هل سيتمكن أُمناء الهيكل من ذبح القرابين هذا العيد!
رنا علوان
يُعتبر عيد الفصح العبري الذي يبدأ اليوم الاثنين ويمتد 7 أيام ، من أكثر المناسبات أهمية لدى اليهود لإرتباطه بما يسمونها قرابين “الشكر لله” على إنقاذ بني إسرائيل وخروجهم من مصر
وتتصدر دائمًا الدعوات لذبح القرابين الحيوانية في عيد الفصح جماعة “حوزريم لهار” أو “عائدون إلى جبل الهيكل” برئاسة المتطرف “رفائيل موريس” الذي ضُبط عشرات المرات يحاول إدخال الذبائح إلى سور القدس أو المسجد الأقصى ، حيث تؤمن الأخيرة بأن اليهود مطالبون ببناء الهيكل تحضيرًا لعودة المسيح ، وتعتبر أن قيام إسرائيل وعاصمتها القدس بداية لخلاص العالم بأسره ، وقد عُرِفت منذ تأسيسها بتنظيم اقتحامات للأقصى ، كما حاولت مرات عديدة إرساء حجر الأساس لهيكل سليمان المزعوم لكن المرابطين المقدسيين تصدوا لها
تعد هذه الجماعة من أقدم المنظمات اليمينية المتطرفة نشاطًا في اقتحامات الأقصى ، والتي تعمل لأجل هدمه وبناء “الهيكل الثالث” على أنقاضه ، أسسها الضابط في جيش الاحتلال الإسرائيلي “غرشون سولومون” بعد حرب يونيو/حزيران سنة 1967 ، وقال في خطاب لأتباعه “اصعدوا إلى جبل الهيكل ، واهدموا المسجد الأقصى وكنيسة القيامة لإقامة الهيكل الثالث مكانه وتهيئة الظروف لقدوم المسيح المخلص” ، وقد تم الاعترف بها رسميًا عام 1982 ، واتخذت من مدينة القدس مقرها الرئيسي ، ولها فرع بالولايات المتحدة الأميركية حيث يدعمها سياسيًا وماليًا المسيحيون المساندون للحركة الصهيونية خاصة من كاليفورنيا ، وهي واحدة من 40 منظمة يهودية صهيونية متطرفة
الجدير ذكره ان هذه المنظمة ، بدأت منذ تأسيسها سنة 1967 بالحفر تحت البيوت والمدارس والمساجد العربية المحيطة بالحرم بحجة البحث عن هيكل سليمان ، وامتد الحفر سنة 1968 تحت المسجد الأقصى نفسه ، كما حفرت نفقًا عميقًا وطويلًا تحت الحرم وأنشأت بداخله كنيسًا يهوديًا
وبما ان العهد القديم ينص على ثلاثة شروط لعودة المسيح إلى الأرض وخلاص شعب “إسرائيل” وهي :
-هجرة اليهود إلى “الديار المقدسة”
-قيام دولة إسرائيل على الأرض التي يزعمون أن الله وعدَ بها إبراهيم وإسحاق ويعقوب
-إعادة بناء الهيكل الثالث في الحرم القدسي الشريف
فلقد اقسم اعضاء المنظمة منذ تأسيسها ، بناءًا من هذه القناعة التوراتية ، على [“شنّ حرب مقدسة حتى تحرير جبل الهيكل”، وبناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى وقبّة الصخرة]
وتَعتبر هذه المنظمة ، أن الشروط جميعها تحقّقت ، بما فيها الحرب المُقدسة “هرمجدون” على اعتبار ان هذه الحرب القائمة حاليًا هي أولى فصولها ، وهذا هو الوقت المناسب لبناء الهيكل ، وإقامة “إسرائيل” التوراتية من الفرات إلى النيل
يُعتبر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من أبرز الداعمين لها ، كما تدعم حكومة العدو الإسرائيلي هذه المُنظمة ، بمبالغ مالية كبيرة عبر قطاعات وزارية ، إذ دعمتها وزارة الثقافة والعلوم والرياضة الإسرائيلية ، ووزارة التعليم ما بين سنة 2008 و2011 بحوالي 107 آلاف دولار في السنة، وفي سنة 2012 قدمت وزارة التعليم 50 ألف دولار إضافية لمعهد الهيكل
وهناك دعم آخر فكري أخطر يعمل على التمكين لفكرة بناء الهيكل في عقول ونفوس الأجيال الصاعدة ، إذ أدرجت إدارة التعليم الديني ذلك ضمن منهجها الدراسي وتوصي بجولة في معهد الهيكل
نأتي الى ما يُميز هذا العام عن بقية الاعوام ، وهو دخول العنصر الأميركي في معادلة العمل داخل المسجد الأقصى بحسب ما نقل دكتور عبدالله معروف (باحث مختص في علوم المسجد الأقصى ) ، إذ لا تنفكّ التقارير والمشاهدات تتواتر من داخل المسجد حول دخول عناصر أمنية وسياسية أميركية غير معلنة أكثر من مرة قبل وخلال شهر رمضان ، لكنّ أيًا من التقارير التي أوردت هذه الأنباء لم تذكر أسبابَ وطبيعة هذه العناصر وطريقة عملها فعليًا ، وهو ما يجعل من المنطق القول ، إنها كانت جزءًا من الدعم الأميركي اللامحدود لحكومة نتنياهو ، لمساعدته على ضبط الوضع في القدس في هذا الوقت الحساس
فضلاً عن وجود ميزة اضافية لهذا العام أيضًا ، انه قبيل عيد الفصح ، نجحت جماعة أمناء الهيكل في تطبيق عديد من الطقوس الدينية التي كانت تقام في الهيكل المزعوم ، مثل النفخ في البوق وتقديم القرابين النباتية وأداء الصلوات ، ولمواجهة ضعف الاستجابة والمشاركة لدعوات ذبح القربان في المسجد الأقصى ، عرضت جماعة “عائدون إلى جبل الهيكل” مكافآت مالية وصلت هذا العام إلى 50 ألف شيكل (أكثر من 13 ألف دولار) لِمن يتمكن من الذبح في الأقصى ، كما جعلت “عودة الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة” هدفًا للتضحية ، بُغية إعطاء الطقس طابعًا سياسيًا ودينيًا في آن واحد
وقد ظهرت والدة الجندي الإسرائيلي “إسرائيل سوكول” الذي قُتل في عملية المغازي بقطاع غزة في بداية العام الجاري ، في مقطع مصور على أحد حسابات جماعات الهيكل ، تدعو إلى ذبح القربان في المسجد الأقصى تخليدًا لروح ابنها الذي كان مقتحمًا للمسجد أيضًا
يرى أنصار تلك الجماعات أن ذبح القربان يعتبر تتويجًا لتلك الطقوس ونجاحًا في تثبيت التأسيس المعنوي والمادي للهيكل المزعوم ، وتركزت دعوات محاولات الذبح عشية عيد الفصح العبري ، تحديدا في وقت متأخر من مساء اليوم الاثنين 22 أبريل/نيسان في الساعة العاشرة والنصف ، رغم أن المسجد الأقصى يكون مغلقًا في هذا التوقيت ، حيث من المتوقع أن يحاول المستوطنون الذبح على أعتابه ، أو إرجاء المحاولة إلى صباح الثلاثاء حين تبدأ فترة الاقتحامات الرسمية في السابعة صباحًا
وجاء في نص إحدى الدعوات : “نحن ندعو كل شعب إسرائيل إلى أخذ عنزٍ أو خروف يصل عمره إلى سنة واحدة ، وإحضار القربان إلى جبل الهيكل على أمل أن نتمكن من ذبحه بشكل صحيح هذا العام”
كما عنونت دعوة أخرى بكلمة “طارئ” وقالت : “لا تفوّت ذبيحة عيد الفصح هذا العام ، يصعد شعب إسرائيل لتقديم الذبيحة في جبل الهيكل ، لذلك يُحرم التخلي عن ذبيحة عيد الفصح”
وبالعودة الى ما نقله لنا الباحث والمختص في شؤون القدس عبد الله معروف [ إن خطورة محاولات ذبح القربان الحيواني في المسجد الأقصى تكمن في أنه “طقس الهيكل الوحيد الذي لم يتم تنفيذه فعليًا في الأقصى حتى اللحظة”]
وقد حذّر من [أن المحاولات هذه السنة تأخذ منحنى خطير بسبب ظروف الحرب القائمة ، والظروف الصعبة التي تمر بها مدينة القدس]
ويضيف : “يرى تيار الصهيونية الدينية ذبح القربان في الأقصى تحديًا له أمام المعارضين في دولة الاحتلال مثل الأجهزة الأمنية وجهاز الشاباك ، علمًا أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يعد جزءًا من هذا التحدي ويرى أن قضية الذبح أساسية تمسه شخصيًا”
وتابع بأن بن غفير يحاول تغيير الوضع القائم في الأقصى من خلال تسهيل مهمة جماعات الهيكل ، قائلاً “نحن أمام مجموعات من المتطرفين دينيًا الذين يرون أنهم مكلفون من الله لتنفيذ هذه العملية وهذا ما يُكسب الأمر خطورة”
وبناء على ما سبق ، ترفض جماعة “أمناء جبل الهيكل” أي تسوية مع الفلسطينيين ، لأنها ترى فيها سبب انقسام “إسرائيل” وكسر وعد الله و”العهد بين الله وشعبه”
ويقول باحثون فلسطينيون إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تُجَّند وتدرب أعضاء من الحركة عسكريًا ، وهم من يقودون الاقتحامات لباحات المسجد الأقصى المبارك ، ويرتكبون الانتهاكات بحمايتها وبدعم من أجهزتها الأمنية
يتجاوز تأثير هذه المنظمة حجم أعضائها ، إذ بات لها حضورًا إعلاميًا كبيرًا في المشهد الإسرائيلي ، سعيًا منها لتمكين قناعاتها وخطاباتها وسط الرأي العام داخل كيان العدو ، فمنذ انتخابات 2003 ، أصبح تمثيل مختلف جماعات الهيكل واضحًا في المؤسسة البرلمانية ، ويتزايد في كل انتخابات إلى أن تجاوز عدد مقاعدها 15% من إجمالي مقاعد الكنيست
ختامًا ، إن كان لِمَ يحدث اليوم تبعات في المستقبل القريب ، فإنه سيكون أقرب مما يتخيل الكثيرون ، إذ إن العدو الإسرائيلي يعتبر أنه نجح نسبيًا في تجاوز عقبة شهر رمضان المبارك دون الدخول في مواجهة عارمةٍ في المنطقة ، بالرغم من أن كافة عناصر إطلاق هذه المواجهة ، ما زال متوفر فيها المناخ الفلسطيني والإقليمي
ولذلك ، سيحاول الاستفادة من هذا النجاح النسبي في المستقبل القريب بأسرع وقت ممكن ، خوفًا من ضياع هذه الفرصة ، وأولى الفرص المتاحة لليمين الحاكم اليوم ، تتمثل في عيد الفِصْح العبري ، فهل سينجح هؤلاء بإستغلال هذا الاسبوع وتنفيذ ذبح القرابين
2024-04-23
