مو تشارا: “سوف نقاتلكم في محكمتكم، وسننتصر”!
حرية مؤقتة لمغني فرقة “ني كاب”
في مشهد سياسي بامتياز، مثل مغني الراب الإيرلندي “مو تشارا” أمام محكمة بريطانية بتهمة رفع علم “حزب الله”، وسط هتافات مؤيدة لفلسطين وجدال واسع حول حرية التعبير والفن المقاوم.
سعيد محمد*
في مشهد لم تألفه قاعات المحاكم البريطانية، غصت (الأربعاء) قاعة محكمة ويستمينستر بالحضور والصحفيين، بينما احتشدت حشود في الخارج ترفع أعلام فلسطين وتردد هتافات مؤيدة للحرية وذلك في مواكبة مثول مغني الراب الإيرلندي الشمالي، ليام أوغ أوهانايدي، المعروف باسمه الفني “مو تشارا” أمام المحكمة الابتدائية في جلسة استماع أوليّ على خلفية اتهام له بتمجيد الإرهاب بعد رفعه علم “حزب الله” خلال حفلة في فوروم بكنتيش تاون بلندن العام الماضي.
وتحظر قوانين المملكة المتحدة حزب الله اللبناني بجناحيه العسكري والسياسي مما يجعل التعبير عن دعمه جريمة يعاقب عليها القانون. وقد بدأت قيادة مكافحة الإرهاب بشرطة لندن تحقيقاً في الحادثة بناء لشكاوى تقدم بها مؤيدون لإسرائيل بعد تداول شريط فيديو للحادثة على الإنترنت في أبريل 2025.
وقد وصل مو تشارا إلى مقر المحكمة برفقة زملائه في الفرقة، موغلاي باب ودي جي بروفاي، وجميعهم يرتدون قمصانًا كتب عليها “حرروا مو تشارا” واستقبلهم مئات المؤيدين بالهتافات وهم يلوحون بلافتات “حرروا مو تشارا” و”حرية التعبير” و” فلسطين حرة” وأعلام فلسطينية بينما مرت في الخلفّيّة شاحنة تحمل إعلانات مستأجرة كتب على جانبيها شعاراً مقلوباً من عبارات تمييز عنصري إنجليزية معروفة: “المزيد من السّود، المزيد من الكلاب، المزيد من الأيرلنديين، مو تشارا”، ما كثّف الأضواء على الطبيعة المشحونة بالتسيس للإجراءات الحكوميّة المتعسفة ضد الفنان، والفرقة.
وفي الجلسة، أوضح المدعي العام، مايكل بيسغروف، أن القضية لا تتعلق بدعم مو تشارا للشعب الفلسطيني أو انتقاده لإسرائيل، مشيراً إلى أنه “يحق له تماماً التعبير عن آرائه وتضامنه”. وبدلاً من ذلك، قال إن التهمة تتعلق تحديداً بالعرض المزعوم لعلم حزب الله والهتافات وهتافات منسوبة له خلال الحفل: “عاشت حماس، عاش حزب الله”.
وعلى الرغم من خطورة التهمة وفق القانون البريطاني، فقد أُفرج عن مو تشارا بكفالة غير مشروطة. ومن المقرر أن يمثل أمام المحكمة في جلسة الاستماع التالية يوم 20 أغسطس/ آب المقبل.
ولقي قرار الإفراج ارتياحاً كبيراً من الفرقة وجمهورها، حيث إن رفض الكفالة كان ليهدد عرض “ني كاب” القادم في مهرجان غلاستونبري المرتقب في وقت لاحق من هذا الشهر.
وكانت الفرقة ذات الشعبيّة الجارفة قد نفت التهمة الموجهة ل مو تشارا ، واصفة المحاكمة بأنها “توقيف سياسي” و”كرنفال تشتيت”. وأكد متحدث باسم الفرقة بأنها لم تدعم حماس أو حزب الله أبداً، وأن الفيديو المعني قد أُخرج من سياقه.
وأشاد دانيال لامبرت، المدير التنفيذي للفرقة بشجاعة أعضاءها واقتناعهم بضرورة التحدث بالحقيقة فيما يتعلق بالأزمة الإنسانية المستمرة في قطاع غزّة، حتى في مواجهة التهديدات بالقتل والضغوط المتقاطعة من أنصار اللوبي الصهيوني في بريطانيا، والسياسيين (اليمينيين في السلطة والمعارضة) وأجهزة الأمن. وقال إن الحملة على الفرقة تستهدف تكريس “الرقابة السياسية الممنهجة” التي يتعرض لها الفنانون المناصرون لفلسطين، مؤكداً أن ما يُحاكم حقاً هو “صوت إيرلندي جريء، يعبّر عن جرح جماعي”، فيما عبّر مو تشارا عن روح التحدي التي طبعت الفرقة منذ التأسيس، وقال: “سوف نقاتلكم في محكمتكم، وننتصر”.
الفريق القانوني للفرقة متخم بنجوم المحاماة في المملكة المتحدة، ويضم المحامية الشهيرة في حقوق الإنسان غاريث بيرس، المعروفة بدفاعها عن “الرجال الستة من برمنغهام” و”الرجال الأربعة من غيلدفورد” – تلك المجموعات من الأفراد الذين سُجنوا خطأً بتهمة تنفيذهم تفجيرات نسبت للجيش الجمهوري الأيرلندي -. ومن ضمن فريقهم أيضاً بلين ني غرافلايغ، المحامية التي ترافعت عن جنوب أفريقيا في قضيتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
وقد تسببت المحاكمة في إطلاق جدل واسع في المملكة حول حرية التعبير، والحق في الاحتجاج، وسقوف المعاني الفنية، لا سيما في سياق حرب الإبادة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، والتواطؤ المستمر للحكومة البريطانية في نقل الأسلحة والمعدات للجيش الإسرائيلي، وتنفيذها الدوري لعمليات التجسس فوق قطاع غزّة، وتضييقها على النشاطات الشعبية المناهضة لجرائم الدولة العبريّة.
تجسد رحلة فرقة “ني كاب”، من رسومات الجرافيتي في غرب بلفاست إلى التألق في أهم المهرجانات الموسيقية الدولية ومواجهة اتهامات بدعم الإرهاب في محاكم لندن، الهوية المعقدة والمتطورة للجيل الجديد في أيرلندا الشمالية – الإقليم الذي ما زالت بريطانيا تحتله بعد أكثر من مائة عام على انسحابها من بقيّة الجزيرة وقيام جمهورية إيرلندا في 1922 -. فطبيعة الفرقة، وموسيقاها، وخياراتها في الكلمات تتجاوز الانقسامات الطائفيّة التقليدية التي خلقتها بريطانيا في إقليم شمالي إيرلندا (بين الكاثوليك الوطنيين والبروتستانت المؤيدين لبريطانيا) لتلقي الضوء على قضايا معاصرة يتجاهلها الإعلام التقليدي مثل الفقر، والفصل العنصري، والطائفية، والحرمان الطبقي، والتضامن الأممي مع نضالات الشعوب ضد الاستعمار، وتتزايد أهميتها كقناة للتعبير لمجتمع لم يتعاف من القمع البريطاني الشديد للإيرلنديين الشماليين المطالبين بالحرية (أو ما سمي مرحلة الاضطرابات في الثلث الأخير من القرن الماضي) بعدما كُبلت الأحزاب الجمهوريّة باتفاقات سلام، وتخاذلت الحكومات البرجوازية في دبلن – والمتحالفة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي – عن المطالبة باستعادة المقاطعات الست المحتلة في أقصى الشمال الشرقي للجزيرة كجزء من إيرلندا حرّة موحدة.
تأسست الفرقة في العام 2017 في غرب عاصمة الإقليم بلفاست، من قبل ثلاثة شبان يتحدثون اللغة الإيرلندية كلغة أم: مو تشارا، موغلاي باب، ودي جي بروفاي. وقد لمع نجمهم من خلال موسيقى الرّاب السياسية التي تمزج بين السخرية السوداء، والدفاع عن الثقافة الوطنية الإيرلندية، ومتاعب الحياة اليومية للطبقة العاملة، كل ذلك بلغة هجينة من الإيرلندية والإنجليزية. واسمها مشتق من (عظمة غطاء الرُّكبة) وهي المنطقة التي كان يستهدفها الجنود البريطانيون في أرجل الشبان الإيرلنديين لشل حركتهم.
لقيت أعمال الفرقة بخطابها التغييري وثقافتها المضادة قبولاً فورياً بين الشبان الإيرلنديين وبخاصة من هم دون 30 عاماً، فحققت حفلاتها مبيعات كاملة، واستضافتها أهم المهرجانات الموسيقية على جانبي الأطلسي، وفاز فيلم سينمائي يحمل اسم الفرقة ويروي سيرة صعود نجومها إلى الشهرة بجائزة بافتا المرموقة في فبراير/ شباط الماضي ودخل تاريخ السينما بوصفه أول فيلم باللغة الأيرلندية يُعرض في مهرجان صندانس السينمائي (2024)، لكنها أثارت حفيظة السلطات البريطانية وبعض الدوائر المحافظة في إيرلندا الشمالية ذاتها.
وكان رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، قد وصف كلمات أغاني ني كاب وشعاراتها بأنها “غير مقبولة كلياً”، في حين أقدمت الوزيرة السابقة كيمي بادينوخ على منعها من الاستفادة من منحة حكومية، قبل أن تنقض محكمة هذا القرار، وتحكم لصالح الفرقة العام الماضي. وتبرعت ني كاب بالتعويض المادي الذي حصلت عليه من القضاء لصالح جمعيات خيرية في إيرلندا الشماليّة.
على أن الخلفية الأعمق لهذا العداء للفرقة تأتي فيما يبدو من مواقفها الصريحة تجاه حرب الإبادة في غزة، ففي عرضها خلال مهرجان كوتشيلا الأمريكي في أبريل / نيسان الماضي، رفعت شاشة ضخمة ظهرت عليها عبارة: “إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، بدعم من الحكومة الأمريكية. اللعنة على إسرائيل، الحرية لفلسطين”. وقد أثار هذا الموقف حينها ضجة واسعة، ودعت الإعلامية الشهيرة شارون أوزبورن إلى إلغاء تأشيراتهم وطردهم من الولايات المتحدة، لتتبع ذلك موجة من إلغاء الحفلات، منها عروض في ألمانيا، وكورنوال، وهددت شخصيات سياسية يمنية موالية لإسرائيل بالعمل على حظرهم من مهرجان غلاستنبري. لكن النتائج كانت عكسية: إذ تضاعفت مبيعات تذاكرهم، وبرمجت مهرجانات أخرى حفلات لهم في أوروبا وامريكا الشماليّة، ووقّع فنانون كبار رسالة احتجاج ضد “محاولة الإسكات “، وتجدّدت الدعوات بين المثقفين لاعتبار معركة ني كاب معركة من أجل حرية التعبير.
– لندن
2025-06-21