوي على المعرفة الاجتماعية المسروقة من العمال. أي أن الذكاء المنسوب كذباً إلى الآلات إن هو إلا انعكاس للمعرفة الجماعية المتراكمة للعمال وقد تم تجميعها، وتحليلها، وتجزئتها، وتشفيرها. بهذا المعنى، فإن ما تقدّمه شركات مثل غوغل أو أوبن إيه آي ليس “ذكاءً” جديداً، بل النسخة المُمَكننة من ذكاء بشري تراكم على مدى قرون، جرى تجريده من سياقه الإنساني، وتحويله إلى ملكية خاصة تخدم تراكم رأس المال.
عصر المعلومات: أتمتة الرؤية والتحكم النيوليبرالي
وانتقالاً إلى “عصر المعلومات” يفسّر باسكينيلي كيف استمر هذا المنطق في تشكيل الذكاء الاصطناعي في لحظة تجسده المعاصرة، ويتحدى بشكل مباشر السردية التاريخية الكلاسيكية التي تصور صعود الشبكات العصبية (Connectionism) كانتصار لنموذج “محاكاة الدماغ” على النموذج الرقمي القديم واصفاً إياها بمجرد “أسطورة تسويقية”.
من لحظة ال”البيرسيبترون ” (Perceptron) التأسيسية في عام 1957 مع اختراع فرانك روزنبلات لـ كأول شبكة عصبية اصطناعية، يجادل باسكينيلي بأن الغاية لم تكن يوماً بناء نموذج محاكاة للدماغ البشري. مشروع روزنبلات كان عملياً للغاية: أتمتة “عمل الإدراك الحسي”، وتحديداً التعرف على الأنماط في الصور الفوتوغرافية لأغراض عسكرية. لم يكن السؤال “كيف يفكر الدماغ؟” بل “كيف يمكننا أتمتة مهمة تحديد السفن في صور الرادار؟”، بمعنى تحويل عملية الإدراك البشري إلى مشكلة إحصائية: خوارزمية تصنيف بغرض القتل.
والأهم من ذلك، يظهر باسكينيلي توازي هذا التّطور التقني بالأيديولوجية السياسية والاقتصادية الصاعدة في ذلك الوقت: النيوليبرالية، ويُظهر كيف أن أفكار فريدريك هايك، الذي رأى السوق كنظام معالجة معلومات لامركزي يتفوق على أي تخطيط مركزي، قد أثرت بعمق على تصور الشبكات العصبية. فكلاهما (أي السوق، والشبكة العصبية) يُنظر إليهما كهيكليتين للتنظيم الذاتي تعالجان كميات هائلة من البيانات للوصول إلى نتيجة “مثلى” دون فهم مركزي. وهكذا، لم تكن الشبكات العصبية مجرد محاكاة للدماغ، بل كانت “تشكلاً اجتماعياً ” (sociomorphic)؛ أي أنها جسدت منطق السوق النيوليبرالي في بنية تقنية.
وهنا، تكتمل دائرة “عين الأسياد”. فالغاية لم تعد أتمتة العمل في المصنع فحسب، بل أتمتة المراقبة والتحكم والتنبؤ على مستوى المجتمع ككل. خوارزميات اليوم، التي تشغّل منصات التواصل الاجتماعي، والخدمات المالية، والحكومات الإليكترونية، هي تجسد نهائي لهذه العين. إنها لا تحاكي العقل بقدر ما تحاكي وتضخم أنماط السلوك الاجتماعي المسجلة في بيانات التدريب التي تتغذى عليها. ولهذا السبب، فإن التحيزات العنصرية والطبقية والجنسية في أنظمة الذكاء الاصطناعي تعدو كونها أخطاء عرضية يمكن إصلاحها ببعض التحفظات الأخلاقية، وإنما ميزات متأصلة فيها. فالنظام الذي يتم تدريبه على بيانات من مجتمع طبقي غير متساوٍ سيعيد حتماً إنتاج وتكريس ذلك التفاوت.
ما بعد “الأخلاق”: نحو سياسة مضادة للذكاء الاصطناعي
يقدم باسكينيلي في”عين الأسياد” نقداً لاذعاً للخطاب الليبرالي السائد حول “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”، ويرى أن محاولات بعض الدوّل التشريع لجعل الخوارزميات “أكثر عدلاً” أو “أقل تحيزاً” هو محاولة لمعالجة الأعراض دون المساس بالعلة الأساس. فالمشكلة قطعاً ليست في الخوارزمية بحد ذاتها، بل في العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تنتجها وتستخدمها، ما يجعل أيّ محاولة لفرض قيود أخلاقية على نظام مصمم أساساً لخدمة التراكم الرأسمالي والمراقبة محاولة عقيمة.
وبدلاً من ذلك، يدعو إلى “محو أمية جديد”، وبناء وعي نقدي جذري يسلّح المناضلين والعمال والصحفيين بالأدوات لفهم الذكاء الاصطناعي كساحة للصراع الطبقي والسياسي، لا كتقنية سحرية غامضة. هذا الوعي، عنده، خطوة أولى نحو بناء “ثقافة جماعية مضادة ” (collective counter-intelligence)، ويجادل بأن الأمل لا يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في استعادة السيطرة عليها، فإذا كان الذكاء الاصطناعي هو تجسيد للمعرفة والعمل الجماعي المسروق، فإن النضال يجب أن يركز على استعادة ملكية هذا “الذكاء العام” من أيدي القلة المتنفذة. وهذا يعني تحدي هياكل الملكية الفكرية، والمطالبة بالسيادة على البيانات، وبناء منصات وتقنيات بديلة تعمل وفقاً لمنطق التعاون والتضامن بدلاً من منطق الربح والمنافسة. إنها دعوة لتجاوز النقاش حول كيفية تنظيم الذكاء الاصطناعي، إلى طرح السؤال الأعمق: من يسيطر على وسائل إنتاج المعرفة في القرن الحادي والعشرين؟
“عين الأسياد” عمل تأسيسي وهام. إنه قراءة تحررنا من الأساطير التي يروج لها وادي السيليكون، ويمنحنا الأدوات الفكرية اللازمة لفهم الذكاء الاصطناعي على حقيقته: كمرآة تعكس علاقات القوة في مجتمعنا، وكأداة كرست تاريخياً لخدمة رأس المال. هذا الكتاب ليس مجرد تأريخ للأفكار، بل سلاح سياسي ودعوة عاجلة لإعادة تسييس التكنولوجيا، لأن مستقبل الذكاء الاصطناعي في جوهره صراع حول شكل المستقبل الذي نريد للبشرية أن تعيش فيه.
لندن
2025-08-31