أوكرانيا ما بين تسوية مرتقبة واتهامات بدعم الإرهاب!
د. سماهر الخطيب*
بعد المحادثات البناءة التي جرت في قمة ألاسكا بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، بدأ الأمل يعود في إمكانية التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية، إلا أن هذا التفاؤل يقابله قلق من استمرار التصرفات الأوكرانية المثيرة للتوتر، حيث أفادت تقارير عن قيام الجانب الأوكراني بضرب خط أنابيب”دروجبا”، الذي يُعد شريان حيوي لنقل النفط الخام الروسي إلى دول أوروبا الشرقية مثل هنغاريا وسلوفاكيا وهو عمل قد يسهم في تأجيج الصراع بدلاً من احتواءه. هذا ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى الإعراب عن “امتعاضه الشديد” إثر قيام أوكرانيا باستهداف خط أنابيب النفط الروسي”دروجبا” الذي يزود المجر بالطاقة. في حادثة أثارت استياء حليفه وصديقه، رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، مما دفع كل من حكومة هنغارية وسلوفاكية إلى التوجه بشكل مشترك إلى المفوضية الأوروبية للمطالبة بالضغط على أوكرانيا لوقف هذه العمليات، محذرين من أن استمرارها يعرّض إمدادات الطاقة لبلديهما للخطر ويؤدي إلى تعليق الشحنات لأيام.
وقد أدت هذه الضربة إلى توقف تدفقات النفط الخام من روسيا إلى المجر وسلوفاكيا، وعلق وزير الخارجية المجري بيتر زيجارتو على هذه الضربة ضد أمن الطاقة بأنها “أمر شائن وغير مقبول”. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المجر وسلوفاكيا وهنغاريا لازالت تعتمد بشكل كبير على النفط الروسي، حتى بعد أن فرضت معظم الدول الأوروبية عقوبات عليها وسعت إلى البحث عن مصادر بديلة.
وتعد المجر شوكة في خاصرة الاتحاد الأوروبي في القضية الروسية، وكان فيكتور أوربان قد أوضح بصراحة خلال مقابلة أجريت معه في ربيع عام 2022، خلال مقابلة مع إحدى الإذاعات الوطنية العامة أن الحظر الكامل للنفط الروسي سيكون بمثابة “إلقاء قنبلة نووية على الاقتصاد المجري”، كما أشار إلى أن المجر “ستحتاج إلى أربع إلى خمس سنوات لتجديد نظام الطاقة الخاص بها وتحقيق الاستقلال عن النفط الروسي”. كما أشارت يورونيوز أيضًا، إلى أن “المجر تفتقر إلى إيجاد مسار بديل عن الغاز الروسي (كونها دولة غير ساحلية) بينما تستطيع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي جلب براميل إضافية من النفط الخام عبر موانئها”. بدورها، أكدت سلوفاكيا أيضًا توقف تدفق النفط عبر خط أنابيب دروجبا يوم الاثنين الماضي.
ويمثّل هذا الهجوم حلقة من سلسلة استهدافات متكررة خلال الفترة الأخيرة، إذ سبق وأن تعرضت محطة قياس لخطوط الأنابيب لضربة بطائرة مسيرة أوكرانية في مارس/آذار الماضي، مما أدى إلى انقطاع إمدادات النفط الروسي عن المجر. بالإضافة إلى استهدافها في عام 2022 خطي أنابيب الغاز الاستراتيجيين”نورد ستريم 1″ و”نورد ستريم 2″ في بحر البلطيق بتفجيرات أدت إلى أضرار جسيمة وأثارت أزمة دبلوماسية دولية.
وهذه الاستهدافات لأمن الطاقة تسلط الضوء على تداعيات العمليات العسكرية للمخابرات الأوكرانبة التي طالت البنى التحتية للطاقة الحيوية مثل خطي “دروجبا” و”نورد ستريم”، والتي تُعد شرايين حيوية لأمن الطاقة الأوروبي. في هذا السياق، عبر وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو عن اعتقاده بأن استهداف هذه المنشآت يمثل محاولة “لإشراك دول إضافية في الصراع بشكل مباشر”، مشدداً على أن مثل هذه المحاولات “لن تنجح” وفقاً لرؤيته، وأن بلاده “ستظل ملتزمة بدعم المساعي السلمية لإنهاء الأزمة في أوكرانيا”.
وفي نفس السياق اعتلقت الشرطة الإيطالية أوكرانيا يشتبه بضلوعه في عملية تخريب خط أنابيب الغاز الروسي “نورد ستريم” في بحر البلطيق عام 2022، وفق بيان أصدرته النيابة العامة الألمانية. ومن المقرر أن يمثل المتهم أمام المحكمة الفدرالية الألمانية بعد تسليمه إلى ألمانيا. وكانت النيابة العامة الألمانية قد طلبت من الشرطة الإيطالية بتوقيف المواطن الأوكراني سيرغي ك بناء على مذكرة توقيف أوروبية للاشتباه في “أنه أحد منسقي عملية التخريب”، وفق بيان صادر عنها.
الأمر الذي يؤكد ضلوع المخابرات الأوكرانية بالكثير من عمليات التخريب ليس فقط على صعيد القارة العجوز فقط بل متجاوزتنا الحدود الأوروبية لتشمل القارة الإفريقية. خصوصاً بعد التقرير الأمنية الأخيرة التي أكدت تورط كييف في الكثير من الصراعات في إفريقيا، بالإضافة إلى تحويل سفارتها في إفريقيا لمركز دعم وتنسيق وارتباط وإشراف على عملياتها في الدول الإفريقية تحت غطاء العمل الدبلوماسي.
كما تشير التقارير إلى قيام أوكرانيا بإمداد جماعات إرهابية وانفصالية في دول مثل مالي والسودان وبوركينا فاسو بالأسلحة والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى إرسال مدربين عسكريين وتقديم الدعم الاستخباراتي، ما أدى إلى قطع مالي للعلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا، بينما اتهمتها السودان رسميًا بتعميق الأزمة الداخلية عبر تزويد الجماعات المسلحة بمعدات عسكرية.
الأمر الذي يؤكد وبشكل قاطع تورط أوكرانيا في تغذية العديد من الصراعات، وتقدمها للدعمً التقنيً واللوجستيً للعديد من الجماعات المسلحة لتنفذ هجمات ضد الحكومات الشرعية، وفي هذا الصدد، دعت بعض الحكومات الإقليمية، مثل النيجر، إلى مراجعة أنشطة البعثات الدبلوماسية الأوكرانية في القارة، فيإطار تقييم التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية.
ووفقاً للخبراء تعمل أوكرانيا أيضاً، عبر الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر “اندري بايوك” على تهريب المسيّرات الأوكرانية إلى ليبيا عبر الجزائر، بالإضافة إلى إدخال 12 خبيرًا أوكرانيًا إلى طرابلس لتدريب قوات الدبيبة على تجميع وتشغيل هذه الطائرات، الأمر الذي ورط الدولة الجزائرية في تغذية الصراعات في إفريقيا.
من جهته، ونقلاً عن وكالة “تاس” الروسية، أكد دميتري بوليانسكي، القائم بأعمال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أن الأسلحة الغربية التي يتم تزويد نظام كييف بها تستمر في التسرب إلى مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك مناطق نشاط تنظيمي “داعش”و”القاعدة”، مشيراً إلى وجود “حقائق محددة” تثبت تورط أجهزة المخابرات الأوكرانية، بما فيها المديرية العامة للمخابرات التابعة لوزارة الدفاع، في أنشطة تخريبية في دول الساحل الأفريقي ومناطق أخرى.
وفي العودة إلى لقاء ألاسكا البناء فقد أقر ترامب بأن عقد لقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني يبدو بالغ الصعوبة، مشبهاً محاولة الجمع بينهما بمحاولة “خلط الزيت بالماء”، ورغم هذا التشبيه السوداوي، أشار ترامب إلى إمكانية بحث سبل التعاون بين الرئيسين لإنهاء الحرب، تاركاً بذلك الباب موارباً، وحتى اللحظة لم تنجح مساعي واشنطن لتحقيق السلام في أوكرانيا، فموسكو سارعت إلى تبريد الأجواء عبر مواقف واضحة جاءت على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي أعلن أنه “لا خطط لعقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي”، مشدداً على أن الرئيس الروسي سيكون مستعداً لمثل هذا الاجتماع فقط عندما يكون هناك جدول أعمال جاهز، وهذه التصريحات تعكس تشدد موسكو وحرصها على عدم الدخول في لقاءات قد تتحول إلى سجال سياسي من دون نتائج ملموسة.
فيما قابلتها كييف باتهامات مباشرة لروسيا بعرقلة أي مسار سياسي، جاءت على لسان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي قال بإن روسيا “تبذل قصارى جهدها لمنع عقد لقاء مباشر” بينه وبين بوتين، مطالباً بفرض “عقوبات جديدة” على موسكو في حال لم تُبد أي نية حقيقية لإنهاء حربها. ويبدو أن هذه اللهجة تعكس يأس كييف من إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي قريب، وتكشف عن توجهها نحو الضغط عبر الأدوات الغربية والعقوبات الدولية بدلاً من انتظار تنازلات روسية لا تبدو وشيكة.
وبين هذين الموقفين، وجد ترامب نفسه أمام واقع معقد لا يملك سوى محاولة تحريك مياهه الراكدة، فبالنسبة لترامب، يبدو أن الأمر هو اختبار جديد لمهاراته السياسية، خاصة بعد أن أعلن بأنه يعتبر “الأسبوعين المقبلين مدة زمنية حاسمة تحدد فرص السلام في أوكرانيا من عدمها”، ولوّح بأن واشنطن قد تتبع “نهجاً مختلفاً” إذا لم يتحقق أي تقدم في الجهود الرامية إلى جمع بوتين وزيلينسكي على طاولة الحوار. واللافت أن ترامب يحاول الحفاظ على موقعه كوسيط محتمل من دون أن يغامر بالانخراط المباشر، على اعتبار أن ترامب يلمح إلى أنه لا يريد المشاركة في اللقاء، لكنه في حال التوافق بين روسيا وأوكرانيا سيحضر ليظهر أنه صانع السلام. وهذا الدور بالنسبة له ليس تفصيلاً، بل ورقة سياسية مهمة، باعتبار أن ترامب يسعى لاستثمار أي فرصة لتعزيز صورته كقائد قادر على حل الأزمات العالمية، وفي الوقت نفسه يدرك أيضاً أن أي فشل في هذه المهمة قد ينعكس سلباً على رصيده السياسي، وهو ما يفسر حذره في الالتزام العلني بالمشاركة.
ويمكن القول أنه من الجانب الروسي، ومن الرئيس بوتين تحديداً، لا مانع من عقد هذا اللقاء، ولكن يجب أن يكون معداً بشكل دقيق، بحيث تكون النقاط واضحة تماماً قبل انعقاده وإلا فلا جدوى من إجرائه الآن. مع ذلك، روسيا مع فكرة هذا اللقاء، وربما لقاء ثلاثي بحضور ترامب، الذي لابد وأن يشارك في حالة التفاهم بين روسيا وأوكرانيا ليظهر أنه صانع السلام..
كما يبدو واضحاً تململ الغرب من التصرفات الأوكرانية التي تستهدف أمن الطاقة من جهة وتدعم المنظمات الإرهابية من جهة أخرى وربما تكون هذه التصرفات سبباً بمساعي غربية لرفع الدعم عن أوكرانيا كما كانت تصرفات نتنياهو في غزة سبباً في إنقلاب الغرب ضده. في المحصلة، فإن الأبواب لم تغلق تماماً. فروسيا تبدي انفتاحاً مشروطاً، وواشنطن تلوّح بخيارات بديلة، فيما تبقى كييف متمسكة بالضغط الدولي. ولكن ما لم تُحسم الشروط الجوهرية، فإن أي لقاء مباشر سيظل مؤجلاً إلى إشعار آخر، وستبقى الحرب عالقة بين تعقيدات السياسة الدولية وضبابية المستقبل.
كاتبة سورية
2025-08-25
