هل انتهى التاريخ كما زعموا؟
نزار طالب
تعتبر نهاية الحرب الباردة اعلانا لإكتمال التمركز الاقتصادي والمالي والسياسي والعسكري والإعلامي؛ الولايات المتحدة الأمريكية شكلت مركز هذا التمركز = القطب الواحد.
آليات عمل النظام الرأسمالي أفضت بالضرورة، في نهاية المطاف، الى التمركز.
كل الإشارات، منذ نشأة هذا النظام كانت تتجه نحو التمركز، الا ان الفاصل كان مسافة التطور الكافي التي كان على قوى الانتاج ان تقطعها.
كانت الحربين العالميتين الأولى والثانية أبرز محاولتين حاولهما التمركز الرأسمالي ، أفشل ثانيتهما التطور المفاجيء لمحاولة تمركز نقيض جريء هو التمركز الاشتراكي. واذ دخلت المحاولتان في حرب وجودية سميت بالحرب الباردة، وهي حرب هجينة اقتصادية وسياسية وآيديولوجية واعلامية واستخباراتية وسباق تسلح وحروب بالأسلحة التقليدية هنا وهناك، وذلك لتجنب حرب نووية ماحقة يملك اسلحتها طرفي الصراع.
نهاية ما سُمي بالحرب الباردة أفضت الى تراجع محاولة التمركز الاشتراكي وتقدم آلية التمركز الرأسمالي ونشوء، كما سبق القول، القطب الرأسمالي الواحد.
هل عرقلت محاولة التمركز الاشتراكي آلية (ضرورة) التمركز الرأسمالي؟
نعم
فقد تسارعت، منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتيرة الاندماجات والاتحادات بين الشركات التي شكلت الاحتكارات (تروستات، كارتيلات، سنديكات ..) ؛ كما اندمج رأس المال الصناعي برأس المال المصرفي او البنكي وبذلك انتقل هذا النظام الى مرحلة الامبريالية التي هي أعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية كما وصفها لينين.
أعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية يعني ان الرأسمالية استنفدت او ستستنفد عاجلا كل مبررات وجودها كنظام، وتعتبر، حسب قوانين علم المادية التاريخية، عشية الاشتراكية.
الامبريالية تبلورت في الغرب الأوروبي والأمريكي فقط وكان على الاشتراكية ان تقوم بثورتها، في الحلقة الاضعف، هناك تحديدا، كما توقع ماركس، لكن المفارقة ان الشروط الذاتية لم تنضج هناك رغم نضوج الظروف الموضوعية، بل نضجت في روسيا القيصرية الأقل تطورا وشكلت “الحلقة الأضعف” في المنظومة الرأسمالية.
وبعيدا عن روسيا القيصرية التي عُزلت وحوصرت بعد ان اصبحت روسيا السوفيتية، فقد بدأت الزلازل الاقتصادية تنسف أسس البناء الامبريالي الغربي.
كان عام ١٩٢٩ بداية الكساد العظيم، والى ١٩٣٩ فقد أعيا الداء الأطبة ولم تُجدِ معه كل المسكنات الاقتصادية الكينزية او العلاجات الأخرى.
ووقعت الحرب العالمية الثانية . ف الإمبريالية لا تعرف حلولا لأزماتها البنيوية العميقة والشاملة غير الحروب العميقة والشاملة. كانت الولايات المتحدة وبريطانبا قد ألّبتا الرأي العام الغربي على ان الاتحاد السوفيتي الناشيء لتوه والثورة الشيوعية التي تقوده هما سبب الازمة الاقتصادية التي ضربت الغرب الامبريالي وفي هذا الاتجاه ساعدتا الحزب الألماني النازي على الصعود لإستخدام ألمانيا، التي تعد نفسها لجولة جديدة من الحرب مع أوروبا إنتقاما لهزيمتها في الحرب العالمية الأولى ، كماشة نار لوأد الثورة الشيوعية قبل ان يشتد عودها من جهة ولتوجيه حقدها وتنفيس طاقة ثأرها وانتقامها نحو الاتحاد السوفيتي بدل اوروبا وأمريكا فيكونا قد ضربا عصفورين بحجر واحد!
لكن هتلر الذي فهم اللعبة البريطانية الامريكية والذي تظاهر بإبتلاع الطعم عقد معاهدة سلام سرية مع ستالين يقضي بعدم مهاجمة روسيا.
فضل هتلر الانتقام من أوروبا أولا بعد تحييد الاتحاد السوفيتي وخمن ان هذا الأخير صيد سهل سيأتي دوره لاحقا. وبقية قصة الحرب معروفة.
خرجت محاولة التمركز الاشتراكي من الحرب صلبة العود وأقوى مما كانت قبل دخولها موسعة نفوذها الى أوروبا الشرقية ونصف المانيا، وأعلنت بعد قليل عن امتلاكها السلاح الذري ردا على السلاح الذري الأمريكي الذي أشهرته أمريكا بوجه الاتحاد السوفيتي تحديدا عند قصفها لليابان في نهاية الحرب.
بدأت الحرب التي ما كان لها الا ان تكون باردة بسبب التوازن الذري، امتداد مباشرا للحرب العالمية الحارة التي فشلت ليس في تحقيق هدف القضاء على الاتحاد السوفيتي فحسب؛ بل قوَّته!
اذن ما الحل مع هذا الاتحاد السوفيتي؟ إضافة الحرب من الداخل الى الحرب من الخارج:
- اغتيال ستالين اولا، اي الاطاحة بالقيادة الثورية.
- لفسح الطريق امام صعود قيادة برجوازية يمينية انتهازية تحريفية للحزب والدولة.
- ولتتبع سياسة التعايش السلمي والكف عن تصدير الثورة الى عقر دار العدو الطبقي كشرط لبقاء الثورة في الاتحاد السوفيتي من جهة ولأن الثورة الشيوعية لا يمكن لها الا ان تكون أممية ولا يمكنها الاستمرار في بلد واحد لأن تحالف البرجوازية العالمية لابد ان يهاجمها؛ ودروس تجربتي كومونة باريس والحرب الاهلية الروسية بعد الثورة لا زالت ماثلة، من جهة أخرى.
في ١٩٩١ انهارت محاولة التمركز الاشتراكي.
الامبريالية الأمريكية رَكَزت سارية رايتها في جثة المنظومة الاشتراكية وأعلنت انتصارها.
انتصر التمركز الرأسمالي!
القطب الواحد!
انتهى التاريخ!
الليبرالية الجديدة هي الحل السحري لكل ما سيعترض البشرية من ازمات!
منذ أكثر من ثلاث عقود سيطر القطب الواحد الأمريكي (التمركز الامبريالي) على كامل الكوكب عدا بعض الأماكن الضيقة المحاصرة هنا وهناك.
بعد ثلاثة ارباع القرن تحولت التجارب (المحاولات) الناجحة والفاشلة للتمركز الاشتراكي الى رماد.
ومنذ سيطرة القطب الواحد حتى الان ليس لم تقم قائمة لأي محاولة ثورية اشتراكية حقيقية فحسب، بل ان الاماكن التي سلمت من الانهيار المبكر راحت تتراجع تدريجيا نحو الرأسمالية رغم محافظتها على القشور الخارجية للإشتراكية كما حصل ويحصل في الصين وفيتنام وكوبا.
المُلاك الافراد كانوا متوحدين في طبقة ضد طبقة الذين لا يملكون التي تناصبهم العداء وتناضل من اجل نزع ملكيتهم، لكن ما ان سحقت طبقة الملاك أعداءها وأفقدتهم أدوات نضالهم حتى انتقل الصراع الفردي الى داخل الطبقة المالكة نفسها من اجل الاستحواذ الفردي على كامل أملاك الطبقة، وهذه الصيرورة تفرضها الضرورة التي تعمل بمقتضاها آليات نظام الملكية الخاصة الرأسمالي. - الطبقة المالكة تتفكك وتتحلل الى عواملها الفردية (مشروعها فردي من البداية)
- الدولة، القشرة السياسية للطبقة المالكة وحاميتها، تتفكك هي الأخرى في أرقى نموذج وصلته الدولة الرأسمالية الارهابية-الدولة العميقة- المؤسسة-دولة اللوبيات الاحتكارية والمالية-الدولة الأمريكية: الصراع الفردي بين بايدن وترامب
وايضا في اسرائيل الكيان المناظر لها
الصراع الفردي بين نتن ياهو وبن غفير وسموترج وغالانت على حدة وبينهم من جهة وبين لابيد من جهة أخرى
الصراع الفردي بين ماكرون وماري لوبين وميلانشو
سلسلة الصراعات الفردية التي أطاحت ب ديفيد كاميرون وتيريزا ماي وبوريس جونسون وليزا تراس وصولا الى ريشي سوناك الذي ظهر متاخرا في استطلاعات الرأي عن زعيم حزب العمال
وفي ايطاليا أيضا
النزاع الفردي بين بوتين وبرغوجين والذي انتهى بتصفية الثاني من قبل الاول
الاطاحة بعمران خان في الباكستان
محمد بن سلمان الذي اطاح بنايف بن عبد العزيز وحل محله ةليا للعهد
شي جين بينغ الذي اطاح بكل خصومه في الحزب والدولة
مسلسل الانقلابات في أفريفيا التي أحلت افراد من العسكر محل افراد آخرين
اذن ، الصراع الفردي داخل الطبقة المالكة تحول ويتحول الى ظاهرة سائدة؛ متغلبة اليوم على ظاهرة الصراع بين الطبقة المالكة والطبقة المنزوعة الملكية التي كانت سائدة بالأمس.
تستطيع الطبقة المنزوعة الملكية، الآن، اذا نظمت صفوفها شن هجوم مضاد والنفاذ من الشقوق والصدوع التي خلفها ويخلفها الصراع الفردي داخل صفوف الطبقة المالكة، واستعادة زمام المبادرة مرة أخرى وإحلال التمركز الاشتراكي محل التمركز الامبريالي
الصراع الفردي داخل صفوف الطبقة المالكة سيستنزف طاقتها ويثقِّب دولتها العميقة.
يقول ترامب علنا وعلى رؤوس الأشهاد: أما ان أُطيح بالدولة العميقة وأما ان تطيح بي!
2023-09-03