موقف الغرب من حرب إسرائيل وإيران:
بين احتواء القوة وتفويض الفاعل الاستعماري
خالد عطية
لم يكن الموقف الغربي من الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل مفاجئًا، بقدر ما كان كاشفًا. ففي لحظة اشتعال غير مسبوقة، تكشف البنية العميقة لهذا الموقف: تواطؤ صامت، دعم معلن، وشراكة استراتيجية في إنتاج الفوضى المنظمة.
الولايات المتحدة، بصفتها مركز النظام الإمبراطوري، وفّرت الغطاء السياسي والدبلوماسي الكامل لإسرائيل، متجنبة أي إدانة، ومكتفية بلغة “ضبط النفس من الطرفين” رغم فداحة العدوان. أما الاتحاد الأوروبي، فقد تبنى خطابًا أكثر نُعومة لكنه لا يقل انحيازًا: يدين “استفزازات إيران”، ويطالب بـ”خفض التصعيد”، دون أن يتجرأ على لمس جوهر الأزمة. الأمم المتحدة؟ تكرّس مرة أخرى دورها كشاهد أخرس على الجريمة.
هذا الموقف الغربي لا يمكن اختزاله في اعتبارات أمنية أو براغماتية ظرفية، بل هو انعكاس لبنية فكرية واستعمارية ممتدة، تقوم على خمس ركائز مركزية:
أولًا: المنظور الغربي للشرعية والسيادة
المنظومة الغربية تحتكر تعريف “الشرعية”. من يكون فاعلًا مقبولًا، ومن يُصنّف كمُشاغب يجب تطويعه.
بموجب هذا المنظور، تُعامل إيران — رغم كونها دولة ذات سيادة — كقوة “مارقة”، بينما تُمنح إسرائيل، وهي كيان استيطاني عنصري، تفويضًا مفتوحًا بـ”الردع والدفاع” حتى في عمق دول أخرى.
ثانيًا: إسرائيل لم تعد أداة… بل فاعل استعماري مشروط
لطالما قُدمت إسرائيل بوصفها “أداة” غربية في الشرق الأوسط. لكن هذا التوصيف لم يعد دقيقًا.
فإسرائيل اليوم فاعل استعماري مكتمل الإرادة والمصلحة.
تمتلك مشروعها الخاص: إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والأمنية للمنطقة بما يخدم توسعها ونفوذها.
لكنها – وهنا المفارقة – لا تزال فاعلًا مشروطًا.
أي أنها رغم قدرتها على المبادرة، تبقى مقيدة بسقف الدعم الغربي: سياسيًا، ماليًا، وعسكريًا.
هي لا تستطيع الحسم بمفردها، لكنها أيضًا لم تعد مجرد منفذ سلبي للتوجيهات الغربية.
بل تتحرك كطرف يحرض ويفاوض ويضغط ويقترح، ويحوز على حق الفعل في الساحات الفلسطينية والإيرانية واللبنانية والسورية.
ثالثًا: الهوس بمنع نشوء قوة إقليمية مستقلة
منذ عقود، والغرب يسعى لمنع ظهور أي قوة إقليمية غير خاضعة لمنطقه.
إيران، رغم جميع التناقضات في نظامها، تمثل هذا النقيض الخطير:
– ذات سيادة في القرار العسكري.
– تدعم فواعل غير دولتية تناهض الهيمنة (حزب الله، أنصار الله، بعض فصائل المقاومة).
– ترفض التطبيع.
هذه المعايير كافية لوصمها كـ”عدو ممنهج”، وليس مجرد خصم ظرفي.
رابعًا: إسرائيل كمنصة تفكيك لا ردع
الغرب لم يفوّض إسرائيل فقط للدفاع، بل لتحطيم بنى السيادة في الشرق الأوسط.
الضربات الأخيرة لم تكن وقائية، بل تأسيسية:
– ضرب البنية النووية الإيرانية.
– تصفية قيادات وسيطة وعليا.
– استنزاف الدفاعات الجوية.
– زرع الفوضى الداخلية تحت غطاء “ردع الصواريخ”.
ما يجري ليس حملة عسكرية محدودة، بل مشروع تفكيك يجري بالتدريج، على غرار ما فُعل بالعراق وسوريا وليبيا.
خامسًا: السكوت الأوروبي كغطاء لا مبالاة
خلافًا للسرديات الأخلاقية، فإن الموقف الأوروبي لم يكن ناتجًا عن “العجز”، بل عن إرادة الإبقاء على التوازن الاستعماري:
– لا يهم إن كانت إسرائيل تخرق القانون الدولي.
– لا يهم إن قُتل مئات المدنيين في إيران، أو أُبيدت غزة.
– المهم ألا تخرج المعادلة الجيوسياسية عن سيطرة الغرب.
هذا الصمت ليس حيادًا، بل شراكة ناعمة في إنتاج القتل.
خلاصة:
إن جذر الموقف الغربي من هذه الحرب هو رفض وجود أي قوة خارج المنظومة، وتبني إسرائيل لا كأداة بل كفاعل استعماري مؤتمن على إدارة الفوضى، وإعادة إنتاج الشرق الأوسط كهامش مُدجّن تحت مركزية الغرب.
ما نراه ليس حربًا بين دولتين، بل اختبارًا لنموذج الهيمنة في وجه نموذج السيادة.
وفي هذا الاختبار، لا تقف إسرائيل وحدها، بل تقف في طليعة مشروع دولي لا يزال يُعيد إنتاج استعمار قديم بثياب جديدة.
2025-06-18
