القوة التي تفقد روحها الهجومية تُهزم!
جمال الطاهات
كثيراً ما تحسم نتائج الحرب في لحظاتها الأولى. طبيعة الهدف الهجومي وقابليته للتحقق ضمن موازين القوى المتاحة، وطبيعة الموارد المتاحة للدفاع لدى الطرفين، وقدرة المُدافع على تطوير أهداف هجومية مضادة، هي العامل الحاسم في تحديد نتائج الحرب. ودروس التاريخ كلها، بما فيها الإمبراطورية الصينية والفارسية، تؤكد أن الطرف الذي يفتقر إلى هدف هجومي واضح، مهزوم حتماً. القوة التي تفقد طاقتها الهجومية تُدمر.
القوى التي تفقد قدرتها على تطوير استراتيجيتها الدفاعية لاشتقاق أهداف هجومية تُهزم. القوى التي تنحصر في موقف الدفاع مصيرها الدمار. فليس أقوى من صخرة في مسيل الماء، ولكن صلابة الصخرة لا يمنع تآكلها. ديناميكية الماء وهجوميته اللينة رغم نعومته ورقته قادر على تذويب أعتى الصخور. لذلك لا تُقيّم الدول بمواردها الساكنة (إلا كهدف للاستيلاء عليه)، ولكن بقدرتها على تعبئة هذه الموارد لتنفيذ سياسات هجومية، او ما يعرف بالتحول نحو السياسات الصلفة (Bold Policies).
والغريب أن الإمام الخميني نقل عنه تصوره بأن القوة التي تفقد روحها الهجومية تصدأ. وأن كسر هذه الروح وامتصاص الطاقة الحيوية التي تشكل وتولد الروح الهجومية للثورة الإيرانية، مثل معضلة لإسرائيل والغرب في المنطقة منذ عقود. انكفاء إيران هو الذي منح الفرصة لتطوير الروح الهجومية لإسرائيل، ومكنها من استعادة حيويتها لمهاجمة إيران. إسرائيل تجهز خطتها الهجومية منذ سنوات، وإيران كانت تكتفي بتعزيز الردع والدفاع، ويبدو أن طاقتها الحيوية الضرورية لتطوير استراتيجية هجومية، هي الآن موضع تساؤل.
اللحظة الأولى للحرب الإيرانية الإسرائيلية تؤكد أن إسرائيل بدأت بالهجوم ولديها قدرة على تطوير أهداف هجومية جديدة. صحيح أن الهدف العسكري المباشر هو تدمير إمكانات إيران النووية، ولكن الهدف الاستراتيجي هو تنصيب نظام موالي لإسرائيل في إيران. فميزات إيران الجغرافية ومواردها الكامنة، وافتقارها للروح الهجومية تُغري بالاستيلاء عليها.
في المقابل غاب مثل هذا الهدف عن القوة الإيرانية. فكما تم حشر حزب الله في موقف دفاعي، وفقد قدرته على استخدام إمكاناته لتطوير أهداف هجومية، وتحوله إلى جسم اعتراضي في حالة انتظار، فإن إيران تعاني من ذات المعضلة، وهي غياب هدف هجومي واضح لها. أو ببساطة أكثر عجزها عن تطوير هدف هجومي واضح وإدامة الجهد حتى تحقيقه. وانكفائها خلف موقف الدفاع، بانتظار إسرائيل لتطوير هجومها.
لقد بدأت الحرب وإيران تفتقر إلى هدف هجومي واضح، وإذا لم يتطور لديها مثل هذا الهدف، فإن سقوطها مسألة وقت. ومن الأهداف الهجومية التي يمكن أن تتبناها إيران؛ إخراج أمريكا وحلفائها من الخليج العربي. أو العمل على تدمير معسكر اليمين في إسرائيل، عبر ما تستطيع أن تلحقه من خسائر عسكرية ومدنية بإسرائيل. أو أن تصل القوات البرية الإيرانية (بشكل مباشر وليس عبر وكلاء) إلى ضفاف بحيرة طبريا.
قصة سور الصين العظيم توضح أنه كان تعبيراً عن انكفاء الصين، وبالرغم من الموارد الهائلة التي بذلت لبنائه إلا أنه لم يكن أكثر من وسيلة لتأجيل انهيارها. وسياسة الانكفاء خلف الأسوار لم تكن فقط إيذاناً بسقوط الإمبراطورية الصينية، بل أسقطت روما، التي تفككت تحت طرقات قوى جاءتها من خلف الأسوار.
وهجوم الاسكندر المكدوني على فارس واسقاطه الإمبراطورية الفارسية، رغم بعد المسافات وتقطع خطوط امداد قواته، إلا أنه تمكن من تطوير أهداف هجومية بشكل متطور. فمنذ بدأ غزوه لبلاد فارس، كان المطرقة التي تخترق برميل البيض. وفي المعركة الحاسمة التي واجه فيها جيش الاسكندر جيش داريوس (وهو أحد أعظم الجيوش في تلك المرحلة)، مثلت الروح الهجومية الدرس الأهم في المعركة، حيث حشد الاسكندر قوته الضاربة في القلب، مركزاً الهجوم على شخص الملك. وتمكن الاسكندر من متابعة هجومه على داريوس رغم خسائره المتعاظمة على الجناحين، ولكنه تابع الهجوم حتى تحقيق الهدف، وهو تفكك فرقة القيادة التي كان يقودها الامبراطور قبل فراره.
ليس من باب التشاؤم والتفاؤل، ولكن من باب توقع المجريات للمرحلة القادمة. صحيح أن الصواريخ الإيرانية استطاعت أن تسحب إسرائيل لأتون المعركة، وهي تمنح إيران الوقت الكافي من حيث إطالة امد المعركة، ولكن هذا لا يكفي. فماذا يفيد الوقت إذا لم تستطع إيران الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
والهجوم الإيراني المتوقع يتمثل بكسر مثلث الهجومية الإسرائيلية. الأول هو رأس حربة الهجوم الإسرائيلي المتمثل بالميزات التقنية العسكرية، (هل تستطيع إيران أن تلحق بالقوات الإسرائيلية المهاجمة ما فعلته باكستان مع الهند). والثاني اختراق الدرع الذي يحمي إسرائيل، (هل تستطيع إيران أن تزيد من فاعلية هجماتها الصاروخية وحصولها على فرصة توظيف ميزتها في التفوق العسكري البري) وهذا يتطلب كسر الدور الأردني في تقديم مظلة حماية جوية وبرية لإسرائيل لتقليل أثر الضربات الإيرانية لها. والثالث، هو تطوير مراحل جديدة للهجوم ويتمثل في الوجود الأمريكي في الخليج.
أخيراً، فإن قدرة إيران على تطوير هدف هجومي واضح (وتعبئة الموارد اللازمة) لتفكيك مثلث الهجومية الإسرائيلية، أو على الأقل كسر أحد أضلاعه، هو الذي سيغير من مجريات الحرب، والأهم هو الذي سيكسر الروح الهجومية الإسرائيلية بشكل حاسم. خلاف ذلك فإن المتوقع أن تصمد إيران لفترة طويلة، وأن تضعفها الحرب، لتصبح بنية رخوة يمكن تشكيلها من جديد. وربما هذا ما يتم انتظاره لتبلور المرحلة القادمة من الحرب.
2025-06-18
