افلاس مفاهيم الحداثة الايديلوجية في العراق!
عبدالاميرالركابي*
الافلاس الذي احرزه الحزب الشيوعي ومن تحالف معهم انتخابيا، كان بالاحرى مناسبة ابعد من مجرد خسارة جولة او معركة انتخابيه، حركت بفعل قوة الاحراج ظاهرة فشل اخطر، تلك التي تجلت في المقالات والكتابات التي ظهرت محاولة تفسير اسباب الهزيمه احيانا، او تحويلها الى مناسبة لاطلاق النقد ومحاولة التصويب، بالاخص بالنسبه للشيوعيين ورغبه الكثيرين منهم المتراكمه لاعادة قراءة مسارات الحزب وسياساته على مدى عقود مرت، راى البعض ان الاوان قد ان لكي تطلق، لعل الظرف قد صار مؤاتيا اليوم حتى تجد طريقها العسير للتطبيق.
وبقراءة اجمالية للنصوص التكرارية الممله التي صدرت بهذه المناسبة، يتكرس في الذهن المدى البعيد للغاية التي وصلته الافكار التي ترتكز لها تلك الكتابات كمنظومة مفاهيم باليه متهالكة خرجت من التاريخ، ليس اليوم، بل منذ عقود طويلة، محطتها الفاصلة ثورة اللاارضوية الثانيه غير الناطقة في 14 تموز 1958 يوم اقتلع من الوجود، المشروع البراني الويرلندي لما سمي وقتها ب “الدولة” التي اقيمت من “اهل البلاد” كوسيلة للحفاظ على ماممكن ـ ضمن ظروف مجافية كليا ـ الحفاظ عليه من المصالح الاستعمارية البريطانيه، وقتها حصل في الوقت نفسه التفارق بين القوى الايديلوجية الحداثية المسماة ب “الحركة الوطنيه” الزائفة، وبين واقع كان قد استعملها “استبدالا” بظل عدم النطقية السارية على الواقع العراقي ماتزال وقتها، بالذات في الطور الحالي من التشكل الوطن / كوني المستمر من القرن السادس عشر مع ظهور “اتحاد قبئل المنتفك” المرحلة القبلية من التشكل الحالي في ارض سومر التاريخيه، تبعتها مرحلة الانتظارية النجفية منذ القرن الثامن عشر.
ونعلم ان الثورة اللاارضوية الاولى عام عشرين قد وقعت وحققت ماقد حققته بوجه الاحتلال من دون “حركة وطنيه”، او اي تعبيرية عنها كانت ماتزال ابعد من ان تظهر اليوم، فما ان انتقل المحتل الى مخطط “الدولة” البرانيه المقامه من خارج النصاب المجتمعي، والكينونه التاريخيه، وتحديدا التشكلية الحد يثة المستمرة منذ قرابة الاربعة قرون، حتى صارت وكالمعتاد في هذا الموضع من العالم حيث دولة اللادولة غير الكيانيه، الحاجة لصيغة تعبيرية مقابله امرا ملحا، تبين ان الاحتلال نفسه بصفته “الغرب” يمكن ان يكون منطويا عليها، وان هو تطابق بالمفهوم العام للعراق مع الويرلندية الكيانوية المفروضة من خارج الكينونه العراقية التي لم تعرف الكيانيه الوطنيه على مر تاريخها، الاطول بين التواريخ البشريه.
ولاسباب دوليه تخص الغرب واستقطاباته، تحولت الويرلندية مبدئيا الى معسكرين احدهما معاد للاحتلال ومشاريعه لم يلبث ان تشكل في الجنوب، وفي عاصمة التشكل الاولى “المنتفك” بعد ان صارت لها مدينه، هي الناصرية، فاذا بالحزب الشيوعي والبعث اللذان جرت محاولات اقامتهما في بغداد بلا نجاح، يؤسسان هناك ويزدهران بقوة زخم اللاارضوية خارج التوافقية المفهومية، وبقوة الناحية المتعلقة بمقاومه المحتل ودولته، وكانهما دولة غير معلنه بمقابل دولة، كما هو حال هذا الموضع من المعمورة الازدواجي التكوين والبنيه على مر تاريخه، وبين الثلاثينات وثورة تموز 1958 قامت الديناميات التوافقية اللاارضوية مع المنظورات الايديلوجية المستعارة محولة الاخيرة بديلا عن مؤجل، انتهت اسبابه مع الثورة الثانيه غير الناطقة، وفي غمرتها، عندما اتخذ الحزب الشيوعي موقفا ايديلوجا “برجوازيا” لبرجوازية لاوجود لها ولفعلها، فاعلن رغبته في تحقيق مهام الثورة البرجوازية، مقابل ثورة تتعدى كينونتها مستوى ادراكه، وكل المفهوم الغربي عن الانقلاب الالي الحاصل هناك، مع مامواكب لها من نموذجية وطريقة نظر للاشياء.
مع ثورة 14 تموز انتهى دور ومفعول الافكار المستعارة الايديلوجية وغدت بلا فعالية، بينما صار الطور اللاارضوي من تاريخها سلعه للمتاجرة والاعتياش، بينما تحول الحزب بعد حلول عزيز محمد قائدا له الى حزب بديناميات جزئية كردية، معادية للاارضوية الاولى التي يموت قادتها شنقا وتعذيبا، والاهم ان الحزب المذكور قد فقد ايه مبررات للوجود، هو وكل مفاهيم وافكار الحداثوية المخالفة للواقع العراقي وللاليات التاريخيه العراقية، الباقية تنتظر الى اليوم، النطقية الكبرى اللاارضوية الازدواجية المؤجله.
والفترة او الحقبة المشار اليها، هي محطة عابرة ضمن السياق التشكلي التاريخي العراقي الحديث، مع ثورة تموز اللاارضوية الثانيه غير الناطقة، تنتهي مفاعيلها فتتحول الاحزاب والتيارات الايديلوجية المزيفة الى قوى مضادة، والى تابع للمنظورات الغربية لا على مستوى الكيانيه المعروفة ب “الوطنيه/ القوميه” فحسب، بل والالتحاق الكلي بالمنظور والمشروع الغربي المعروف بالحديث، وهو الحاصل وبالذات منذ عام 2003 من التحاق كلي بالمحتل الامريكي واجهزة مخابراته، ومفهومه الذي يعمد الى تكريسه ككيانيه لاكيانيه، ومعزوله عن ايه ممكنات عائدة الى البنيه التاريخيه ودينامياتها.
العراق بانتظار الثورة الفكرية الكونية الكبرى، تلك التي تتلائم مع طبيعته وموقعه من العملية التاريخيه على مستوى المعمورة كموضع لاارضوية ازدواجي، ذاهب بالمعمورة كلها الى مابعد ارضوية، ومابعد مجتمعية جسدية، ومن البديهي والطبيعي ان المهمه المشار اليها لن تكون يسيرة، ولاهي مما يقارن بكل اشكال الوثبات العقلية الفكرية المعروفة على امتداد التاريخ البشري، فاذا هي تأخرت كل هذه القرون متحديه بنيه العقل البشري وطاقته على الادراك كما هي متوفرة الى اليوم، فانها بالاحرى نوع من التحولية الانقلابيه العقلية يستحق كل هذا الزمن من التفاعل، لم يكن لها ان تخطر بعد على بال اولئك الذين يتصدون لمعالجة ظواهر هي منتهيات احباطية متهافته، من نوع افلاس الحزب الشيوعي الانتخابي، بناء للمنظومه التفكرية الخارجة من التاريخ والمنتهية الصلاحية منذ عقود، لا وجود يحسب لها سوى متبقيات حثالية مثلها مثل مايحيط بها.
نمط اخر من النظر كان ينبغي ان تكون مناسبة الافلاس الايديلوجي الحثالي الشامل للواقع العراقي اليوم محفزة له، نمط ان الاوان لكي يحضر وقد صار ضرورة عراقيا عالميا، بينما الغرب يسير نحو التهالك، وتجربته تبلغ المنتهى الذي كان في اصل وجودها التوهمي الارضوي اليوم، بانتظار الانتقال الوشيك للفعالية الكونية للبشرية الرئيسية، من اوربا والكيانيه الامريكيه المفقسة خارج رحم التاريخ، الى الكيانيه الاصل، ذلك هو قدر ارض مابين النهرين، مبتدءا ومنتهى.
2026-01-19