هل ينقذ الخيار العسكرى الاقتصاد الأمريكى؟
مصطفى السعيد
تواصل إدارة الرئيس الأمريكى ترامب اعتماد الخيار العسكرى لتحقيق مكاسب، يأمل ترامب أن تنقذ الاقتصاد الأمريكى من أزماته الخانقة. أراد نفط فنزويلا، ومعادن وموقع جرينلاند، وإسقاط إيران والتحكم فيها، بل راح أبعد من ذلك بإعلان الخارجية الأمريكية أن نصف الكرة الغربى منطقة نفوذ أمريكية.
هذا الجنوح الأمريكى نحو الحرب مليء بالمخاطر وغير مأمون العواقب، واحتمالات نجاحه محدودة، فالحروب مكلفة جدا، ولم تدخل الولايات المتحدة معمعة الحروب فعليا، فما قامت به فى فنزويلا لا يتجاوز عملية أمنية خاطفة، أسفرت عن اختطاف الرئيس الفنزويلى مادورو، لكن القوات الأمريكية لم تضع أقدامها على الأراضى الفنزويلية، التى يديرها فريق الرئيس مادورو، أى أن النظام لم يتغير، ولا تسيطر الولايات المتحدة على القرار، وإن كانت تمارس الابتزاز عبر تهديدات بعمل عسكرى جديد، لهذا غضب ترامب عندما رفض مدير شركة إكسون موبيل الأمريكية للنفط عودة الشركة للاستثمار فى فنزويلا: وقال «لا تتوافر شروط الأمان لاستثماراتنا ولا للعاملين، لهذا لا يمكننا أن نغامر بالمال والرجال فى بيئة معادية»، وكان الرئيس الأمريكى قد أعلن أنه الرئيس بالوكالة لدولة فنزويلا، مقتلعا لنفسه حق إدارة بلد آخر، دون أى سند قانوني. وكان الصادم للعالم إعلان ترامب أنه لا يستند لأى قوانين دولية، وإنما لأخلاقه فقط.
هكذا أسقط ترامب القانون الدولى الذى كانت الولايات المتحدة أهم مدونيه، وأول الموقعين عليه، وينص الدستور الأمريكى على احترامه، وهو ما يعنى أن ترامب لا يخالف القانون الدولى فقط، وإنما الدستور الأمريكى أيضا. أما المفاجأة التى وجدها ترامب، أن النفط الفنزويلى يحتاج إلى استثمارات ضخمة للغاية وسنوات طويلة، مما يدل على أن إدارة ترامب لم تكن درست قطاع النفط الفنزويلي، الذى يعد الدافع للخيار العسكرى وعملية الاختطاف.
أما عملية جرينلاند فأكثر تعقيدا وخطورة، رغم أنها جزيرة كبيرة شبه فارغة من السكان، فإنها تحت سيادة دولة عضو فى حلف الناتو وهى الدنمارك، وسيكون احتلالها بالقوة العسكرية حدثا خطيرا للغاية، فالدولة الرئيسية فى حلف الناتو ستحتل أراضى دولة فى الحلف، المفروض أنها توفر لها الحماية، وهو انقلاب من شأنه أن ينهى الحلف عمليا، ولهذا قال ترامب ما معناه «ماذا استفدنا من الحلف»، هل كان سيساعدنا فى أى من أهدافنا؟، وهو ما يعنى أن الحلفاء الأوروبيين سيتحولون إلى خصوم. لم يكترث الرئيس ترامب بالبحث عن ذرائع لاحتلال جرينلاند، قال إنه يحتاجها من أجل الأمن القومي، وكان يمكن أن يوفر الأمن من خلال الحلف، وليس بالسيطرة المنفردة على الجزيرة.
ولو افترضنا أن ترامب سيمضى إلى احتلال الجزيرة بأى وسيلة، وفى المقابل سيخسر الحلفاء الأوروبيين، ويترك ضغينة ومرارة، ولهذا لم يكن غريبا أن دعا بعض قادة أوروبا إلى تعزيز العلاقات مع الصين، بل جرى طرح ضرورة إنهاء الحرب فى أوكرانيا، والتواصل مع الرئيس الروسي، وكأن أوروبا تبحث عن إعادة هيكلة تحالفاتها بعد أن خذلتها إدارة ترامب مرتين، الأولى بوقف الدعم عن أوكرانيا، ثم بمحاولة انتزاع جرينلاند من الدنمارك. يعتقد الرئيس الأمريكى أن الفوز بالجزيرة أهم من علاقاته مع حلف الناتو، فالجزيرة فيها معادن نادرة وآبار غاز ونفط، لكنها أيضا تحتاج إلى الكثير جدا من الاستثمارات، وسيكون البحث عن آبارها ومعادنها شاقا ومكلفا، بينما الاقتصاد الأمريكى فى حاجة ملحة وسريعة إلى المال والثروات، ليتمكن من إعادة الانتعاش، والتخلص من الديون الهائلة، وهذا ما لن يتحقق فى المدى المنظور.
نأتى إلى الحملة المرتقبة على إيران، والتى كانت تحت الاستهداف لعقود طويلة، لكنها كانت عصية طوال تلك السنوات الطويلة من الحصار والعمليات المخابراتية والعسكرية، فهل ستنكسر إيران هذه المرة؟ التصور أنه كان بالإمكان تحطيمها من الداخل، من خلال اختراقات أمنية واستثمار التمايز العرقى والدينى والمذهبى والمناطقي، وكل أنواع الخلافات والمشكلات وتفجيرها، وهو ما ظهر فى حركة الاحتجاجات الأخيرة، لكنها لم تستمر حتى تتوج بعمل عسكرى وسلطة بديلة، فانهار خيار الإسقاط من الداخل فى هذه الجولة كما فى جولات سابقة، وإن كانت هذه المرة الأشد عنفا، وأصبحت إدارة ترامب إما أن تواصل بنفسها ووحدها القيام بعمل عسكرى أو تتراجع وتكتفى بالتهديدات وتشديد الحصار، وإذا واصلت فهل يمكن أن تحتمل تكلفة المواجهة العسكرية، وما سيتبعها من احتمال التوسع لتطول حلفاء بما فيهم إسرائيل. الولايات المتحدة أمام معادلات صعبة ومعقدة، فلا يمكنها تحمل حرب طويلة، ولا يمكنها إلا أن تواصل هذه المقامرة.
2026-01-20