وفاة رجل نادر..!
مهدى مصطفى
«بعض الناس يُولَدون بعد موتهم، أو وفاة آبائهم»، هكذا تكلّم فيلسوف ألمانيا الكبير نيتشه. والبابا فرنسيس، رجل نادر من أولئك الذين أشار إليهم نيتشه.
جاء من خارج أباطرة الباباوات الذين ورثوا مقعد القديس بطرس، القديس السورى الفلسطينى الذى تعمّد بغبار الجليل، ورمى شباكه فى بحيرة طبرية، وتكلّم اللغة الآرامية، لغة أهل الأرض الذين استقبلوا إيمانه فى فجر قديم، لا الذين جعلوه صولجانًا وحروبًا وصكوكًا، وتجاهلوا إيقاع لغته الآرامية الحميمة.
فلسطين تُصلب من جديد، وسوريا تُعذّب وتُسرق منذ زمن طويل، وتتحوّل إلى رُوما القاسية، صورة لا تبرح خيال البابا فرنسيس، وأراد أن يصل ما انقطع مع القديس بطرس الذى يحكم باسمه أباطرة لا يعرفون لغته، حوّلوها إلى حملات على الأرض نفسها التى سار عليها القديس بطرس ذات يوم.
يحكمون باسمه، ويقتلون باسمه، وهو التلميذ الذى لم يتخيّل أن يصبح ميراثه هكذا.
فى فيلم «الأب الروحي»، يعترف مايكل كورليونى للبابا فى الحديقة، لا فى غرفة الاعتراف حتى لا يتجسس عليهما ميكروفون فى الفاتيكان، قال له البابا وقد أمسك بـ «زلطة» من حوض أشجار قريب:
هل تعلم يا مايكل أن أوروبا تشبه هذه الزلطة الموجودة وسط الماء منذ قرون، لكن الماء لم يستطع أن ينفذ إلى قلبها؟ هذا الماء بمثابة الدين، و«الزلطة» بمثابة أوروبا».
فرنسيس كان بمثابة الماء بالنسبة لباباوات أعطوا صكوك الحرب على الشرق، ذلك الشرق الذى عرف الدين، وعرف العدالة، وأراد أن يجعل العالم فى سلام، وكان تأكيدًا للقديس بطرس الصياد، ذاك الذى أخذوا فكرته، وحوّلوها إلى دمار لا يتوقف.
إشارة فرنسيس، الذى انحنى أمام الجدار العنصرى الإسرائيلى فى فلسطين الأصلية، كانت إشارة من الرجل إلى أن فلسطين لا تزال تتألّم فى جبل الجلجلة الذى مشى عليه المسيح، ودعا إلى ثقافة مختلفة فى أرض القديس بطرس، وهو الوحيد من بين آخرين الذى أراد رسالة مختلفة.
فهل تلتقط أوروبا الرسالة، أم ستدمّر إشاراته العظمى؟
أطلّ عليها من شباك المنسيين والمهمّشين، جاء من عالم لاهوت التحرير، عرف الفقراء والمساكين، ولم يمشِ تحت أضواء القياصرة، فاستحق أن يكون نادرًا فى حديقة جهنم الأوروبية.
جاء من مكان مختلف، أصغى إلى بكاء الأرامل فى الحقول، وإلى سؤال الأطفال فى الأزقة، يعرف أن اللاهوت إن لم يتجسّد فى الجوع، وفى الخبز، وفى اليد الممدودة، يصبح تمثالًا من ذهب لا يطعم ولا يؤوي.
أوروبا التى تسمع ولا تصغي، ترى ولا تُبصر، تتوضأ بثقافة، لكنها تتجاهل دم السورى الفلسطينى الذى بنى كنيستها الأولى، وحفرت قدماه طريق الجليل، وسقى شجرة الزيتون من عرقه فى طبرية.
أخشى أن تستعيد أوروبا ذكرى الحملات والأباطرة بعد ذهاب البابا فرنسيس، وتظل روما تسرق سوريا وفلسطين الأصليتين، ولا تُدرك معنى الجليل والناصرة والقدس وبيت لحم.
2025-04-23
