الحق الفلسطيني في مقاومة الإبادة بالمعنى!
(في المعنى، كما في الدم، لا أحد خارج غزة)
خالد عطية
في كل بقعة تواجد فيها الفلسطيني، كان الهدف نفسه: القهر، الإلغاء، والمسح من الخريطة.
من خيمة النكبة في الجليل، إلى مجازر صبرا وشاتيلا، إلى المعتقلات والقتل في سوريا، والمذابح في العراق والكويت، والتهجير من اليرموك، واليوم… إلى المجزرة المفتوحة في غزة.
لا منطقة نُجّت، ولا جيل أفلت، ولا وطن استقر. ولهذا، فإن الإبادة ليست لحظة استثنائية في غزة، بل نموذج متكرر لبنية القمع الإسرائيلي – والدولي – ضد الفلسطيني في كل مكان.
نحن شعب واحد، تنوّعت مواجعه، وتعددت لهجات ألمه، لكن جرحه واحد.
من هنا، لا يُطلب من الكاتب الفلسطيني أن يعتذر عن موقعه، ولا من الغزي أن يبرّر غضبه.
بل يُطلب منّا جميعًا أن نُعيد تركيب خطابنا الوطني، بحيث يشمل – بصدق – كل هذا التاريخ المعقّد، دون وصاية ولا إنكار.
هذا المقال محاولة – ضمن محاولات متعددة – للبحث عن لغة للمقاومة الرمزية، تنتمي للألم الفلسطيني كله، لا تُقصي أحدًا، ولا تساوم على حقّ أحد.
هو صرخة، نعم.
وفيه حدة، نعم.
لكنها حدة من رأى كيف يتحول الصمت إلى خيانة، والاختزال إلى خذلان.
ولأنه لا مقاومة بلا معنى، ولا معنى بلا سرد، فإن الكلمة – هنا – ليست ترفًا، بل ضرورة.
فلنكتب، إذن، لا كي نبرر أنفسنا، بل كي نفي بحقّ الشهداء علينا جميعًا، أن نبقى جديرين بألمهم.
في زمن الإبادة والتجويع، حين تتحوّل الطوابير إلى أهداف عسكرية، والبطون الخاوية إلى رهائن سياسية، تتساقط الأقنعة بسرعة.
تظهر محاولات قاسية لاختزال فلسطين في مساحة الألم الأشد، وكأن كل ما يقع خارج القطاع ليس امتدادًا للنكبة ذاتها، بل تعليق جانبي على مأساتها.
هذا منطق مقلوب.
نحن شعب واحد، ممزق بالجغرافيا، موحّد بالتاريخ، بالدم، وبالجرح الطويل.
وإذا كان ما يحدث في غزة هو ذروة الوحشية، فهو ليس استثناءً من القاعدة، بل استمرار لمشروع إبادة مستمر، لا تُحدّه الأسلاك، ولا يفرّق بين خيمة في رفح، وسطح بيت في جنين، أو مخيم في صيدا أو النيرب ، أو حيّ في القدس.
من غير المقبول – لا أخلاقيًا ولا وطنيًا – أن يُرفع في وجه كل من يتكلم من خارج غزة سلاح الصمت أو تهمة الانفصال، وكأن الكلمة لا تصبح شرعية إلا إذا خرجت من فم ينزف، أو جسد محاصر.
ليست الشرعية رهينة الموت.
والكتابة، إن لم تكن شراكة في المعنى والموقف، فلن تُجدي حتى لو كُتبت من تحت الردم.
ومع ذلك، فإن شرعية الغضب الغزّي لا تحتاج إلى تبرير، بل إلى اعتراف وجداني صريح، ليس فقط لأن غزة في قلب النار، بل لأننا إن تجاهلنا هذا الإحساس المتراكم بالخذلان، فإننا نُخاطر بتحويله إلى عقدة تُنتج خطابًا عنصريًا غير مقصود.
وكما أشارت الكاتبة غانية ملحيس ، فإن الإنكار أو الترفع عن هذا الغضب هو ما يخلق الحواجز النفسية بين الفلسطينيين، لا الجغرافيا فقط.
الكاتب الفلسطيني، المثقف، الأكاديمي، الفنان، ليس بوقًا ولا شاهدًا.
هو جزء من معركة واضحة: معركة ضد النسيان، ضد الترويج، ضد التوظيف، وضد خيانة اللغة حين تصمت.
الصوت الغزيّ مهم، بل مركزي.
لكنه ليس الصوت الوحيد.
ومن يدّعي حصرية الصوت، كمن يدّعي امتلاك الذاكرة أو الشهادة.
وهذا انزلاق خطير، يُفقدنا وحدة الجبهة الرمزية – الجبهة التي وحدها تُقاوم حين تصمت البنادق.
هذا الحاجز العاطفي، المفهوم إنسانيًا، غير مبرر وطنيًا.
التجربة الفلسطينية مشتّتة، ومَن لم يعِش المعاناة في الداخل، عاشها في الغربة كمطارد أو لاجئ أو منفي.
وكما اختبر كثير من العائدين بعد أوسلو، فإن الاغتراب لم يحمهم من الإحساس بالخذلان، بل ضاعف من فداحته، حين قوبل عذابهم بالصمت أو بالتقليل.
من هنا، فإن استيعاب غضب الآخر، هو شرط ضروري لإعادة بناء وحدة فلسطينية غير قائمة على المفاضلة في الألم، بل على التكامل في الفهم.
المعركة على فلسطين لم تبدأ في غزة ولن تنتهي عندها.
واحتكار الصوت أو الحق في التأويل، بذريعة من يدفع الثمن، يحوّل الخطاب الوطني إلى جغرافيا ممزقة، وأحيانًا إلى صكّ امتياز ناطق باسم الجرح، يضعف أكثر مما يحرر.
ما نحتاجه في هذا الزمن الرديء ليس مزيدًا من التنازع على تمثيل الألم، بل جهدًا جماعيًا لصياغة معنى مركّب للمقاومة، يتجاوز المكان إلى البنية الرمزية والأخلاقية للشعب الفلسطيني.
لا غزة وحدها تدفع الثمن، وإن كانت تدفع الأكثر دمًا.
كل فلسطيني يُقتلع من أرضه، يُطارد على هويته، يُمنع من دفن موتاه، يُجرّم على رأيه، يُلاحق على كلمة، هو أيضًا في قلب المجزرة – وإن اختلف شكل السكين.
لسنا بحاجة إلى إذن من الدم لنكتب، ولا إلى جغرافيا معينة لننتمي.
الكلمة المقاومة لا تحتاج إلى تصريح من خيمة أو خندق.
ما تحتاجه هو صدق الموقف، ونقاء الاتجاه، ورفض المساومة على المعنى.
في لحظات الإبادة، لا يصح أن تتحول غزّة إلى ضمير منفصل للفلسطينيين، بل إلى ضميرهم الجمعي.
والرد الأخلاقي على الإبادة لا يكون بالعزلة الشعورية أو الوصاية العاطفية، بل بتوسيع المعنى الفلسطيني ليشمل الجميع، دون تمييز بين من يموت ومن يكتب عن الموت.
غزة ليست رمزًا لأن فيها شهداء، بل لأنها تُقاتل.
ومن يكتب وهو حرّ، عليه أن يقاتل بلغته، لا أن يعتذر عنها.
ومن يُفكر، عليه أن يُصيب ويُخطئ، لا أن يصمت.
الصمت في زمن الإبادة خيانة، لا تواضع.
هذه المعركة ليست جغرافية، بل رمزية – على المعنى، على السرد، على من يملك الكلمة الأخيرة.
وكلّ محاولة لحصر هذا الحق في موقع دون سواه، هي انتكاسة خطابية، تشبه تمامًا ما يريده العدو: أن يُقسّم الفلسطينيين إلى جزر لغوية معزولة، كلٌّ يتكلم عن نفسه، ولا أحد يُعيد بناء اللوحة كاملة.
النخبة الثقافية الفلسطينية، أينما كانت، مُطالبة اليوم لا بالتحليل فقط، بل بتركيب خطاب مقاوم قادر على تفكيك رمزية الإبادة، وكشف وظيفة الصورة، وتعريف النصر والهزيمة من جديد.
ومطلوب منها أيضًا إنتاج أدوات معرفية تُعيد قراءة الإبادة لا كخبر عاجل، بل كبنية مستمرة من الإلغاء، تهدّد الفلسطيني لا بصفته السياسية فقط، بل بصفته الإنسانية، ككائن مُطارد بالصوت والجسد والمعنى – في الداخل والخارج، في الحصار وفي المطار.
مطلوب منها ألا تكتفي بتسمية الألم، بل أن تُعيد بناء سرديته.
لأن من يكتب القصة – هو في النهاية من يُرجّح كفة المعنى.
وحدها الحركات المقاومة لا تكفي.
تحتاج إلى سرد.
والسرد لا يكتبه فقط من ينزف، بل من يرى النزف، ويفهمه، ويمنعه من أن يُستثمر ضده.
غزة ليست بحاجة إلى من يُصفق لها في موتها، بل إلى من يُكمل صياغة خطاب الحياة باسمها، وعنها، ومعها.
ومن يدّعي أن الدم يُعطي حصانة مطلقة في احتكار الصوت، يُعيد – دون أن يدري – إنتاج منطق الاحتلال ذاته: منطق التفتيت، لا الوحدة.
في زمن المجازر، الصمت انتحار، والموقف فضيحة، والكلمة مقاومة.
فلنكتب، لا كمراقبين ولا كناجين، بل كمنتمين — بلا شروط، بلا جغرافيا، بلا عذر.
2025-08-09
