انتخابات روسيا:
فوز حزب”روسيا الموحدة” يمدد التفويض لبوتين
فوز كاسح لحزب روسيا الموحدة في انتخابات مجلس الدوما الروسي بما يكرّس تركيبة السلطة الحالية ويمدد التفويض للرئيس فلاديمير بوتين في إدارة الحرب
سعيد محمد*
أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الروسية، بعد فرز أكثر من 82% من الأصوات، حصول حزب روسيا الموحدة، الحزب الحاكم المؤيد للرئيس فلاديمير بوتين، على نسبة 57.76% من أصوات القوائم الحزبية في انتخابات مجلس الدوما (البرلمان)، محققاً تقدماً بفارق ثماني نقاط مئوية تقريباً مقارنة بانتخابات عام 2021. وتشير التقديرات إلى أن الحزب سيحصد ما بين 331 و340 مقعداً من أصل 450 مقعداً، متجاوزاً بذلك عتبة الثلثين الدستورية التي تبلغ 300 مقعد، والتي تمنحه القدرة على إجراء تعديلات دستورية بشكل منفرد.
وجاء الحزب الشيوعي الروسي في المرتبة الثانية بنسبة 13.89% من الأصوات، متراجعاً بمقدار خمس نقاط مئوية عن نتائج عام 2021. وحلّ الحزب الليبرالي الديمقراطي، ذو التوجه القومي اليميني، ثالثاً بنسبة 8.77%، ثم حزب “أشخاص جدد”، ذو التوجه الوسطي، بنسبة 7.97%. أما حزب “روسيا العادلة” – يسار الوسط -، فقد حصل على نسبة 4.99%، وهي نسبة تقترب من عتبة 5% المطلوبة لدخول المجلس، مع استمرار فرز الأصوات.
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 56.66%، مسجلة ارتفاعاً بمقدار خمس نقاط مئوية عن انتخابات عام 2021. وتُعد هذه أول انتخابات تشريعية روسية تُجرى منذ بدء العمليات العسكرية الشاملة في أوكرانيا عام 2022، وهي الأولى التي تشمل مناطق ضمتها روسيا من أوكرانيا.
ويقول مراقبون غربيّون إن هذه الانتخابات أجريت في ظل منظومة سياسية محكمة السيطرة من الكرملين، حيث تُعد كافة الأحزاب الممثلة في مجلس الدوما جزءاً لا يتجزأ من النظام السياسي القائم. وقد استُبعد حزب “يابليكو”، الحزب الليبرالي الوحيد المعارض للحرب، بقرار من المحكمة العليا الروسية الشهر الماضي، بعد دعوى رفعها حزب “رودينا” القومي، على خلفية مزاعم بانتهاكات لحقوق النشر والاستفادة من تمويل أجنبي غير مباشر. ومع ذلك، ظل نحو 98 مرشحاً من الحزب في سباق الدوائر الفردية.
وقد صعّدت السلطات الروسية إجراءاتها تجاه يابليكو في الأسابيع التي سبقت الاقتراع. وحُكم على ليف شلوسبرغ، نائب رئيس الحزب، بالسجن 11 عاماً وشهر واحد بتهمة “نشر أخبار كاذبة” بسبب معارضته للحرب، كما يقضي نائب رئيس آخر للحزب، مكسيم كروغلوف، حكماً بالسجن سبع سنوات. وأفادت تقارير أن 32 عضواً في الحزب مُنعوا من المشاركة في الانتخابات بموجب أحكام قانونية استُحدثت بعد الحرب، فيما وُجهت اتهامات جنائية لـ13 منهم. كما واجه الحزب الشيوعي الروسي هو الآخر ضغوطاً متزايدة، شملت اعتقال 11 من أعضائه البارزين في إقليم ألتاي بين نوفمبر 2025 وفبراير 2026، ومُنع عضوان من الحزب في منطقة أومسك من الترشح بتهمة “عرض رموز متطرفة”.
وعلى صعيد المرشحين، ضمّت قائمة روسيا الموحدة شخصيات بارزة في مقدمتها وزير الخارجية سيرغي لافروف، وعمدة موسكو سيرغي سوبيانين، والمراسل الحربي يفغيني بودوبني، ومفوضة حقوق الطفل ماريا لفوفا-بيلوفا، وقائد حركة “يونارميا” فلاديسلاف غولوفين. واستخدم الحزب أسلوب “القاطرة” المعروف في الانتخابات الروسية، حيث يضع حكام الأقاليم والشخصيات الفيدرالية البارزة في صدارة القوائم بهدف جذب الأصوات، مع توقع تنازل معظمهم عن مقاعدهم لاحقاً لمرشحين آخرين.
وقد أُجريت الانتخابات في المناطق الأوكرانية الأربع التي أعلنت روسيا ضمها في 2022، وهي دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون، إضافة إلى شبه جزيرة القرم، في خطوة اعتبرتها كييف والغرب غير قانونية. كما شمل التصويت فتح مراكز اقتراع في منطقة ترانسنيستريا الانفصالية في مولدوفا، وهو ما أثار امتعاض حكومة كيشيناو التي استدعت السفير الروسي وقدّمت مذكرة احتجاج رسمية.
ولاقت نتائج الانتخابات ردود فعل متباينة على الساحة الدولية. فقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن عدم اعترافه بنتائج الاقتراع، ووصف المتحدث باسم المفوضية الأوروبية الانتخابات في المناطق الأوكرانية التي ضمتها روسيا بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي”. كما انتقدتها منصة الحوار مع القوى الديمقراطية الروسية التابعة للجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا ووصفتها بأنها “انتخابات زائفة”.
وعلى الصعيد الأوكراني، دعت وزارة خارجية كييف المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات في المناطق التي تعتبرها محتلة، محذرة المواطنين من أن المشاركة في تنظيمها قد تحمل مسؤولية جنائية.
وكانت روسيا قد رفضت دعوة مراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لمراقبة الانتخابات، متهمة المنظمة بازدواجية المعايير. واعتبر رئيس الجمعية البرلمانية للمنظمة، بيري جوان بونس، أن هذا القرار يشكل خرقاً لالتزامات روسيا كدولة عضو. واكتفت السلطات الروسية باستقبال مراقبين من نحو 55 دولة، معظمها من دول صديقة.
وتعرضت العاصمة موسكو خلال اليوم الأخير للانتخابات التي أجريت على مدى ثلاثة أيام إلى هجوم أوكراني بالمسيرات وصفه رئيس بلدية المدينة سيرغي سوبيانين بأنه “الأكبر في تاريخ الحرب”. وأعلنت السلطات عن إسقاط أكثر من 1600 مسيّرة، بينها 450 كانت متجهة نحو العاصمة، فيما أسفر الهجوم عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة 20 آخرين في أحد أحياء موسكو، كما أصاب مصفاة نفط وعدداً من المباني السكنية.
واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بمحاولة “إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس”، متعهدةً بـ”تكثيف ضرباتها بأسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف”.
وأتت هذه الانتخابات في سياق حرب أوسع تتجاوز مواجهة روسيا وأوكرانيا، لتكون أشبه حرب بالوكالة بين روسيا والغرب. ويرى محللون أن الكرملين قد يستخدم النتائج كـ”تفويض شعبي” لمواصلة العمليات العسكرية في أوكرانيا، والادعاء بأن معظم الروس التفوا حول الرئيس، ولتبرير السياسات والقرارات المستقبلية المتعلقة بالحرب.
وتواجه خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المحدثة لتسوية محتملة، التي عرضها مبعوثون أمريكيون على الرئيس بوتين قبيل الانتخابات، العقبات ذاتها التي أفشلت خطته الأولى، نظراً لاتساع الفجوة بين مطالب موسكو وكييف، ولأن كلفة التنازلات السياسية قد تكون باهظة على الطرفين.
فالأوكرانيون يريدون إنهاء الحرب، لكن نسبة كبيرة منهم، ولا سيما الجنود، ترفض التنازل الرسمي عن الأراضي. وقبول الرئيس فولوديمير زيلينسكي اتفاقاً يتضمن الاعتراف بضم روسيا للمناطق في شرقي البلاد قد يؤدي إلى اتهامه بالخيانة وإلى صعود اليمين القومي المتطرف.
بدورها، تعاني موسكو من تحديات شائكة. فتقدمها الميداني بطيء ومكلف، وقد تراجعت وتيرته خلال عام 2026، بينما أثبتت أوكرانيا قدرتها على تعطيل الهجمات الروسية واستعادة المبادرة في بعض الجبهات بفضل الدعم الغربي. ويبدو أن بوتين ما زال مقتنعاً بإمكان تحقيق النصر، وربما يلجأ إلى تعبئة واسعة أو صامتة لكسر الجمود العسكري، وهو خيار ينطوي على مخاطر داخلية كبيرة، لأن التعبئة لا تحظى بتأييد شعبي، وقد تؤدي إلى تفاقم نقص العمالة والأزمة الاقتصادية.
ويعاني الاقتصاد الروسي تباطؤاً وتضخماً ونقصاً في العمالة وآثاراً متزايدة للضربات الأوكرانية، وقد يدخل في ركود خلال 2027. وبحسب استطلاعات للرأي أجريت عشية الانتخابات فإن 43% من المواطنين قالوا إن وضعهم المالي تدهور خلال العام الماضي، واضطروا لتقليص إنفاقهم على الغذاء والضروريات الأساسية. وتزامن ذلك مع أزمة نقص الوقود الناجمة عن هجمات متكررة بالمسيرات على مصافي النفط الروسية.
ومع ذلك، يستبعد الخبراء نشوب اضطرابات شعبية واسعة تطيح بالنظام الروسيّ في أي وقت قريب بسبب غياب تنظيم جماهيري عريض قادر على قيادة الاحتجاجات. لكنه قد ينهار فجأة، بحسب التقديرات، إذا اجتمعت الهزيمة العسكرية والأزمة الاقتصادية والانقسام داخل النخبة، إذ ربما يقرر المحيطون ببوتين إزاحته حفاظاً على الدولة ومصالحهم.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-09-23