المرشد الإيراني علي خامنئي….
بعد أسبوعين من اعتقالي، سمعت أحد العرفاء في السجن ينادي: “بُشرى، بُشرى… عبد الناصر مات!” وقد كان لهذا الخبر وقعٌ مؤلمٌ جدًا عليّ… وهنا لا بدّ من الإشارة إلى نقطة لافتة واجهناها نحن الإسلاميون المناضلون في إيران، وهي أننا كنا في الوقت ذاته نكنّ محبة شديدة لـ”سيد قطب” وأفكاره الحركية والثورية، وندعم قاتله “جمال عبد الناصر”! عندما سمعت بخبر إعدام سيد قطب، بكيت، وعندما بلغني خبر وفاة عبد الناصر، بكيت أيضًا!… إن تعلقنا بسيد قطب أمر واضح ولا يحتاج إلى توضيح، لأن هذا الرجل – بفضل قلمه الأدبي، وتجاربه المريرة، وفكره القرآني المتوهج – قدّم الإسلام بصورة حيوية وثورية ومفعمة بالآفاق الواسعة، بحيث جعل الإنسان المسلم يشعر بالفخر والاعتزاز بدينه، ويرتقي بشخصيته فوق كل تلك الأمور التافهة التي تشغل الناس، كذلك، في تفسيره، يتحدث بلغة إسلامية حيّة تجعل المسلم، أيًّا كان مذهبه، لا يشعر بأيّ تعارض مع معتقداته المذهبية.
أما اعتزازنا بعبد الناصر، فلم يكن نابعًا من دوافع عقائدية، بل من أسباب نفسية وسياسية. فقد كنّا في إيران نواجه تيارًا استكباريًا مخيفًا وواسع النطاق، كان يستهدف إهانة الدين والحوزة والروحانية. وكان هذا التيار مؤثرًا بدرجة كبيرة في كسر الروح المعنوية للشباب والمثقفين الذين أُعجبوا بالقوى المتغطرسة العالمية، وارتاعوا من سطوتها… في هذا الجوّ المليء بالهزيمة، وفي ظل الهجمة الغربية والأميركية، كنّا نتعلّق بكل صوت يناهض تلك القوى ويتحدث بثبات وصمود في وجهها. وعبد الناصر كان يتحدث بهذه اللهجة. كنّا نشعر بالفخر عندما نسمع أن عبد الناصر يتحدى طواغيت العالم جميعًا، وكنّا نستمع بحماسة إلى خطاباته عبر إذاعة “صوت العرب”.
كنّا نُعلي من شأن أي تحرك عملي يسعى إلى التحرر من نير الاستعمار البغيض، الذي كان قد كبّل العالم الإسلامي – بل والعالم الثالث بأسره. ولهذا، كنا نؤيد جميع الثورات في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ونشعر بتعاطف عميق معها.
أتذكّر حينما بلغني خبر اندلاع الثورة في ليبيا، أنّني بادرت فورًا، وفي أحد خطاباتي على المنبر، إلى تأييد تلك الثورة، وهنّأت الثوّار على تحرير ليبيا من حكم من كنت أطلق عليه، بدلًا من “إدريس”، اسم “إبليس”. وبعد ذلك، عندما التقيت بهاشمي رفسنجاني، علمت أنه هو الآخر قد أعلن تأييده لثورة ليبيا في جلساته.
لقد كان شوقنا العميق في قلوبنا لاستعادة العزّة التي دنّسها الطواغيت، والكرامة التي داسها الفراعنة، هو ما كان يدفعنا لاتخاذ مثل هذه المواقف… وفوق كل ذلك، كان اسم جمال عبد الناصر قد اقترن في أذهاننا بالعزّة والثبات والمقاومة التي أبداها إخواننا العرب المسلمون في وجه القوى الصهيونية والرجعية في المنطقة، رغم أننا كنا متألمين من النهج الذي قاده إلى الصدام مع الإسلاميين…. وكان جهاز دعاية الشاه آنذاك قد سخّر كل طاقاته لخلق روح العداء لعبد الناصر داخل إيران. وأكثر ما آلم قلبي حينما سمعت بخبر وفاة عبد الناصر، لم يكن مجرّد موته، بل الطريقة التي أعلن بها أحد العسكريين الخبر في السجن، إذ أبدى فرحه بذلك، دون أن يدرك حقيقة ما يقول، أو يعرف شيئًا عن عبد الناصر، بل كان مجرّد شخص منوّم ومسحور بالدعاية الإعلامية لنظام الشاه. كنت أمتلك راديو صغيرًا، حصلت عليه بتساهل من بعض الحرّاس أثناء نوباتهم، وكنت أخفيه عن أعين الحراس المتشددين، لأن استخدام الراديو داخل السجن كان ممنوعًا في العادة. وبعد أن سمعت بخبر وفاة عبد الناصر، أصبح راديو “صوت العرب” هو ملاذي الأكبر للتسلية والتعزية. وأكثر ما كان يواسيني في تلك الأيام، تلاوات القرآن الكريم التي كانت تُبث من الإذاعة، وما زلت أذكرها بكل تفاصيلها.
أتذكر أن كبار القرّاء المصريين، مثل عبد الباسط عبد الصمد، مصطفى إسماعيل، ومحمود علي البنّا، كانوا يتلون هذه الآية الكريمة: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ».
وكان أحدهم يعيد تلاوة جزء “قاتل معه ربيّون” مرة تلو أخرى. وقد دونت أسماء هؤلاء القرّاء الذين استمعت إلى تلاواتهم على ظهر المصحف.
** من كتاب “الدم الذي صار لؤلؤًا”، وهو سرد لذكريات آية الله خامنئي في السجون والمنفى خلال سنوات نضاله في الثورة الإسلامية، جمعه “محمد علي آذرشاب”، وترجمه “محمد حسين باتمانقليش”.
2025-06-21