أربعة عقود مضت ولا زالت جراح من عايش هذه المجزرة لم تلتئم بعد لشدة هولها وبشاعتها ، لقد عجزت الأبجدية عن وصف ما جرى ، فما نقله شهود عيان كان كفيلا على تأكيد حجمها الذي لا يمكن لأي لغة الإحاطة بها ، لقد خلقت هذه المجزرة ندوب في الذاكرة لا تُمحَ
وإن أبشع ما فيها ، هو ما تمثّل من عنف للإنسان تجاه أخيه الإنسان ، وهذا الشيء كان الاشد حضوراً فيها ، فما جرى من تنكيل بالجثث يدل على مدى الاجرام الذي تفوق به الإنسان عن سائر المخلوقات
أما الموت الذي كان حاضراً فيها لم يُفرّق بين لبناني وفلسطيني كما حال عدونا الذي باغت الأبرياء مع بزوغ الفجر في السادس عشر من أيلول ١٩٨٢ ، عبر آداته مليشيا “حزب الكتائب اللبناني” المسيحي اليميني ، وقُدر عدد الضحايا بين 750 و3500 قتيل ، أغلبهم من الفلسطينيين
وتبلغ مساحة “صبرا” و”شاتيلا” نحو كيلومتر مربع واحد ، فيما يقدر عدد سكانهما اليوم بحوالي 12 ألف شخص وهو (رقم غير رسمي) ، من بين 12 مخيما للاجئين الفلسطينيين في لبنان ، والذي اسسته وكالة الأمم المتحدة للإغاثة ( الانروا ) عام ١٩٤٩ بهدف إيواء المئات من اللاجئين الذين هُجّروا من قرى عمقا ومجد الكروم والياجور في شمال فلسطين بعد عام ١٩٤٨، ويقع المخيم جنوب بيروت العاصمة ، ولعل هذه المخيمات وجدت لأهداف خبيثة ( كوني شخص لا يثق بإمبراطورية الكذب أو إحدى مؤسساتها ) ، أهمها منع الإنخراط الجاد بين الشعوب العربية الشقيقة ، كي لا يزيد التلاحم ، فيُسفر ذلك عن تعزيز لفكرة مقاومة الاحتلال والاخذ بالثأر ، كما لابقاء الشعب الفلسطيني محصور في بقعة معينة يتم استهدافه والقضاء عليه ساعة ما أمكن ذلك
مدة المجزرة الزمنية
استغرقت المجزرة اثنتين وستين ساعة ، وتلك الساعات كانت كفيلة لحصد الاف الأرواح من الأبرياء العُزل ، من بينهم الأطفال والنساء (بما في ذلك الحوامل ، حيث كانت تبقر بطونهم ويتم تقطيع الجنين ) والشيوخ الذين مُثِّل ببعضهم أشنع تمثل ، ونُزعت أحشاؤهم قبل أو بعد قتلهم . كما ذكر الصحفيون الذي وصلوا إلى الموقع إثر المجزرة أنهم شاهدوا أدلة على عمليات إعدام فوري للشبان
ونسوق هنا جانباً مما رواه أحد الصحفيين المعاصرين الذين شهدوا آثار المجزرة ، وهو الصحفي توماس فريدمان من صحيفة “نيويورك تايمز” ، حيث قال: “رأيت في الأغلب مجموعات من الشبان في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم ، صُفُّوا بمحاذاة الجدران ، وقُيِّدوا من أيديهم وأقدامهم ، ثم حُصدوا حصداً بوابل من طلقات المدافع الرشاشة بأسلوب عصابات الإجرام المحترفة”
تقرير لجنة كاهان
تناول تقرير لجنة كاهان بالتفصيل الدور المباشر الذي قام به وزير الدفاع السابق أرييل شارون في السماح لأفراد ميليشيا الكتائب بدخول مخيمي صبرا وشاتيلا ، فقد شهد الجنرال رفائيل إيتان ، رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، على سبيل المثال ، بأن دخول ميليشيا الكتائب المخيمين تم بناءً على اتفاق بينه وبين وزير الدفاع السابق أرييل شارون ، وفي وقت لاحق توجه شارون إلى المقر الرئيسي لميليشيا الكتائب حيث التقى بعدة أشخاص ، من بينهم بعض قادة الكتائب ، وأصدر مكتب وزير الدفاع السابق أرييل شارون وثيقة تتضمن ” تلخيص وزير الدفاع لأحداث الخامس عشر من سبتمبر/أيلول ١٩٨٢ ” جاءت فيها عبارة تقول
[ لتنفيذ عملية المخيمين يجب إرسال ميليشيا الكتائب]
كما ذكرت هذه الوثيقة أن “قوات الدفاع الإسرائيلي سوف تتولى قيادة القوات في المنطقة”
قيل بأن الجريمة أتت كرد فعل على اغتيال بشير الجميل رئيس ميليشيا الكتائب ، حيث اتُهم فيها اللبنانيان [ حبيب الشرتوني الذي اعترف لاحقاً وقال ( فعلتها ولستُ نادماً ) ونبيل العلم ، لكن اعتبر البعض أن الدافع هو أمر من العدو جاء كرد على عملية ميونخ التي نفذتها البطلة الفلسطينية [ دلال المغربية ] وهي مقاتلة فلسطينية حرة ضحت بنفسها خلال العملية ، وهي اختطاف حافلة اسرائيلية أثناء دورة الأولمبياد الصيفية في ميونخ ، بهدف استبدال الرهائن بالاسرى القابعين داخل سجون الاحتلال
أما لماذا يجب أن لا ننسى ، كي لا يُصبح أي انتهاك جديد مصدر قلق حاليّ ، بينما تتراجع بقية الأحداث في الخلفية ، وفي لمح البصر يستطيع القليلون فقط تذكر ما حدث من اجرام في الماضي ، فتُمحى الذاكرة تدريجياً مع نشوء جيل جديد لم يسمع بما حدث ، فلا يسعَ لأي انتقام أو يُعير لفكرة المقاومة أي اهتمام