قراءة في كتاب “نهاية المسيحية ، موت الإله في زمن السوق المعوّلمة “!

رنا علوان
[ “لا جينز إلا أنا”]
[“من يحبّني يتّبعني”]
إعلان قد ملأ شوراع إيطاليا لماركة تجينز ، عام 1973 ، أثار حفيظة فوزاره ، فهو رأى في الرأسمالية “الجديدة” أشد توتاليتارية من الفاشية ، لأنه شن الحرب على الكنيسة ، بينما النظام الفاشي أقام تحالف معها استفاد منه الطرفان
يخبرنا دييغو فوزارو وهو [ أستاذ تاريخ الفلسفة في معهد العلوم الإستراتيجية والسياسية بميلانو ، بالإضافة الى كونه أحد ا مفكري إيطاليا الأكثر تأثيرًا في الوقت الحالي ] ، في إصداره الأخير ، عن بداية نهاية الديانة المسيحية في إيطاليا بعد أن قررت حضارة الاستهلاك دخول حرب ضد الكنيسة
الكتاب مؤلف من 396 صفحة ، وفصول عديدة معنونة يتم تسليط الضوء على كل فصل منها بطريقة منفردة
يرى فوزاره ان خلع مظاهر الدين اصبح سمة ملازمة للحضارة الغربية ، بل انها باتت تتفاخر بذلك ، بينما في السابق كان الدين يُعد سلاح قوي لمواجهة تمدد العدمية التكنورأسمالية
كما لم تعد حضارة الرأسمالية المطلقة ، ( التي كانت فيما مضى تؤسس هيمنتها على العدمية النسبية وقوة التقنية) ، بحاجة إلى الاعتماد على الدين كأداة للسلطة ، مما جعل مصلحتها في أن تدفعه نحو الانقراض
ففي مسيرة التطور الرأسمالي كما نعلم أن [تركز الإنتاج] يؤدي الى تأكيد سيطرة الإحتكارات بقوة ، وتتحول الرأسمالية في مراحلها العليا والأخيرة الى مجتمع خدمات مركّز ، لكن تختفي هنا هيمنة الرأسمالية وتعود ادراجها الى الخلف لتتحول الى إمبريالية حقيقية تمثل ( الخدمات المتعددة ) واجهتها الحقيقية
يعتبر فوزاره ان الإسلام حاليًا هو الديانة الأكثر تنافرًا مع روح الرأسمالية ، عكس الديانات الأخرى ، الأمر الذي سهّل على أصحاب الفكر المادي إختلاق عداء بين الديانات تحت مسمى “حرب الأديان” من أجل تصفيتها على اعتبار أنها ديانات تميل الى التعصب والهدف رفع حظوظ [ الديانة الإلحادية للسوق] كما وصفها
ويصبح بذلك النظام التكنورأسمالي هو “النظام الرمزي الجديد” الذي من شأن الإنسان الغربي أن يتحرك داخله
ويخصص فوزارو في كتابه ، فصلًا عن الإسلام عنونه بـ”الإسلام والرأسمالية” ، أكد فيه صمود الإسلام أمام محاولات تفكيكه يعود كما يؤكد (الفيلسوف الإيطالي) أنطونيو غرامشي ( الذي استشهد فوزارو بنظرته) إلى محاولة ضربه من المجتمع الرأسمالي دفعة واحدة عكس المجتمع المسيحي ، الذي مر بمراحل تدريجية للتطبيع مع الحداثة التكنورأسمالية ، حيث إن غرامشي لم يستبعد أن يقع للإسلام ما وقع للمسيحية إن تم اتباع الأسلوب التدريجي نفسه لاستعماره
ويواصل فوزارو ، أن “الدين والفلسفة من حيث إنهما أداتان للبحث عن الحقيقة من الداخل ، لم يعد لهما مكان ضمن حضارة اتخذت شكل سلعة ، فكل شيء داخل حدودها لا يمكن أن يكون سوى سلعة مدفوعة الثمن”
يقول فوزارو ، ان “الفئة الأوليغارشية النيوليبرالية هي نفسها التي تحارب الإسلام خارج أوروبا من خلال كهنوتها الفكري المكّمل ، وتربطه لأسباب أيديولوجية بحتة بالإرهاب ، (والحقيقة تعود لتعارضه الجوهري مع حضارة السوق)، هي من يحتفي به (أي الإسلام) في أوروبا وتدّعي تقبّله لغرض واحد ووحيد هو تسهيل عمليات إزالة المسيحية من الغرب بشكل كلي
ويشدد فوزارو على أن “الإرهاب الإسلاموي” المعولم ليس عدوًا للعولمة الإلحادية ، بل رديف لها ، وعاكسًا للعدمية الرأسمالية ، وتعصب السوق الحر المنفصل كليًا عن أسس الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الرومانية والإغريقية سواء بسواء
“فالإرهابي تظهر إلحاديته وعدميته من خلال التوفيق بين فكرة الإله والموت ، بهذا المعنى من يتوهم أنه يقتل بإسم الله هو أيضًا يقتل [ الله مرادف الأزلية ] ، ويعتنق العدمية مرادف اللاشيء”، بحسب المؤلف
ويُكمل ان “النتيجة من العدمية هذه وموت الإله من خلال تغييه ، تؤدي إلى بطلان معنى الحياة لدى الإنسان الغربي ، الذي لم يعد وجوده محميًا بأي أفق للمعنى ، كما لم يعد موجهًا لأي هدف نهائي يتعين عليه تحقيقه ، ليصبح المعنى الوحيد من عالم منزوع الآلهة مرتبط بنمو خارج الذات يمثله التقدم التكنولوجي ومؤشرات السوق المالية”
إن التوافق الكامل بين العدمية الليبرالية والإرهاب يظهر ، بحسب فوزارو ، من خلال التطابق التام بين [ شعار الإلحاد النيتشوي “موت الإله” مع شعار الإرهاب “الإله موت” ]
وبذلك يكون الإرهاب ابن العدمية التقنية أكثر من كونه ابن الإسلام
يواصل فوزارو ، فيقول ( يتجلى منهج إعدام الحضارة ورموزها على النحو الذي تريده ثقافة الإلغاء في الغرب ) ، التي تطالب بتحطيم كل رموز الحضارة والتقاليد والتماثيل والصور التي لا تتوافق مع رؤى “الووك”
وإذ يشير فوزارو إلى أن “ثقافة الإلغاء” و”الصوابية السياسية” ومعهما “العلمانوية المتطرفة” تنهل كلها من منبع العدمية ذاته الذي ينهل منه الإرهاب ، فكلاهما تحركه رغبة في القتل ، وإن كان بشكل (مخادع)
كما أن الاستعراضية الهوليودية للرعب والإرهاب “الدعائي” على طريقة داعش (تنيظم الدولة الإسلامية) وبن لادن (تنظيم القاعدة)، تجعلنا ندرك أننا أمام خرائط مفهوماتية مشتركة بين الإرهاب الإسلاموي والحضارة العدمية التكنورأسمالية ، بحسب المؤلف
ويذهب فوزارو في الفصل ذاته للتأكيد أن [ الاحترام الزائف] الذي تظهره بعض الأوساط الغربية للإسلام اليوم ، ليس سوى أداة لخلع المسيحية أكثر عن الغرب ، ولا يعبّر البتة عن تسامح حقيقي مع ديانة فشلت إلى الآن كل عمليات تدجينها بالأساليب التقليدية
وهذا لا يرمي لاستبدال المسيحية بالإسلام ، كما يُنظر لها من أطلق عليهم فوزارو اسم أصحاب [العمق الفارغ ] ، بل هي خطة لضرب هذا بذاك ، بغية التخلص من الاثنين معًا لصالح النظام التكنورأسمالي
2023-09-03