حين تقول واشنطن للعالم: اختاروا بيننا وبين إيران…
فهي تعترف من حيث لا تريد أن تعترف بأن المعركة لم تعد مع إيران وحدها!
جوهر سعود
حين تتحول واشنطن من استهداف إيران إلى تهديد كل دولة تتعامل معها، فهذه ليست مجرد عقوبات على دولة؛ هذه محاولة لإعادة تعريف النظام الدولي بالقوة: من معنا فهو داخل المنظومة، ومن يرفض فهو خصم.
وهنا يجب أن نفهم المشهد جيدًا.
المعركة لم تعد أمريكية ـ إيرانية بالمعنى الضيق. إنها صراع على شكل العالم نفسه: من يملك القرار؟ من يفرض قواعد التجارة والطاقة والمال والممرات؟ ومن يحق له أن يصعد اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا خارج السقف الذي تضعه المنظومة الغربية؟
ولهذا تحديدًا يصبح اختزال المعركة في «إيران ضد أمريكا» خطأً استراتيجيًا. إيران جزء من المشهد، لكنها ليست كل المشهد. خلفها قوى صاعدة ومصالح دولية وشبكات تجارة وطاقة وممرات استراتيجية، وفي الجهة المقابلة تقف منظومة أمريكية غربية تحاول الحفاظ على قواعد النفوذ القديمة.
والأهم أن واشنطن نفسها تتصرف كمن يعرف أن الحرب الشاملة لا تُحسم بإرادة دولة واحدة. لذلك تستنفر الحلفاء، وتضغط على الشركاء التجاريين، وتستخدم العقوبات الثانوية، وتحاول عزل إيران اقتصاديًا وسياسيًا.
وبالمقابل، إيران لا تستطيع وحدها أيضًا خوض معركة بهذا الحجم إلى نهايتها. ولذلك فالمعادلة الحقيقية ليست: أمريكا ضد إيران.
المعادلة هي: محاور في مواجهة محاور، ومنظومات في مواجهة منظومات.
وهنا يقع الفخ الذي يجب ألا تقع فيه ساحات التحرر العربية والإسلامية: أن يتم جرّ كل قوة إلى مربع كيانها وحدودها ومشكلتها المحلية، حتى تتحول المعركة الكبرى إلى عشرات المعارك الصغيرة.
سوريا تُحاصر داخل سوريا. لبنان داخل لبنان. فلسطين داخل فلسطين. العراق داخل العراق. واليمن داخل اليمن… وكل طرف يُدفع إلى خوض معركته منفردًا، بينما الطرف المقابل يعمل بعقلية الشبكة الواحدة.
هذه هي حرب الكيانات.
وحرب الكيانات هي الخطأ السياسي والعسكري الأكبر؛ لأنها تجعل كل جبهة تبدو منفصلة عن الأخرى، بينما المصالح التي تواجهها مترابطة أصلًا.
لكن التوحّد المطلوب لا يعني ذوبان الدول ولا إلغاء خصوصيات الشعوب، ولا يعني أن تتحول المنطقة إلى غرفة عمليات واحدة بالضرورة. المقصود هو تنسيق سياسي واقتصادي واستراتيجي حقيقي: تنسيق في المواقف، والطاقة، والتجارة، والممرات، والإعلام، والدبلوماسية، والأمن، وبناء بدائل عن أدوات الابتزاز الخارجي.
فإذا كانت واشنطن تريد من العالم أن يختار، فعلى شعوب المنطقة أن تسأل السؤال المعاكس:
لماذا نقبل أصلًا أن يكون الخيار محصورًا بين واشنطن وطهران؟
لماذا لا يكون الخيار الثالث هو بناء قوة إقليمية مستقلة، تتعاون فيها الدول والشعوب التي ترفض الهيمنة، بدل أن تبقى مجرد ساحات تتصارع فوقها القوى الكبرى؟
المعركة الحقيقية ليست أن تنتصر إيران على أمريكا أو أمريكا على إيران.
المعركة الأعمق هي: هل يبقى العالم محكومًا بمنظومة واحدة تضع قواعد اللعبة للجميع، أم يبدأ عصر التعددية الحقيقية وتوازن القوى؟
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن فعله هو تحويل صراع عالمي على النظام الدولي إلى حروب صغيرة بين شعوب المنطقة نفسها.
لا تسمحوا لهم أن يجعلوا كل شعب يخوض معركته وحده، بينما خصمُه يخوض المعركة كمنظومة واحدة.
لأن المسرح واحد… والكواليس واحدة… لكنهم يريدون من كل لاعب أن يظن أن المسرحية تخصّه وحده.
2026-08-25