كان الاجتماع الرباعي الذي عقد في دمشق بتاريخ الرابع من أيلول من عام ٢٠٠٨ الذي جمع قادة كل من سوريا وفرنسا وتركيا وقطر بمثابة المرحلة الثالثة في الاستعداد للحرب الكارثية في سوريا، فبعد أن فشل كولن باول بأخذ دمشق نحو إعادة تقييم سلوكها السياسي وتغييره باتجاه التموضع مع ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي كانت ومازالت تسعى إليه واشنطن، والانتقال نحو التهديدات المستمرة إلى أن وصلت إلى حدها الأقصى بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، واتهام دمشق بعملية الاغتيال مما أدى لخروج الجيش السوري من لبنان، واستمرت الضغوط بالحدود القصوى حتى اندلاع حرب تموز ٢٠٠٦، والتي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس كولادة لشرق أوسط جديد، وكان لهزيمة الولايات المتحدة فيما سعت إليه الدافع نحو محاولة استيعاب دمشق ودمجها بمنظومة شرق أوسطية ذات طابع اقتصادي ليبرالي مرتبط بفتح أسواق الخليج للبضائع السورية، ما خفف إلى حد كبير من الضغوطات والعقوبات الأمريكية والأوروبية، وأدى لتحولات اقتصادية ذات أثر كبير على مستوى معيشة السوريين وأنماطها، ومن هنا كان اختبار القمة الرباعية الذي عقد في دمشق لمجموعة من الأهداف المعلنة آنذاك حول السلام وإقناع إيران بالاتفاق النووي، ولكن الهدف الحقيقي غير المعلن هو الطلب من القيادة السورية بالسماح لمرور حوامل الطاقة من قطر وتركمانستان وإيران أيضاً بعد إسقاط نظامها السياسي الذي حُضّر له وفشل بعد ما يسمى الثورة الخضراء اللاحقة للانتخابات الرئاسية في عام ٢٠٠٩عبر سورية إلى تركيا ثم إلى دول الاتحاد الأوروبي مقابل استثمارات خليجية بما يقارب المائة وخمسين مليار دولار.
كان الجواب السوري واضحاً بالرفض لهذا المشروع لأن دمشق تدرك بأن النيل من طهران وموسكو سيعرضانها لكشف ظهرها، ويجعلها وحيدة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بالإضافة إلى دول الخليج التي لا يمكن الإطمئنان لها، فما كان من الغرب إلا أن يستمر بمحاولات استقطاب دمشق بحلاوة النظام الليبرالي الإقليمي والدولي، مع العمل على خطة تدميرية بديلة تدفع بدمشق قسراً لتغيير سلوكها بما يضمن عرقلة نهوض كل من روسيا والصين وإيران على مستوى قارة آسيا بشكل خاص، وهو ما أداه الربيع العربي -الأميركي- الذي بدأ في تونس ووصل إلى سوريا مدمراً معظم الدول التي مر بها.
امتازت الحرب في سوريا بتوضح أهدافها منذ بدايات التظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت في أغلب المدن والقرى السورية، وخاصة بعد أن أُحرقت الأعلام الروسية والصينية والإيرانية في بعض المظاهرات، ما أدركته هذه الدول مبكراً بأنها مستهدفة بهذه الحرب، وأن دمشق تخوض الحرب ليس دفاعاً عن نفسها فقط، بل هي الساحة الأساس لتفجر العنف الدولي لمنع تغيير النظام الدولي وحيد القطب الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وهذا ما دفع بهذه الدول لأن تتبنى مسألة الدفاع عن أمنها القومي في سوريا تبعاً لطبيعة التهديدات وشدتها، مما أدى للتمايز بمستوى تبني القضية السورية، فسلكت الصين مبدأ الدعم السياسي مؤازرة لروسيا في مجلس الأمن برفض تغطية أي اعتداء باسم الأمم المتحدة، فيما ذهبت روسيا إلى مجال الحماية السياسية والدعم العسكري فدخلت بشكل مباشر من خلال الدعم العسكري الجوي في أيلول ٢٠١٥، بينما ذهبت إيران إلى أبعد من ذلك من خلال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، ما أطال عمر الحرب وأسقط الأهداف الأمريكية بتغيير الموقع الجيوسياسي لسوريا، ولَم يتبق من أسلحة أمامها سوى اللجوء للعقوبات القصوى التي لا تستهدف فعليّاً النظام السياسي في سوريا الذي يخضع لعقوبات غربية مشددة منذ انطلاق الحرب على سوريا وفيها، بل ينتقل لمستوى ثانٍ ويتوجه بشكل مباشر للدول الثلاث التي تشكل تهديداً لموقع الولايات المتحدة العالمي، خاصةً بعد الانكفاء الأميركي على مستوى غرب آسيا في كل من أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وفي جنوب شرق الصين وتوقفه في منتصف أوكرانيا، بالإضافة للإنقسام الأمريكي الداخلي العميق والعنيف المهدد لديمومتها، بالإضافة لانكشافها بعد انتشار وباء كوڤيد ١٩، وما تركه من آثار اقتصادية كبيرة على الداخل الأميركي وعلى الغرب عموماً، ويأتي قانون قيصر في سياق الصراع الدولي والإقليمي الكبير حول بقاء نظام العولمة الأميركي كقوة وحيدة لا يسمح لأي دولة بالخروج عنه، وبين قوى دولية وإقليمية ناهضة، تشكل فيها الساحة السورية المؤشر الأساس لمستقبل الصراع، بالإضافة إلى المطلب الأساس لواشنطن بما يتعلق بترتيب أوضاع المشرق بما يضمن الدور الوظيفي لإسرائيل ويضمن استمراريتها، وقد كان جيمس جيفري المسؤول المباشر عن الملف السوري في الإدارة الأمريكية واضحاً بالدوافع الإقليمية للقانون، عندما عرض على دمشق حل مشكلتها الاقتصادية مقابل إخراج إيران وكل القوى من سوريا والدخول ضمن المنظومة الإقليمية الأميركية.
من الواضح الآن بأن العقوبات الأمريكية المتتابعة على سوريا لا يمكن التخلص منها حتى تتوضح نتائج الصراع بين المحورين، وهذا الأمر قد يأخذ سنوات وليس أسابيع وأشهر، ولا يمكن للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الذي يصطف معها أن تتراجع عنه إلا في حال هزيمتها الواضحة وإقرارها بنظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
أين التحدي ؟
عدا عن موقف الحليفين الإيراني والروسي الواضحين باستمرار دعمهما لسوريا ومنع سقوطها فإن الأمر يتعلق بمدى تحمل السوريين لشدة الحصار الذي عرفوه من قبل في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وما تابعوه من حصار العراق بعد دخول الجيش العراقي إلى الكويت في تسعينات القرن الماضي حتى احتلال العراق، بالإضافة لإخضاع لبنان الآن لحالة الخنق الاقتصادي والإفلاس، وهذا يتطلب من دمشق بالدرجة الأولى إعادة قراءة التجربة الاقتصادية والسياسية قبل الحرب وبعدها، والعمل على إشراك السوريين كافةً وتحميلهم مسؤولياتهم لمواجهة الحصار الخانق، وتحويله لفرصة لإعادة بناء الدولة بما يتناسب مع حجم التهديدات الوجودية الكبيرة، وبما ينسجم مع التاريخ الحضاري، وهذا يتطلب مبادرة وطنية تقودها دمشق تجمع فيها كل النخب الوطنية على المستوى العلمي والاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي، ومن خارج سياق التجربة التي أثبتت فشلها وعجزها خلال السنوات الماضية عن تغيير الواقع السوري، بل ومساهمتها من الناحية الفعلية بتعزيز العقوبات ونتائج الحصار من الناحية الموضوعية.