يوم فزعة…..!
أبو علاء منصور.
منذ سنوات لم أعد أشارك في الفعاليات الشعبية لأسباب مختلفة. يوم الخميس الموافق 13\11\2020 اتصل بي الصديق الناشط محمد الخطيب ودعاني للمشاركة في فعالية فتحمستُ للفكرة. وعند الساعة الثامنة والربع صباحاً جاءني شقيقه الصديق أحمد الخطيب إلى رام الله بسيارته قادماً من بلعين، وانطلقنا إلى منزل الصديق عبد الله عليان في حيّ الإرسال وحملناه وابنه عباس -15 سنة- وانطلقنا صوب منطقة -حُمصة- في الغور الشمالي وهي ثلاثة تجمعات خيام هدمتها قوات الاحتلال قبل أسبوع ونكلت بقاطنيها.
رحلة ممتعة وطبيعة جميلة ونحن نقطع طرقاً على الحدود الشرقية لرام الله ونابلس باتجاه الغور الشمالي، فعبرنا بمحاذاة قرية المغيّر -بلد الفدائي عيد النعسان- وقرية دوما -بلد الفدائي الملقب المصيبة وعبد الجواد سلاودة. في هذه المناطق النائية والمهمشة يحق أن تنحني الهامات لعظمة الفلاحين الذين صمدوا رغم فقرهم وقسوة حياتهم، واستصلحوا الأرض وفلحوها واشتبكوا مع المستوطنين وسقط أبناؤهم شهداء وجرحى ومعاقين، وجبل التراب بالدم والعرق فصنعوا ملحمة صمود ومأثرة فداء وانتصار. هنا المعركة الحقيقة مع الاحتلال قبل أي مكان آخر.
بعد ساعة انعطفنا إلى طريق ترابية في سهل قريب من بلدة طمون، فمرت بخيالي رحلة الفدائي الشهيد خالد الديك -أبو خلدون- الذي عبر نهر الأردن من الشرق وكيف استقبلته الفدائية الأسيرة المحررة ابتسام الشمة\غرايبة في بلدة طمون بعد منتصف الليل، وهي التي قضت 5 سنوات في سجون الاحتلال. عند الفجر فوجئوا بسماعات جيش الاحتلال تنادي: (الرجال إلى ساحة المدرسة). ارتبك البطلان فألبست ابتسام خالد ثوب امرأة فلاحة وحمل على رأسه قدحاً وضع فيه قطعتيّ الكلاشنوف وقنبلتين يدويتين، وعبر بجسارة بين الجنود دون أن يرف له جفن، كأنه سيدة فلاحة في طريقها للحقل. وواصل الطريق مشياً على الأقدام حتى استقر به المقام بعيداً بعيداً في قرية فرخة بمنطقة سلفيت. يا لعظمة رجال ونساء زمن الفدائيين.
وصلنا إلى المنطقة المقصودة المسماة -حُمصة- عند العاشرة صباحاً فوجدتُ نفسي وسط ثلة متطوعين -60 شاباً وصبية من طلبة الجامعات والمدارس والموظفين- مشهد رائع وقد انتشروا بين حطام الخيام والأثاث المدمر الذي اضطر أصحابه للنزوح بأطفالهم ومواشيهم وبعض أثاثهم إلى موقع مؤقت في منطقة الحمرا، تفادياً للمطر الذي انهمر غزيراً في ليلة الهدم المشؤومة. اعتاد المتطوعون معرفة واجبهم، فتوزوعوا سريعاً على مجموعات لتصنيف الأشياء المحطمة وفرزها عن بعضها بعضاً -مواسير وزوايا وقضبان وأسلاك وغيرها- لإعادة استخدامها مجدداً، فسلطات الاحتلال تمنع وصول أي جديد يساعد في إعادة البناء. لا أعظم وأنقى من المشاعر التي يبثها التطوع في نفس المتطوع، في مثل هذه الأجواء تبنى الشخصية الوطنية والإنسانية السوية، وتُنقى الذات مما علق بها من شوائب وأدران.
كنا حمولة باصين وسيارتين، والتحق بنا باص ثالث يحمل عشرين متطوعاً قدموا من منطقة مسافر يطا وبيت لحم يتقدمهم الناشط محمود زواهرة. تساءات مع أحد الشباب: لماذا تجشم هؤلاء الشباب عناء السفر فجاءوا من جنوب الخليل؟ لمذا لم يتطوعوا لقطف الزيتون في مناطقهم؟ رد: جاءوا بهدف التفاعل مع المجموعات القادمة من رام الله وغيرها وللتعرف على تجارب ومناطق جديدة.
لكم كنتُ فرحاً وقد فوجئتُ بعدد من الأصدقاء المتضامنين الإسرائيليين الذين قدموا بسياراتهم من تل أبيب وحيفا، أولئك الذين تعرفتُ عليهم قبل خمسة عشر عاماً في تجربة المقاومة الشعبية في بلعين وما زالوا على ذات الطريق: جونثان بولاك، كوبي، ميخال، عوديد، شارونا، دان، والمصور أورن، ومعهم ليما الفلسطينية وعدد من الشباب والشابات الفلسطينيين القادمين من مدن حيفا والناصرة وغيرها. تفاعل رائع للباحثين عن العدالة والتصدي لجرائم الاحتلال.
مر بجواري طفل بسمرة سحنة صافية وهو من أطفال التجمع فأجلسته بجواري وسألته: ما اسمك؟ رد: اسلام. قلتُ: كم عمرك؟ أجاب: 9 سنوات. لم يترك لي الطفل مجالاً لمواصلة السؤال فالتقط الحديث وراح يركز على ما يشغل ذهنه فسألني: شو التلفون اللي معك؟ سحبت تلفوني من جيبي وناولته إياه فقال: آه أيفون. سألني: أنت إيش خطك؟ قلت: جوّال. قال: فيه ألعاب وصور؟ قلت: لا يوجد هنا نت. قال: في العام القادم سيشتري لي والدي تلفون… أتطلع في عينيّ الفتى فأتخيل أولويات الأطفال! هؤلاء لا يفكرون إلاّ بما يُفرحهم بغض النظر عن مرارة الواقع، أما نحن الكبار فنقهر أنفسنا ونسوّد حياتنا بالغرق في الألم والشكوى من قسوة الحياة ما يحرمنا من لذة الاستمتاع بمنحها. أثناء جلوسنا لفتت انتباهي المتطوعة شروق التي التقيتها قبل مدة في مزرعة أم سليمان في بلعين، رأيتها تدهن وجهها بمرهم لحمايته من حرارة الشمس وتواصل ذلك مع عدد من الصبايا، فنظرتُ إلى وجه الطفل ببشرته الصافية كالزجاج وهمستُ في داخلي: لا يملك هؤلاء المال لشراء الكريمات، إنهم يقاومون قسوة الحياة بجلود متينة.
في هذه الخيام والصفائح الفقيرة يقيم حُرّاس الأرض الفلسطينية. تساءلتُ مع نفسي وأنا أنظر في حطام الخيم والبراكيات: لماذا يتعامل الاحتلال بهذه الوحشية المفرطة مع هؤلاء الفقراء، فيهدم خيامهم ويُسوّد حياتهم وهم أناس بسطاء ورعاة أغنام يبحثون عن رزقهم؟ إنه الضعف الإسرائيلي الذي يجعل واحداً من أقوى جيوش العالم يستقوي على الضعفاء، لإدراكه العميق بأنهم حماة الأرض الحقيقيين.
عند الظهر تناولنا غداء بسيطاً صنعه المتطوعون -قلاية بندورة وبعض علب سردين وتونا وحمص- ونهض المتطوعون مجدداً للعمل وهم في غاية السعادة والإقبال، بعضهم يحفر حفراً لأقامة زريبة أغنام بدل زريبة مهدمة، وآخرون يعبؤون تريلا بالعلف لنقله بالتراكتور إلى المكان الجديد الذي لجأت إليه العائلات هرباً بأطفالها وأغنامها من المطرالذي انهمر في الليلة التي قرر فيها الجيش هدم التجمع، وآخرون يعبؤون علفاً في أكياس تعفر وجوههم الغبرة والتراب. من أين لهذه الأيادي الناعمة والأجساد النحيفة والضئيلة لشبان وفتيات في عمر الورود هذه القوة وعدم الضيق بالغبار والتعب وقسوة الشمس؟ أنها عزيمة الشباب وروح التطوع.
عند الثالثة والنصف انتهت الفعالية، فأخذتُ وأحمد الخطيب وعبد الله عليان وابنه عباس طريقنا إلى قرية تياسير لزيارة عائلة المرحوم الفدائي أحمد دبك الملقب مازن. شربنا القهوة هناك وواصلنا الرحلة لتقديم واجب العزاء بالأسير كمال أبو وعر في بلدة قباطية وهو الذي استشهد في سجون الاحتلال قبل أيام، ومن هناك إلى بلدة عرابة، وفي الطريق على مثلث الشهداء قرأنا الفاتحة على روح شهداء الجيش العراقي. في بيت الصديق أنور لحلوح في بلدة عرابة شربنا الشاي واستعرضنا بعض ذكريات من زمن الفدائيين. وفي طريق العودة إلى رام الله عرّجنا على معرض عاطف العصعوصي وإخوانه لبيع السيارات في قرية العصاصة جنوب مدينة جنين وتناولنا القهوة، واختتمنا الرحلة الطويلة على عشاء استضافنا إليه أحمد الخطيب في مطعم بمنطقة وادي الشعير بالقرب من مدينة نابلس… يوم شاق وطويل لكنها رحلة ممتعة.
مع تحيات أبو علاء منصور
14\11\2020
تعليق واحد
لكل زمان رجاله ومناضليه
الشهداء والاسرى والجرحى والمناضلين هم مستمرون على طريق التحرير وان قضية فلسطين حية لاتموت في ضمير الانسانية والوطنية والعدالة،،،،
الرحمة على شهداء الحرية والكرامة
الرحمة والشرف على شهداء الجيش العراقي في مثلث جنين